هناك مؤسسات لا تُقاس عظمتها بعدد مبانيها، ولا بعدد الكتب التي تحفظها، ولا بعدد الفعاليات التي تنظمها، وإنما بقدرتها على أن تظل حية في وعي الناس، قادرة على قراءة زمنها، واستشراف مستقبلها، وصناعة الأسئلة التي ستحدد شكل الغد.
ومكتبة الإسكندرية واحدة من هذه المؤسسات.
من هنا يمكن النظر إلى تجربة الدكتور أحمد عبد الله زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، باعتبارها تجربة تتجاوز الإدارة التقليدية لمؤسسة ثقافية كبرى. فالرجل لا يتعامل مع المكتبة باعتبارها مبنى شهيرًا على البحر، ولا باعتبارها مجرد مكتبة بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما باعتبارها مشروعًا حضاريًا مصريًا مفتوحًا على العالم، ومؤسسة يمكن أن تستعيد دورها التاريخي في إنتاج المعرفة، وصناعة الحوار، وبناء الإنسان.
وهنا تكمن أهمية تجربة أحمد عبد الله زايد.
لقد أدرك أن مكتبة الإسكندرية لا تستطيع أن تعيش على أمجاد اسمها أو رمزية موقعها التاريخي. فالمكتبة القديمة كانت في زمانها قلب العالم الفكري، ولذلك فإن مكتبة الإسكندرية الحديثة لا يمكن أن تكتفي بأن تكون شاهدًا على التاريخ، بل يجب أن تكون فاعلًا في صناعة التاريخ.
وهذا هو معنى التجديد الحقيقي.
التجديد ليس أن نغير الواجهات، أو نضيف نشاطًا إلى برنامج، أو نرفع عدد المؤتمرات. التجديد الحقيقي هو أن تتغير فلسفة المؤسسة نفسها، وأن تتحول من مكان يأتي إليه الناس إلى مؤسسة تذهب إليهم، ومن مؤسسة تحفظ المعرفة إلى مؤسسة تنتجها وتتيحها، ومن مركز ثقافي محلي إلى منصة مصرية ذات حضور إقليمي ودولي.
وفي السنوات الأخيرة ظهرت ملامح واضحة لهذا التحول.
ففكرة الوصول بالمعرفة إلى مختلف أنحاء مصر تعكس تصورًا جديدًا لدور المكتبة. لم تعد مكتبة الإسكندرية تنتظر القارئ أو الباحث لكي يصل إلى الإسكندرية، وإنما تسعى هي إلى الوصول إليه، من خلال المبادرات الثقافية والمعرفية والرقمية، ومن خلال توسيع دائرة التعاون مع الجامعات والمؤسسات التعليمية والثقافية.
إنها فلسفة جديدة للمكتبة: مكتبة بلا جدران.
وهذه العبارة ليست مجازًا أدبيًا فقط، بل يمكن أن تكون عنوانًا لمرحلة كاملة من تاريخ مكتبة الإسكندرية.
فالمكتبة الحديثة لا تستطيع أن تنتظر القارئ داخل قاعاتها. عليها أن تبحث عن القارئ في المدرسة والجامعة والمدينة الجديدة والقرية والمحافظة والفضاء الرقمي.
وهنا يظهر جانب آخر من مشروع أحمد عبد الله زايد: إعادة تعريف علاقة المكتبة بالشباب.
الشباب ليسوا جمهورًا هامشيًا في هذا المشروع، وإنما هم في القلب. فالمؤسسة الثقافية التي تريد أن تصنع المستقبل لا يمكنها أن تتعامل مع الأجيال الجديدة باعتبارها مجرد جمهور للفعاليات، وإنما عليها أن تجعلهم شركاء في صناعة المستقبل.
ومن هنا تأتي أهمية المبادرات التي تفتح أمام الشباب أبواب المعرفة والتعلم والحوار، وتساعدهم على اكتشاف قدراتهم، واختيار مساراتهم العلمية والمهنية، والاقتراب من عالم الثقافة والفكر والعلوم والتكنولوجيا.
الأرقام مهمة، والفعاليات مهمة، والمؤتمرات والمعارض والندوات مهمة، لكنها ليست جوهر الحكاية.
الأهم هو ما وراء هذه الأرقام.
إنها محاولة لتحويل المكتبة إلى مساحة للحوار العام، وإلى مدينة ثقافية مصغرة، وإلى مكان تلتقي فيه الأفكار قبل أن تتحول إلى مشاريع، وتلتقي فيه الأجيال قبل أن تفصل بينها المسافات.
ومن هذه الزاوية أيضًا يمكن فهم اهتمام أحمد عبد الله زايد بتوسيع الخريطة الجغرافية للمكتبة.
فمكتبة الإسكندرية لا ينبغي أن تظل حبيسة جغرافية الإسكندرية، حتى وإن كانت الإسكندرية هي روحها ومهدها. المؤسسة الثقافية الكبرى تستطيع أن تكون موجودة في كل مكان تصل إليه المعرفة.
الإسكندرية هنا ليست نقطة النهاية.
إنها نقطة الانطلاق.
ومن اللافت كذلك أن مشروع التجديد لا يقف عند القراءة والكتب والفعاليات، بل يمتد إلى التكنولوجيا والابتكار والبحث العلمي والتراث.
وهذا يعني أن أحمد عبد الله زايد يحاول أن ينقل المكتبة من مفهوم «مخزن المعرفة» إلى مفهوم «مختبر المعرفة».
والفرق بين الاثنين كبير.
مخزن المعرفة يحفظ ما أنتجه الآخرون.
أما مختبر المعرفة فيسأل: ماذا يمكن أن ننتج نحن؟
وهنا تصبح المكتبة جزءًا من منظومة صناعة المستقبل.
لكن ربما يكون أكثر ما يميز تجربة أحمد عبد الله زايد هو محاولته بناء علاقة جديدة بين الثقافة وقضايا المجتمع.
فالثقافة ليست ترفًا يأتي بعد الاقتصاد، وليست نشاطًا احتفاليًا منفصلًا عن قضايا الناس. الثقافة جزء من عملية بناء الإنسان، وبناء الإنسان هو البداية الحقيقية لبناء الدولة الحديثة.
ولهذا فإن المؤسسات الثقافية الكبرى يجب أن تكون موجودة في قلب النقاش الوطني، وأن تفتح أبوابها أمام الأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمع.
ومن هنا تكتسب مكتبة الإسكندرية أهمية استثنائية.
فهي ليست مكتبة فقط، وليست مركزًا للمؤتمرات فقط، وليست مؤسسة لحفظ الكتب والوثائق فقط.
إنها مساحة للحوار بين العلم والثقافة، وبين الماضي والمستقبل، وبين مصر والعالم.
وهنا يمكن أن نفهم شخصية الرجل الإدارية والفكرية في آن واحد.
فمدير المؤسسة الثقافية الناجح ليس مجرد شخص يدير ميزانية وموظفين ومواعيد. إنه شخص يمتلك تصورًا عن وظيفة الثقافة نفسها.
وأحمد عبد الله زايد، بما يمتلكه من خلفية أكاديمية وفكرية، يحاول أن يجعل الإدارة خادمة للفكرة، لا أن تصبح الفكرة أسيرة للإدارة.
وهذا تحدٍ شديد الصعوبة.
فالمؤسسات الكبرى تحمل تاريخًا طويلًا، ولها هياكل إدارية، وتقاليد راسخة، وتوقعات من الجمهور، وشركاء، ومؤسسات علمية وثقافية. ولذلك فإن أي عملية تجديد حقيقية تحتاج إلى صبر وإرادة وقدرة على إدارة التوازن بين الحفاظ على الهوية وفتح الأبواب أمام المستقبل.
وهذه واحدة من أهم سمات المرحلة الحالية في مكتبة الإسكندرية.
فالمطلوب ليس هدم ما تحقق، بل البناء عليه.
ليس قطع الصلة بالماضي، بل استخدام الماضي لإنتاج المستقبل.
وهذا تحديدًا ما تحتاج إليه مكتبة تحمل اسم الإسكندرية.
فالإسكندرية نفسها مدينة قامت تاريخيًا على فكرة العبور بين الثقافات. كانت مدينة يلتقي فيها المصري باليوناني، والشرقي بالغربي، والعالم بالبحر، والتجارة بالفكر، والفلسفة بالعلم.
ومن ثم فإن مكتبة الإسكندرية لا تستطيع أن تكون مؤسسة ثقافية عادية.
إنها تحمل عبء الاسم.
وهذا الاسم يفرض عليها أن تكون جسرًا بين مصر والعالم.
ومن هنا فإن الانفتاح على المؤسسات الثقافية والعلمية العربية والدولية، وبناء الشراكات، واستضافة المفكرين والعلماء والكتاب والمبدعين، كلها ليست أنشطة منفصلة، وإنما أجزاء من رؤية أكبر تجعل من المكتبة منصة للحوار الحضاري.
وقد يكون هذا هو أحد أهم مفاتيح فهم مشروع أحمد عبد الله زايد.
إنه لا يريد للمكتبة أن تتحدث إلى نفسها.
يريدها أن تتحدث مع مصر، وأن تتحدث مع العالم.
وهذا فارق كبير.
فالمؤسسة الثقافية التي تتحدث إلى نفسها تتحول مع الوقت إلى جزيرة مغلقة، أما المؤسسة التي تتحاور مع العالم فإنها تظل حية ومتجددة وقادرة على اكتشاف موقعها في حركة التاريخ.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: ماذا يعني أن تكون هناك مكتبة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
إنسان اليوم يستطيع أن يصل إلى ملايين الكتب والمقالات والصور والمعلومات خلال ثوانٍ.
إذن لم تعد المشكلة هي الوصول إلى المعلومات.
المشكلة أصبحت في القدرة على فهمها.
وفي التمييز بين الحقيقة والزيف.
وفي امتلاك القدرة على التفكير النقدي.
وفي معرفة السؤال الصحيح قبل البحث عن الإجابة.
وفي تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى فعل.
وهنا بالضبط تستعيد المكتبة معناها.
إنها ليست مكانًا للهروب من المستقبل، وإنما مكان لفهم المستقبل.
وليست متحفًا للماضي، وإنما جسرًا بين الماضي والمستقبل.
ومن هذه الزاوية يصبح دور أحمد عبد الله زايد أكبر من مجرد إدارة مؤسسة.
إنه إدارة انتقال تاريخي من عصر المكتبة بوصفها «مكانًا للكتب» إلى عصر المكتبة بوصفها «مكانًا لصناعة الإنسان».
ولذلك فإن مستقبل مكتبة الإسكندرية لن يقاس فقط بعدد الكتب الموجودة على أرففها، ولا بعدد الزوار الذين يدخلون أبوابها، وإنما بعدد العقول التي خرجت منها أكثر قدرة على السؤال، وأكثر قدرة على التفكير، وأكثر انفتاحًا على العالم، وأكثر ارتباطًا بمصر.
هذه هي القيمة الحقيقية لأي مؤسسة ثقافية.
أن تترك أثرًا في الإنسان.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما يمكن قوله عن أحمد عبد الله زايد أنه لم يحاول أن يجعل مكتبة الإسكندرية نسخة من الماضي، بل يحاول أن يجعلها مؤسسة تليق بالمستقبل.
فالمكتبة القديمة كانت عظيمة لأنها كانت في قلب عصرها.
ومكتبة الإسكندرية الحديثة لن تكون عظيمة لأنها تحمل اسمًا تاريخيًا عظيمًا، وإنما لأنها تستطيع أن تكون في قلب عصرنا.
وهذا هو مشروع التجديد الحقيقي.
وهذا هو التحدي.
وهذه هي قيمة الدور الذي يقوم به أحمد عبد الله زايد.
إنه لا يدير مكتبة فحسب.
إنه يحاول أن يعيد للمكتبة معناها.
وأن يجعل من الإسكندرية، مرة أخرى، مدينة تتحدث مع العالم بلغة المعرفة.
ومكتبة الإسكندرية واحدة من هذه المؤسسات.
من هنا يمكن النظر إلى تجربة الدكتور أحمد عبد الله زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، باعتبارها تجربة تتجاوز الإدارة التقليدية لمؤسسة ثقافية كبرى. فالرجل لا يتعامل مع المكتبة باعتبارها مبنى شهيرًا على البحر، ولا باعتبارها مجرد مكتبة بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما باعتبارها مشروعًا حضاريًا مصريًا مفتوحًا على العالم، ومؤسسة يمكن أن تستعيد دورها التاريخي في إنتاج المعرفة، وصناعة الحوار، وبناء الإنسان.
وهنا تكمن أهمية تجربة أحمد عبد الله زايد.
لقد أدرك أن مكتبة الإسكندرية لا تستطيع أن تعيش على أمجاد اسمها أو رمزية موقعها التاريخي. فالمكتبة القديمة كانت في زمانها قلب العالم الفكري، ولذلك فإن مكتبة الإسكندرية الحديثة لا يمكن أن تكتفي بأن تكون شاهدًا على التاريخ، بل يجب أن تكون فاعلًا في صناعة التاريخ.
وهذا هو معنى التجديد الحقيقي.
التجديد ليس أن نغير الواجهات، أو نضيف نشاطًا إلى برنامج، أو نرفع عدد المؤتمرات. التجديد الحقيقي هو أن تتغير فلسفة المؤسسة نفسها، وأن تتحول من مكان يأتي إليه الناس إلى مؤسسة تذهب إليهم، ومن مؤسسة تحفظ المعرفة إلى مؤسسة تنتجها وتتيحها، ومن مركز ثقافي محلي إلى منصة مصرية ذات حضور إقليمي ودولي.
وفي السنوات الأخيرة ظهرت ملامح واضحة لهذا التحول.
ففكرة الوصول بالمعرفة إلى مختلف أنحاء مصر تعكس تصورًا جديدًا لدور المكتبة. لم تعد مكتبة الإسكندرية تنتظر القارئ أو الباحث لكي يصل إلى الإسكندرية، وإنما تسعى هي إلى الوصول إليه، من خلال المبادرات الثقافية والمعرفية والرقمية، ومن خلال توسيع دائرة التعاون مع الجامعات والمؤسسات التعليمية والثقافية.
إنها فلسفة جديدة للمكتبة: مكتبة بلا جدران.
وهذه العبارة ليست مجازًا أدبيًا فقط، بل يمكن أن تكون عنوانًا لمرحلة كاملة من تاريخ مكتبة الإسكندرية.
فالمكتبة الحديثة لا تستطيع أن تنتظر القارئ داخل قاعاتها. عليها أن تبحث عن القارئ في المدرسة والجامعة والمدينة الجديدة والقرية والمحافظة والفضاء الرقمي.
وهنا يظهر جانب آخر من مشروع أحمد عبد الله زايد: إعادة تعريف علاقة المكتبة بالشباب.
الشباب ليسوا جمهورًا هامشيًا في هذا المشروع، وإنما هم في القلب. فالمؤسسة الثقافية التي تريد أن تصنع المستقبل لا يمكنها أن تتعامل مع الأجيال الجديدة باعتبارها مجرد جمهور للفعاليات، وإنما عليها أن تجعلهم شركاء في صناعة المستقبل.
ومن هنا تأتي أهمية المبادرات التي تفتح أمام الشباب أبواب المعرفة والتعلم والحوار، وتساعدهم على اكتشاف قدراتهم، واختيار مساراتهم العلمية والمهنية، والاقتراب من عالم الثقافة والفكر والعلوم والتكنولوجيا.
الأرقام مهمة، والفعاليات مهمة، والمؤتمرات والمعارض والندوات مهمة، لكنها ليست جوهر الحكاية.
الأهم هو ما وراء هذه الأرقام.
إنها محاولة لتحويل المكتبة إلى مساحة للحوار العام، وإلى مدينة ثقافية مصغرة، وإلى مكان تلتقي فيه الأفكار قبل أن تتحول إلى مشاريع، وتلتقي فيه الأجيال قبل أن تفصل بينها المسافات.
ومن هذه الزاوية أيضًا يمكن فهم اهتمام أحمد عبد الله زايد بتوسيع الخريطة الجغرافية للمكتبة.
فمكتبة الإسكندرية لا ينبغي أن تظل حبيسة جغرافية الإسكندرية، حتى وإن كانت الإسكندرية هي روحها ومهدها. المؤسسة الثقافية الكبرى تستطيع أن تكون موجودة في كل مكان تصل إليه المعرفة.
الإسكندرية هنا ليست نقطة النهاية.
إنها نقطة الانطلاق.
ومن اللافت كذلك أن مشروع التجديد لا يقف عند القراءة والكتب والفعاليات، بل يمتد إلى التكنولوجيا والابتكار والبحث العلمي والتراث.
وهذا يعني أن أحمد عبد الله زايد يحاول أن ينقل المكتبة من مفهوم «مخزن المعرفة» إلى مفهوم «مختبر المعرفة».
والفرق بين الاثنين كبير.
مخزن المعرفة يحفظ ما أنتجه الآخرون.
أما مختبر المعرفة فيسأل: ماذا يمكن أن ننتج نحن؟
وهنا تصبح المكتبة جزءًا من منظومة صناعة المستقبل.
لكن ربما يكون أكثر ما يميز تجربة أحمد عبد الله زايد هو محاولته بناء علاقة جديدة بين الثقافة وقضايا المجتمع.
فالثقافة ليست ترفًا يأتي بعد الاقتصاد، وليست نشاطًا احتفاليًا منفصلًا عن قضايا الناس. الثقافة جزء من عملية بناء الإنسان، وبناء الإنسان هو البداية الحقيقية لبناء الدولة الحديثة.
ولهذا فإن المؤسسات الثقافية الكبرى يجب أن تكون موجودة في قلب النقاش الوطني، وأن تفتح أبوابها أمام الأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمع.
ومن هنا تكتسب مكتبة الإسكندرية أهمية استثنائية.
فهي ليست مكتبة فقط، وليست مركزًا للمؤتمرات فقط، وليست مؤسسة لحفظ الكتب والوثائق فقط.
إنها مساحة للحوار بين العلم والثقافة، وبين الماضي والمستقبل، وبين مصر والعالم.
وهنا يمكن أن نفهم شخصية الرجل الإدارية والفكرية في آن واحد.
فمدير المؤسسة الثقافية الناجح ليس مجرد شخص يدير ميزانية وموظفين ومواعيد. إنه شخص يمتلك تصورًا عن وظيفة الثقافة نفسها.
وأحمد عبد الله زايد، بما يمتلكه من خلفية أكاديمية وفكرية، يحاول أن يجعل الإدارة خادمة للفكرة، لا أن تصبح الفكرة أسيرة للإدارة.
وهذا تحدٍ شديد الصعوبة.
فالمؤسسات الكبرى تحمل تاريخًا طويلًا، ولها هياكل إدارية، وتقاليد راسخة، وتوقعات من الجمهور، وشركاء، ومؤسسات علمية وثقافية. ولذلك فإن أي عملية تجديد حقيقية تحتاج إلى صبر وإرادة وقدرة على إدارة التوازن بين الحفاظ على الهوية وفتح الأبواب أمام المستقبل.
وهذه واحدة من أهم سمات المرحلة الحالية في مكتبة الإسكندرية.
فالمطلوب ليس هدم ما تحقق، بل البناء عليه.
ليس قطع الصلة بالماضي، بل استخدام الماضي لإنتاج المستقبل.
وهذا تحديدًا ما تحتاج إليه مكتبة تحمل اسم الإسكندرية.
فالإسكندرية نفسها مدينة قامت تاريخيًا على فكرة العبور بين الثقافات. كانت مدينة يلتقي فيها المصري باليوناني، والشرقي بالغربي، والعالم بالبحر، والتجارة بالفكر، والفلسفة بالعلم.
ومن ثم فإن مكتبة الإسكندرية لا تستطيع أن تكون مؤسسة ثقافية عادية.
إنها تحمل عبء الاسم.
وهذا الاسم يفرض عليها أن تكون جسرًا بين مصر والعالم.
ومن هنا فإن الانفتاح على المؤسسات الثقافية والعلمية العربية والدولية، وبناء الشراكات، واستضافة المفكرين والعلماء والكتاب والمبدعين، كلها ليست أنشطة منفصلة، وإنما أجزاء من رؤية أكبر تجعل من المكتبة منصة للحوار الحضاري.
وقد يكون هذا هو أحد أهم مفاتيح فهم مشروع أحمد عبد الله زايد.
إنه لا يريد للمكتبة أن تتحدث إلى نفسها.
يريدها أن تتحدث مع مصر، وأن تتحدث مع العالم.
وهذا فارق كبير.
فالمؤسسة الثقافية التي تتحدث إلى نفسها تتحول مع الوقت إلى جزيرة مغلقة، أما المؤسسة التي تتحاور مع العالم فإنها تظل حية ومتجددة وقادرة على اكتشاف موقعها في حركة التاريخ.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: ماذا يعني أن تكون هناك مكتبة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
إنسان اليوم يستطيع أن يصل إلى ملايين الكتب والمقالات والصور والمعلومات خلال ثوانٍ.
إذن لم تعد المشكلة هي الوصول إلى المعلومات.
المشكلة أصبحت في القدرة على فهمها.
وفي التمييز بين الحقيقة والزيف.
وفي امتلاك القدرة على التفكير النقدي.
وفي معرفة السؤال الصحيح قبل البحث عن الإجابة.
وفي تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى فعل.
وهنا بالضبط تستعيد المكتبة معناها.
إنها ليست مكانًا للهروب من المستقبل، وإنما مكان لفهم المستقبل.
وليست متحفًا للماضي، وإنما جسرًا بين الماضي والمستقبل.
ومن هذه الزاوية يصبح دور أحمد عبد الله زايد أكبر من مجرد إدارة مؤسسة.
إنه إدارة انتقال تاريخي من عصر المكتبة بوصفها «مكانًا للكتب» إلى عصر المكتبة بوصفها «مكانًا لصناعة الإنسان».
ولذلك فإن مستقبل مكتبة الإسكندرية لن يقاس فقط بعدد الكتب الموجودة على أرففها، ولا بعدد الزوار الذين يدخلون أبوابها، وإنما بعدد العقول التي خرجت منها أكثر قدرة على السؤال، وأكثر قدرة على التفكير، وأكثر انفتاحًا على العالم، وأكثر ارتباطًا بمصر.
هذه هي القيمة الحقيقية لأي مؤسسة ثقافية.
أن تترك أثرًا في الإنسان.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما يمكن قوله عن أحمد عبد الله زايد أنه لم يحاول أن يجعل مكتبة الإسكندرية نسخة من الماضي، بل يحاول أن يجعلها مؤسسة تليق بالمستقبل.
فالمكتبة القديمة كانت عظيمة لأنها كانت في قلب عصرها.
ومكتبة الإسكندرية الحديثة لن تكون عظيمة لأنها تحمل اسمًا تاريخيًا عظيمًا، وإنما لأنها تستطيع أن تكون في قلب عصرنا.
وهذا هو مشروع التجديد الحقيقي.
وهذا هو التحدي.
وهذه هي قيمة الدور الذي يقوم به أحمد عبد الله زايد.
إنه لا يدير مكتبة فحسب.
إنه يحاول أن يعيد للمكتبة معناها.
وأن يجعل من الإسكندرية، مرة أخرى، مدينة تتحدث مع العالم بلغة المعرفة.