قرأت باهتمام مقال الدكتور صالح الشقباوي «غانية ملحيس والطوفان: هل يصحح الحدث التاريخ أم يستمر فيه؟» المنشور في البيادر السياسي في 1/9/2026.
وأقدّر له الجهد الذي بذله في قراءة كتاب «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ» من زاوية معرفية/إبستيمولوجية وفلسفية - اجتماعية/سوسيولوجية، وما أثاره من أسئلة حول العلاقة بين الحدث والتاريخ، وبين الذاكرة والتحول، وبين النضال الفلسطيني وغاياته النهائية.
وقد وجدت في قراءته نقاطا كثيرة ألتقي معها، خصوصا في تأكيده أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يأتِ من فراغ، وأن التاريخ الفلسطيني لا يبدأ به ولا يمكن اختزاله فيه، وأن المقاومة ليست بديلا عن المشروع الوطني، وأن الغاية النهائية للنضال الفلسطيني ليست استمرار الحرب والمقاومة ، وإنما الوصول إلى عيش حر وآمن والعودة وتقرير المصير، رغم التباين بيننا في صيغ بلوغ ذلك، اذ يراها د. الشقباوي في قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين وتقرير المصير، فيما أعتقد أن إنهاء الحروب والعيش الامن المستقر لا يتأتى إلا بتفكيك المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري الإحلالي الوظيفي، والاعتراف بالمسؤولية التاريخية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين من المنافي، وعدم استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، والتعامل الإنساني الخلاق مع الحقائق الديموغرافية التي أفرزها الصراع، وبناء المستقبل على أساس تساوي حقوق البشر في الحياة والحرية والكرامة، وبناء دولة وطنية يتساوى فيها الجميع أمام القانون بغض النظر عن العرق أو الدين.
غير أن اختلافنا في تفسير الغاية النهائية للنضال الفلسطيني لم يكن هو السبب الذي استدعى كتابة هذا المقال، وإنما ما وجدته من نقاط أساسية في قراءته النقدية لكتاب «الطوفان» تحتاج إلى توقف، وخصوصا النقطة المتعلقة بـ «اعوجاج التاريخ»، لأنها تتصل بالمفهوم المركزي الذي يقوم عليه عنوان الكتاب نفسه: ما الذي قصده الكتاب بـ «اعوجاج التاريخ»
أولا: لم يقل الكتاب إن التاريخ الفلسطيني كان معوجا
ربما يكون هذا هو أهم موضع يحتاج إلى تصحيح في القراءة.
يقول د. الشقباوي إنني أنطلق من فكرة أن «التاريخ الفلسطيني» كان معوجا، وأن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر جاء ليصحح هذا الاعوجاج.
وهذا تأويل غير دقيق. فالكتاب لم يقل إن التاريخ الفلسطيني أخطأ، وإنما قال إن السردية السائدة التي كُتب بها التاريخ الحديث عموما قد انحرفت؛ حين جعلت القوة مصدرا للشرعية، والغلبة معيارا للحقيقة، والاستعمار طريقا إلى الحضارة. وهذا ليس تفصيلا لغويا، بل هو أساس الأطروحة كلها.
فالتاريخ، بوصفه مجرى الوقائع الإنسانية، ليس هو الذي وصفه الكتاب بالاعوجاج، وإنما الطريقة التي أعيد بها ترتيب الوقائع وتأويلها وكتابة معناها من داخل منظومة القوة التي حكمت العالم الحديث.
وهذه المسألة تبدو أكثر وضوحا حين ننظر إلى فلسطين ومنطقتنا العربية - الإسلامية. فالتاريخ الحديث لم يُكتب في فراغ معرفي محايد، وإنما تشكّل في ظل منظومة استعمارية غربية أعادت رسم الجغرافيا السياسية، وأعادت تعريف الشعوب والأمم، وحددت من هو «المتحضر» ومن هو «المتخلف»، ومن يملك الحق في السيادة ومن يوضع تحت الوصاية، ومن يمثل المستقبل ومن يوضع في خانة الماضي.
ومن هنا فإن الحديث عن «اعوجاج التاريخ» هو حديث عن اعوجاج السردية التاريخية الحديثة ومنظومة المعايير التي أنتجتها، وعن اختلال العلاقة بين القوة والحقيقة والشرعية في كتابة التاريخ وفهمه.
ثانياً: عنوان الكتاب: «الطوفان بداية تصويب اعوجاج التاريخ»، وليس التاريخ الفلسطيني حصرا
لا أرى الطوفان حدثا يخص فلسطين وحدها، رغم أن فلسطين كانت ميدانه الأكثر كثافة ووضوحا. فما كشفه الطوفان يتصل بمنظومة أوسع: منظومة ادعت أنها تمثل الحداثة والتقدم والعقلانية والحرية وحقوق الإنسان، بينما نشأت تاريخيا وتوسعت عالميا في ظل علاقات استعمارية أعادت تشكيل العالم بالقوة.
لقد كشف الطوفان وحرب الإبادة الجماعية التي تلته التناقضات العميقة بين القيم التي تعلنها هذه المنظومة، والقواعد التي تطبقها على شعوب خارج مركزها. وهنا يصبح السؤال أكبر من: ماذا حدث للفلسطينيين؟ السؤال يصبح أيضا: ماذا كشف ما حدث في فلسطين عن النظام الذي حكم العالم الحديث؟ ماذا كشف عن معنى القوة والشرعية؟ وعن العلاقة بين الاستعمار والحداثة؟ وعن ازدواجية معايير القانون الدولي؟ وعن الحدود الفاصلة بين من يملك الحق في الدفاع عن نفسه ومن يُنزع عنه هذا الحق؟ وعن قدرة القوة العسكرية على إغلاق التاريخ؟ وعن قدرة السردية المهيمنة على الاستمرار عندما تتناقض بصورة فاضحة مع الوقائع التي يراها العالم؟
من هنا فإن «تصويب اعوجاج التاريخ» في الكتاب لا يتوقف عند التاريخ الفلسطيني، ولا عند التاريخ العربي والإسلامي، وإن كانت منطقتنا من أكثر المناطق التي تكشفت فيها آثار هذه المنظومة.
إنه سؤال في التاريخ الحديث نفسه، وفي السردية التي حكمت فهم العالم الحديث وتوزيع الشرعية فيه، وفي المنظومة الاستعمارية التي أسهمت في تشكيل هذا التاريخ وفرض معاييره.
ثالثا: الطوفان لم يصحح التاريخ، لكنه فتح بداية التصويب
من هنا يمكن فهم كلمة «بداية» في عنوان الكتاب. الكتاب لا يقول إن الطوفان أنجز تصويب التاريخ. ولا يقول إنه أنهى الاستعمار. ولا يقول إنه حقق للفلسطينيين الحرية والعودة وتقرير المصير. ولا يقول إن حدثا واحدا يستطيع أن يمحو قرنا من التاريخ.
«البداية» هنا تعني أن الحدث أحدث انكشافا عميقا في منظومة بدت، قبل ذلك، قادرة على تقديم نفسها باعتبارها مستقرة ونهائية.
فقد كشف هشاشة بعض المسلمات التي حكمت قراءة الصراع، وكشف حدود القوة في إغلاق القضية الفلسطينية، وكشف التناقض بين الخطاب والممارسة في النظام الدولي، وكشف أيضا أزمة الحامل السياسي الفلسطيني، الذي دخل هذه اللحظة التاريخية وهو يعاني من الانقسام والتكلس وفقدان القدرة على إنتاج استراتيجية وطنية جامعة.
لكن تصويب السردية لا يحدث بمجرد وقوع الحدث، وإنما حين يعاد إنتاج المعرفة عنه، وإعادة تفسير ما سبقه وما تلاه، وإعادة ترتيب العلاقة بين الوقائع والمفاهيم والمعايير التي حكمت تفسيرها. فالحدث لا يغيّر السردية تلقائيا؛ وإنما يفتح إمكانية تغييرها حين يتحول إلى موضوع لإعادة التفكير وإعادة بناء المعرفة.
لذلك فالطوفان بالنسبة إليّ ليس «التصحيح»، وإنما لحظة تاريخية فتحت إمكان التصويب وفتحت التاريخ على احتمالات جديدة. وقد شكّل بذلك بداية، لكن شروط إمكان التحول تظل مرهونة بقدرتنا على تحويل ما كشفه إلى وعي، والوعي إلى مشروع، والمشروع إلى قدرة، والقدرة إلى تغيير في شروط التاريخ.
رابعاً: الاستمرار التاريخي لا ينفي التحول التاريخي
أتفق مع الدكتور الشقباوي في أن الطوفان لم يأتِ من خارج التاريخ الفلسطيني. ولهذا تضمن الكتاب فصل «إرهاصات الطوفان»، وهي مقالات كتبت قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وتناولت تحولات المجتمع الإسرائيلي، وأزمة المشروع السياسي الفلسطيني، والانقسام، وتآكل القدرة الوطنية، وأوضاع الإقليم، وغيرها من الشروط التي كانت تتراكم قبل الحدث، فالطوفان لم يبدأ التاريخ الفلسطيني.
لكن القول إنه امتداد لمسار سابق لا يعني أنه لم يفتح مرحلة جديدة. فالحدث التاريخي قد يكون ثمرة لما سبقه، ثم يصبح في الوقت نفسه نقطة يُعاد عندها تشكيل معنى ما سبقه وأفق ما سيأتي بعده. ولهذا أميز بين سؤالين:
كيف نشأ الحدث؟ وماذا أحدث الحدث في التاريخ؟
الأول يتعلق بشروط إنتاجه، أما الثاني فيتعلق بآثاره وما كشفه وما غيّره وما أتاحه من إمكانات. وهذا هو الفرق بين تفسير الطوفان تاريخيا، وبين الحكم على نتائجه مسبقا.
خامساً: الذاكرة ليست خصما للتصويب
أتفق مع د. الشقباوي في أن أي قراءة تاريخية جادة لا يمكن أن تمحو الذاكرة الفلسطينية أو تختزل قرنا من النضال في لحظة واحدة. ولم أفعل ذلك.
فانتفاضة عام 1929، وثورة 1936-1939 ، والنكبة واللجوء 1948، وعيلبون والثورة الفلسطينية 1965، وانتفاضة الداخل في يوم الأرض 1976، ومواجهة العدوان والاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، وانتفاضة الحجارة 1987-1993، وانتفاضة النفق 1996، وانتفاضة الأقصى 2000-2004، والتصدي للحروب الإسرائيلية المتتالية على قطاع غزة منذ العام 2008، وانتفاضة السكاكين في الضفة الغربية 2016، وانتفاضة القدس 2021، والشهداء، والأسرى، وكل مراحل النضال الفلسطيني، ليست مقدمات ينبغي التخلص منها كي يبدأ تاريخ جديد. إنها أجزاء من تاريخ واحد متراكم.
لكن إعادة قراءة التاريخ لا تعني إلغاء الذاكرة، وإنما تعني أحيانا إعادة تركيب معنى الذاكرة من موقع تاريخي جديد. وهنا أجد أن حديث الشقباوي عن عيلبون يقدم مثالا مهما.
سادساً: عيلبون والطوفان… هل تختلف قاعدة القراءة؟
يقرأ الشقباوي عيلبون باعتبارها أكثر من عملية عسكرية. ويرى فيها حدثا مؤسسا سياسيا ورمزيا وتاريخيا، لأنها ساعدت على إعادة إنتاج الفلسطيني بوصفه فاعلا، وليس مجرد موضوع في تاريخ النكبة واللجوء. وهذا بالضبط ما يجعلني أتوقف عند منطقه. فالحدث التاريخي لا تقتصر قيمته على نتيجته المباشرة. قد يغير وعيا، أو يسقط مسلمة، أو يعيد تعريف الذات، أو يكشف حدود نظام قائم، أو يفتح أفقا لم يكن مرئيا من قبل.
إذا كان من المشروع إذن أن نقرأ عيلبون باعتبارها لحظة أعادت تشكيل وعي الفلسطيني بذاته وموقعه في التاريخ، فلماذا يصبح الطوفان مجرد "استمرار " حين نقرأ آثاره في الوعي والسردية والنظام الدولي؟
وهنا تظهر نقطة أعمق: قد يكون الحدث امتدادا لما سبقه من جهة، وبداية لتحول جديد من جهة أخرى. عيلبون نفسها مثال على ذلك: لم تكن بداية التاريخ الفلسطيني، ولم تكن منفصلة عن النكبة واللجوء وتطور الحركة الوطنية، لكنها كانت علامة فاصلة في كيفية ظهور الفلسطيني كفاعل تاريخي. ليس بمعنى مساواة الحدثين في الحجم أو الطبيعة، وإنما من حيث قاعدة القراءة التاريخية.
ومن هنا يصبح السؤال: ماذا غيّر الطوفان في الوعي والسردية، وماذا كشف من حدود المنظومة القائمة، وأي إمكانات جديدة فتحها؟
سابعا: لا يدعي الكتاب قطيعة معرفية/إبستيمولوجية مكتملة
أتفق مع الدكتور الشقباوي في أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم ينتج قطيعة معرفية/إبستيمولوجية مكتملة بالمعنى الفلسفي الصارم. ولم يقدم نظرية معرفية جديدة مكتملة، ولم يمح ما سبقه، ولم يُلغِ التاريخ الفلسطيني السابق.
لكنني لا أرى أن علينا إثبات قطيعة مكتملة حتى نقول إن الحدث أحدث اهتزازا عميقا في منظومة معرفية وسياسية كانت تبدو مستقرة.
فالقطيعة ليست واقعة ينجزها الحدث وحده، وإنما قد تكون مسارا تاريخيا يبدأ بانكشاف يزعزع البنية المعرفية القائمة، ثم يتطور عبر إعادة النظر في المفاهيم والمسلمات التي حكمت فهم الواقع.
لقد اهتزت تصورات حول قدرة القوة العسكرية وحدها على إغلاق القضية الفلسطينية، وحول إمكان إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وحول قدرة إسرائيل على إنتاج أمن دائم في ظل استمرار إنكار الحقوق الفلسطينية، وحول حياد المنظومة الدولية، وحول العلاقة بين الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان وممارسته الفعلية.
وفي الوقت نفسه انكشف عمق أزمة النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وظهرت الفجوة الزمنية بين استعمار واستيطان يتقدمان، وبنية سياسية فلسطينية تتكلس، وبين فرص الإمكان وشروطه.
لذلك أقول: لم تحدث القطيعة المعرفية/الإبستيمولوجية مكتملة، لكن حدث ما يمكن أن يكون شرطا من شروط إمكانها. وهذا هو معنى «البداية» في الكتاب.
ثامناً: من الوجود الفلسطيني المهدد إلى الوجود الحر والدائم
في هذا الجانب ألتقي كثيرا مع الدكتور الشقباوي. فالغاية النهائية للنضال الفلسطيني ليست استمرار الحرب، ولا بقاء الفلسطيني في حالة مقاومة دائمة، وإنما التحرر من شروط الخوف والاقتلاع والمنفى والاحتلال، والوصول إلى وجود وطني فلسطيني حر وآمن ومستقر.
المقاومة ليست الغاية، لكنها أيضا ليست نقيضا للحياة. هي واحدة من أدوات الفعل الوطني، والغاية هي الحرية والحياة الكريمة والسيادة والقدرة على تقرير المصير.
لكنني أختلف مع جعل هذه النتائج النهائية شرطا للقول إن مسار التصويب قد بدأ. فالنتيجة تثبت اكتمال التحول، لكنها لا تحدد لحظة بدايته. والدولة نفسها لا ينبغي أن تكون مجرد نهاية جغرافية للصراع.
السؤال ليس فقط: هل قامت دولة فلسطينية؟ هل تمكن اللاجئون الفلسطينيون من العودة؟ هل تمكن الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره في فلسطين؟
ولو سلّمنا جدلا برؤية الشقباوي لدولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما طبيعة هذه الدولة؟ وما مقدار سيادتها؟ وهل هي تعبير عن تحرر وطني حقيقي، أم صيغة لإدارة الوجود الفلسطيني ضمن شروط القوة القائمة؟
هذه ليست أسئلة ترفض الدولة أو تنتقص من أهميتها، وإنما تتعلق بالمضمون التحرري والسيادي للتسوية السياسية للصراع التي تنهي الحروب، وبما إذا كانت تعالج جذور الاستعمار الاستيطاني الصهيوني العنصري الإحلالي الوظيفي، أم تعيد إنتاجه في صورة أخرى.
تاسعا: فتح واستعادة الفلسطيني بوصفه فاعلا
أقدّر ما كتبه الشقباوي عن الدور التاريخي الذي أدته حركة فتح في نقل الفلسطيني من موقع اللاجئ والمتلقي إلى موقع الفاعل السياسي.
وأوافق على أن هذه كانت لحظة تأسيسية في إعادة بناء الشخصية السياسية الفلسطينية الحديثة. لكن الاعتراف بهذا الدور لا يعني احتكار التاريخ الفلسطيني. فتح أسست مرحلة مهمة، لكنها لم تستنفد التاريخ.
وإذا كانت فلسطين، كما يقول الدكتور الشقباوي نفسه، أكبر من التنظيمات، فإن المشروع الوطني الفلسطيني ينبغي أن يكون أكبر من التنظيمات أيضا.
وهنا يتحول السؤال من: من يملك البداية؟ إلى: كيف يستطيع الفلسطيني اليوم أن يستعيد قدرته على الفعل في شروط تاريخية جديدة؟ وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا الآن.
عاشراً: مناقشة الكتاب لا تصنيف الكاتبة
ثمة مسألة منهجية أخرى في قراءة الدكتور الشقباوي تستحق التوقف، وهي ميله إلى قراءة بعض أطروحات الكتاب في ضوء موقع سياسي مفترض للكاتبة، أو في سياق اصطفافات سياسية وفصائلية لا يقدم الكتاب نفسه دليلا كافيا على أنها الإطار الذي يحكم أطروحته. ولا أريد أن أحوّل الرد إلى سجال حول الموقف السياسي، بقدر ما يهمني هنا التنبيه إلى قاعدة أراها أساسية في قراءة الكتاب: أظن أن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات:
ما يقوله الكتاب صراحة، وما يستنتجه الناقد منه، وما ينسبه بعد ذلك إلى الموقع السياسي المفترض للكاتبة.
فالاختلاف مع الرواية الصهيونية، والاعتراف بحق الشعوب في مقاومة الاستعمار، ونقد منظومة القوة التي حكمت كتابة التاريخ الحديث، أو قراءة حدث سياسي في ضوء آثاره التاريخية والمعرفية، ليست مواقف حصرية لليسار، ولا تكفي وحدها لإثبات انتماء أيديولوجي بعينه.
كما أن قراءة الطوفان تاريخيا لا تعني إعفاء المقاومة من النقد، ولا اعتبار كل قرار اتخذ في سياقه صائبا، ولا تحويل المقاومة إلى بديل عن المشروع الوطني.
فالكتاب نفسه مارس نقدا صريحا للنظام السياسي الفلسطيني، سلطة ومعارضة، وللبنية الفصائلية، وللنخب السياسية والثقافية، انطلاقا من مبدأ أؤمن به: لا أحد فوق النقد والمساءلة، مهما كان تاريخه النضالي أو موقعه السياسي.
لذلك أرى أن الأجدى أن يبقى النقاش، في المقام الأول، في مستوى النص: ماذا قال الكتاب؟ ماذا لم يقل؟ وما الذي يمكن، بصورة مشروعة، استنتاجه مما قال؟
أما وضع الكتاب أو الكاتبة داخل تصنيف سياسي مفترض، فلا ينبغي أن يصبح بديلا عن قراءة الأفكار التي يطرحها الكتاب أو مدخلا لتفسيرها. وأنا هنا لا أطالب الدكتور الشقباوي بأن يتفق معي، وإنما بأن يختلف مع ما أقول، لا مع موقع سياسي يُفترض بي.
حادي عشر: ماذا كشف الطوفان عن المنظومة العالمية؟
وهنا أصل إلى النقطة التي ربما لم تأخذ حقها في قراءة الدكتور الشقباوي.
الطوفان، في تصوري، ليس مجرد حدث كشف حقيقة المشروع الاستعماري الصهيوني العنصري الاستيطاني الإحلالي الوظيفي، أو أعاد فلسطين إلى واجهة الاهتمام العالمي. إن أهميته الأوسع تكمن في أنه كشف الزيف الكامن في منظومة ادعت أنها تمثل الحداثة والحرية والعقلانية وحقوق الإنسان، بينما ظلت في الممارسة محكومة بعلاقات القوة والاستعمار. لقد أصبحت التناقضات أكثر وضوحا:
الحديث عن القانون الدولي مقابل انتقائية تطبيقه،
الحديث عن حقوق الإنسان مقابل التفاوت في قيمة حياة البشر،
الحديث عن التحرر مقابل دعم الاستعمار،
الحديث عن الديمقراطية مقابل قبول أنظمة الهيمنة حين تخدم المصالح،
والحديث عن الحقيقة مقابل استمرار إنتاج الرواية من موقع القوة.
وهذا لا يعني أن الطوفان أسقط هذه المنظومة أو أنه غيّر قواعدها، لكنه جعل التناقض بين القوة والحقيقة، وبين الخطاب عن الشرعية والممارسة الفعلية لها، أكثر انكشافا وقابلية للمساءلة.
ومن هنا فإن «تصويب اعوجاج التاريخ» لا يقتصر على إعادة قراءة التاريخ الفلسطيني أو العربي والإسلامي، وإنما يمتد، من خلال الحالة الفلسطينية، إلى مساءلة السردية التاريخية الحديثة التي جعلت القوة معيارا للشرعية، وسمحت للاستعمار بأن يُقدَّم بوصفه جزءا من مسار التقدم والحضارة.
وبهذا المعنى، فإن السؤال الذي يفتحه الكتاب ليس فقط: كيف نعيد كتابة التاريخ الفلسطيني؟ وإنما أيضا: كيف نعيد النظر في المعايير التي كُتب بها التاريخ الحديث، وفي العلاقة بين القوة والحقيقة والشرعية؟ ومن يملك حق تعريف الحضارة، وتحديد من يكون فاعلا في التاريخ ومن يتحول إلى موضوع له؟
فلسطين هنا ليست خروجا من موضوع الكتاب إلى موضوع آخر، وإنما إحدى أكثر الحالات وضوحا في اختبار هذه السردية ومعاييرها.
ثاني عشر: من الانكشاف إلى المسؤولية
الانكشاف وحده لا يكفي. وهنا ألتقي مع الدكتور صالح الشقباوي والدكتور عبد الرحيم جاموس، الذي استشهد الشقباوي في مقاله بمراجعته النقدية لكتاب «الطوفان». فكشف الزيف لا يعني إسقاطه، وكشف حدود القوة لا يعني انتهاء القوة، وكشف تناقضات النظام الدولي لا يعني أن النظام تغير، وكشف أزمة الحامل السياسي الفلسطيني لا يعني أن هذا الحامل أعيد بناؤه.
لذلك فإن القيمة التاريخية للطوفان ستتحدد بما سيفعله الفلسطينيون والعرب والعالم بهذا الانكشاف.
هل يتحول إلى وعي؟ وهل يتحول الوعي إلى مشروع؟ وهل يتحول المشروع إلى مؤسسات؟ وهل تتحول المؤسسات إلى قدرة؟ وهل تتحول القدرة إلى تغيير فعلي في شروط التاريخ؟
هنا فقط يصبح الانكشاف بداية لمسار تاريخي جديد. فالحدث فتح الإمكان، لكنه لا يملك وحده القدرة على إنجاز ما فتحه.
ثالث عشر: فلسطين أكبر من الفصائل، والتاريخ أكبر من الحدث
أتفق مع الدكتور الشقباوي في أن فلسطين أكبر من فتح وحماس والجبهة والجهاد، وأكبر من أي فصيل أو جيل. وأضيف أن هذا يعني أننا بحاجة إلى حامل وطني أكبر من الجميع.
لا نحتاج إلى محو تاريخ الفصائل، ولا إلى إلغاء أدوارها، وإنما إلى إعادة بناء المجال الوطني، بحيث يستوعب تعدد مكونات المجتمع الفلسطيني وتنوع قواه في الوطن والشتات، ويربط المقاومة بالسياسة والدبلوماسية والقانون والعمل الشعبي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، ويعيد إنتاج القرار الوطني على قاعدة المشاركة والقدرة والمساءلة.
فالطوفان كشف أيضا أن حجم الحدث التاريخي يمكن أن يتجاوز قدرة الحامل السياسي الذي يفترض أن يدير نتائجه.
ومن هنا فإن إعادة بناء هذا الحامل السياسي ليست مسألة تنظيمية فقط، وإنما شرط من شروط تحويل البداية إلى مسار، وتحويل الانكشاف إلى قدرة، وتحويل القدرة إلى فعل تاريخي.
أخيراً: ماذا تعني «بداية تصويب اعوجاج التاريخ»؟
بعد هذا كله، أعود إلى عنوان الكتاب. «بداية تصويب اعوجاج التاريخ» لا تعني أن التاريخ الفلسطيني كان معوجا، ولا تعني أن الطوفان محا التاريخ السابق، ولا تعني أن الطوفان حقق النتائج النهائية، ولا تعني أن الحدث كان كاملا أو أن كل قرار اتخذ في سياقه كان صائبا، ولا تعني إعفاء أي طرف من النقد والمساءلة.
إنما تعني أن حدثا تاريخيا كثيفا كشف في لحظة واحدة تناقضات تراكمت عبر عقود، وعرّى زيفا استندت إليه رواية مهيمنة، وأعاد فتح أسئلة ظن كثيرون أنها أغلقت، وفتح إمكانا لإعادة النظر في السردية التي كُتب بها التاريخ الحديث، وفي منظومة الشرعية التي حكمت توزيع القوة والحقيقة، والحق والاستعمار والحضارة.
ومن هنا فإنني لا أقول إن الطوفان «صحح التاريخ»، بل أقول إنه فتح بداية تصويب التاريخ. وهذه البداية لا تخص الفلسطيني وحده، وإن كانت فلسطين إحدى أكثر ساحاتها وضوحا.
إنها تمتد إلى السؤال العربي والإسلامي، وإلى سؤال الاستعمار، وإلى سؤال الحداثة، وإلى سؤال النظام الدولي، وإلى السؤال الأوسع: كيف يكتب العالم تاريخه؟ ومن يملك حق تعريف الحقيقة والشرعية والحضارة؟
قد يثبت التاريخ لاحقا أن هذه اللحظة لم تكن سوى انكشاف عابر. وقد يثبت أنها كانت بداية تحول أعمق.
وهذا ما لا يمكن أن نحسمه الآن. لكن ما يمكن أن نحسمه هو مسؤوليتنا تجاه الإمكان الذي انفتح.
وهنا، في تقديري، يكمن السؤال الحقيقي الذي يتركه الطوفان لنا: ليس ماذا فعل الحدث بالتاريخ فقط، وإنما ماذا سنفعل نحن بما فتحه الحدث من إمكان؟
انية
وأقدّر له الجهد الذي بذله في قراءة كتاب «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ» من زاوية معرفية/إبستيمولوجية وفلسفية - اجتماعية/سوسيولوجية، وما أثاره من أسئلة حول العلاقة بين الحدث والتاريخ، وبين الذاكرة والتحول، وبين النضال الفلسطيني وغاياته النهائية.
وقد وجدت في قراءته نقاطا كثيرة ألتقي معها، خصوصا في تأكيده أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يأتِ من فراغ، وأن التاريخ الفلسطيني لا يبدأ به ولا يمكن اختزاله فيه، وأن المقاومة ليست بديلا عن المشروع الوطني، وأن الغاية النهائية للنضال الفلسطيني ليست استمرار الحرب والمقاومة ، وإنما الوصول إلى عيش حر وآمن والعودة وتقرير المصير، رغم التباين بيننا في صيغ بلوغ ذلك، اذ يراها د. الشقباوي في قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين وتقرير المصير، فيما أعتقد أن إنهاء الحروب والعيش الامن المستقر لا يتأتى إلا بتفكيك المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري الإحلالي الوظيفي، والاعتراف بالمسؤولية التاريخية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين من المنافي، وعدم استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، والتعامل الإنساني الخلاق مع الحقائق الديموغرافية التي أفرزها الصراع، وبناء المستقبل على أساس تساوي حقوق البشر في الحياة والحرية والكرامة، وبناء دولة وطنية يتساوى فيها الجميع أمام القانون بغض النظر عن العرق أو الدين.
غير أن اختلافنا في تفسير الغاية النهائية للنضال الفلسطيني لم يكن هو السبب الذي استدعى كتابة هذا المقال، وإنما ما وجدته من نقاط أساسية في قراءته النقدية لكتاب «الطوفان» تحتاج إلى توقف، وخصوصا النقطة المتعلقة بـ «اعوجاج التاريخ»، لأنها تتصل بالمفهوم المركزي الذي يقوم عليه عنوان الكتاب نفسه: ما الذي قصده الكتاب بـ «اعوجاج التاريخ»
أولا: لم يقل الكتاب إن التاريخ الفلسطيني كان معوجا
ربما يكون هذا هو أهم موضع يحتاج إلى تصحيح في القراءة.
يقول د. الشقباوي إنني أنطلق من فكرة أن «التاريخ الفلسطيني» كان معوجا، وأن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر جاء ليصحح هذا الاعوجاج.
وهذا تأويل غير دقيق. فالكتاب لم يقل إن التاريخ الفلسطيني أخطأ، وإنما قال إن السردية السائدة التي كُتب بها التاريخ الحديث عموما قد انحرفت؛ حين جعلت القوة مصدرا للشرعية، والغلبة معيارا للحقيقة، والاستعمار طريقا إلى الحضارة. وهذا ليس تفصيلا لغويا، بل هو أساس الأطروحة كلها.
فالتاريخ، بوصفه مجرى الوقائع الإنسانية، ليس هو الذي وصفه الكتاب بالاعوجاج، وإنما الطريقة التي أعيد بها ترتيب الوقائع وتأويلها وكتابة معناها من داخل منظومة القوة التي حكمت العالم الحديث.
وهذه المسألة تبدو أكثر وضوحا حين ننظر إلى فلسطين ومنطقتنا العربية - الإسلامية. فالتاريخ الحديث لم يُكتب في فراغ معرفي محايد، وإنما تشكّل في ظل منظومة استعمارية غربية أعادت رسم الجغرافيا السياسية، وأعادت تعريف الشعوب والأمم، وحددت من هو «المتحضر» ومن هو «المتخلف»، ومن يملك الحق في السيادة ومن يوضع تحت الوصاية، ومن يمثل المستقبل ومن يوضع في خانة الماضي.
ومن هنا فإن الحديث عن «اعوجاج التاريخ» هو حديث عن اعوجاج السردية التاريخية الحديثة ومنظومة المعايير التي أنتجتها، وعن اختلال العلاقة بين القوة والحقيقة والشرعية في كتابة التاريخ وفهمه.
ثانياً: عنوان الكتاب: «الطوفان بداية تصويب اعوجاج التاريخ»، وليس التاريخ الفلسطيني حصرا
لا أرى الطوفان حدثا يخص فلسطين وحدها، رغم أن فلسطين كانت ميدانه الأكثر كثافة ووضوحا. فما كشفه الطوفان يتصل بمنظومة أوسع: منظومة ادعت أنها تمثل الحداثة والتقدم والعقلانية والحرية وحقوق الإنسان، بينما نشأت تاريخيا وتوسعت عالميا في ظل علاقات استعمارية أعادت تشكيل العالم بالقوة.
لقد كشف الطوفان وحرب الإبادة الجماعية التي تلته التناقضات العميقة بين القيم التي تعلنها هذه المنظومة، والقواعد التي تطبقها على شعوب خارج مركزها. وهنا يصبح السؤال أكبر من: ماذا حدث للفلسطينيين؟ السؤال يصبح أيضا: ماذا كشف ما حدث في فلسطين عن النظام الذي حكم العالم الحديث؟ ماذا كشف عن معنى القوة والشرعية؟ وعن العلاقة بين الاستعمار والحداثة؟ وعن ازدواجية معايير القانون الدولي؟ وعن الحدود الفاصلة بين من يملك الحق في الدفاع عن نفسه ومن يُنزع عنه هذا الحق؟ وعن قدرة القوة العسكرية على إغلاق التاريخ؟ وعن قدرة السردية المهيمنة على الاستمرار عندما تتناقض بصورة فاضحة مع الوقائع التي يراها العالم؟
من هنا فإن «تصويب اعوجاج التاريخ» في الكتاب لا يتوقف عند التاريخ الفلسطيني، ولا عند التاريخ العربي والإسلامي، وإن كانت منطقتنا من أكثر المناطق التي تكشفت فيها آثار هذه المنظومة.
إنه سؤال في التاريخ الحديث نفسه، وفي السردية التي حكمت فهم العالم الحديث وتوزيع الشرعية فيه، وفي المنظومة الاستعمارية التي أسهمت في تشكيل هذا التاريخ وفرض معاييره.
ثالثا: الطوفان لم يصحح التاريخ، لكنه فتح بداية التصويب
من هنا يمكن فهم كلمة «بداية» في عنوان الكتاب. الكتاب لا يقول إن الطوفان أنجز تصويب التاريخ. ولا يقول إنه أنهى الاستعمار. ولا يقول إنه حقق للفلسطينيين الحرية والعودة وتقرير المصير. ولا يقول إن حدثا واحدا يستطيع أن يمحو قرنا من التاريخ.
«البداية» هنا تعني أن الحدث أحدث انكشافا عميقا في منظومة بدت، قبل ذلك، قادرة على تقديم نفسها باعتبارها مستقرة ونهائية.
فقد كشف هشاشة بعض المسلمات التي حكمت قراءة الصراع، وكشف حدود القوة في إغلاق القضية الفلسطينية، وكشف التناقض بين الخطاب والممارسة في النظام الدولي، وكشف أيضا أزمة الحامل السياسي الفلسطيني، الذي دخل هذه اللحظة التاريخية وهو يعاني من الانقسام والتكلس وفقدان القدرة على إنتاج استراتيجية وطنية جامعة.
لكن تصويب السردية لا يحدث بمجرد وقوع الحدث، وإنما حين يعاد إنتاج المعرفة عنه، وإعادة تفسير ما سبقه وما تلاه، وإعادة ترتيب العلاقة بين الوقائع والمفاهيم والمعايير التي حكمت تفسيرها. فالحدث لا يغيّر السردية تلقائيا؛ وإنما يفتح إمكانية تغييرها حين يتحول إلى موضوع لإعادة التفكير وإعادة بناء المعرفة.
لذلك فالطوفان بالنسبة إليّ ليس «التصحيح»، وإنما لحظة تاريخية فتحت إمكان التصويب وفتحت التاريخ على احتمالات جديدة. وقد شكّل بذلك بداية، لكن شروط إمكان التحول تظل مرهونة بقدرتنا على تحويل ما كشفه إلى وعي، والوعي إلى مشروع، والمشروع إلى قدرة، والقدرة إلى تغيير في شروط التاريخ.
رابعاً: الاستمرار التاريخي لا ينفي التحول التاريخي
أتفق مع الدكتور الشقباوي في أن الطوفان لم يأتِ من خارج التاريخ الفلسطيني. ولهذا تضمن الكتاب فصل «إرهاصات الطوفان»، وهي مقالات كتبت قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وتناولت تحولات المجتمع الإسرائيلي، وأزمة المشروع السياسي الفلسطيني، والانقسام، وتآكل القدرة الوطنية، وأوضاع الإقليم، وغيرها من الشروط التي كانت تتراكم قبل الحدث، فالطوفان لم يبدأ التاريخ الفلسطيني.
لكن القول إنه امتداد لمسار سابق لا يعني أنه لم يفتح مرحلة جديدة. فالحدث التاريخي قد يكون ثمرة لما سبقه، ثم يصبح في الوقت نفسه نقطة يُعاد عندها تشكيل معنى ما سبقه وأفق ما سيأتي بعده. ولهذا أميز بين سؤالين:
كيف نشأ الحدث؟ وماذا أحدث الحدث في التاريخ؟
الأول يتعلق بشروط إنتاجه، أما الثاني فيتعلق بآثاره وما كشفه وما غيّره وما أتاحه من إمكانات. وهذا هو الفرق بين تفسير الطوفان تاريخيا، وبين الحكم على نتائجه مسبقا.
خامساً: الذاكرة ليست خصما للتصويب
أتفق مع د. الشقباوي في أن أي قراءة تاريخية جادة لا يمكن أن تمحو الذاكرة الفلسطينية أو تختزل قرنا من النضال في لحظة واحدة. ولم أفعل ذلك.
فانتفاضة عام 1929، وثورة 1936-1939 ، والنكبة واللجوء 1948، وعيلبون والثورة الفلسطينية 1965، وانتفاضة الداخل في يوم الأرض 1976، ومواجهة العدوان والاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، وانتفاضة الحجارة 1987-1993، وانتفاضة النفق 1996، وانتفاضة الأقصى 2000-2004، والتصدي للحروب الإسرائيلية المتتالية على قطاع غزة منذ العام 2008، وانتفاضة السكاكين في الضفة الغربية 2016، وانتفاضة القدس 2021، والشهداء، والأسرى، وكل مراحل النضال الفلسطيني، ليست مقدمات ينبغي التخلص منها كي يبدأ تاريخ جديد. إنها أجزاء من تاريخ واحد متراكم.
لكن إعادة قراءة التاريخ لا تعني إلغاء الذاكرة، وإنما تعني أحيانا إعادة تركيب معنى الذاكرة من موقع تاريخي جديد. وهنا أجد أن حديث الشقباوي عن عيلبون يقدم مثالا مهما.
سادساً: عيلبون والطوفان… هل تختلف قاعدة القراءة؟
يقرأ الشقباوي عيلبون باعتبارها أكثر من عملية عسكرية. ويرى فيها حدثا مؤسسا سياسيا ورمزيا وتاريخيا، لأنها ساعدت على إعادة إنتاج الفلسطيني بوصفه فاعلا، وليس مجرد موضوع في تاريخ النكبة واللجوء. وهذا بالضبط ما يجعلني أتوقف عند منطقه. فالحدث التاريخي لا تقتصر قيمته على نتيجته المباشرة. قد يغير وعيا، أو يسقط مسلمة، أو يعيد تعريف الذات، أو يكشف حدود نظام قائم، أو يفتح أفقا لم يكن مرئيا من قبل.
إذا كان من المشروع إذن أن نقرأ عيلبون باعتبارها لحظة أعادت تشكيل وعي الفلسطيني بذاته وموقعه في التاريخ، فلماذا يصبح الطوفان مجرد "استمرار " حين نقرأ آثاره في الوعي والسردية والنظام الدولي؟
وهنا تظهر نقطة أعمق: قد يكون الحدث امتدادا لما سبقه من جهة، وبداية لتحول جديد من جهة أخرى. عيلبون نفسها مثال على ذلك: لم تكن بداية التاريخ الفلسطيني، ولم تكن منفصلة عن النكبة واللجوء وتطور الحركة الوطنية، لكنها كانت علامة فاصلة في كيفية ظهور الفلسطيني كفاعل تاريخي. ليس بمعنى مساواة الحدثين في الحجم أو الطبيعة، وإنما من حيث قاعدة القراءة التاريخية.
ومن هنا يصبح السؤال: ماذا غيّر الطوفان في الوعي والسردية، وماذا كشف من حدود المنظومة القائمة، وأي إمكانات جديدة فتحها؟
سابعا: لا يدعي الكتاب قطيعة معرفية/إبستيمولوجية مكتملة
أتفق مع الدكتور الشقباوي في أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم ينتج قطيعة معرفية/إبستيمولوجية مكتملة بالمعنى الفلسفي الصارم. ولم يقدم نظرية معرفية جديدة مكتملة، ولم يمح ما سبقه، ولم يُلغِ التاريخ الفلسطيني السابق.
لكنني لا أرى أن علينا إثبات قطيعة مكتملة حتى نقول إن الحدث أحدث اهتزازا عميقا في منظومة معرفية وسياسية كانت تبدو مستقرة.
فالقطيعة ليست واقعة ينجزها الحدث وحده، وإنما قد تكون مسارا تاريخيا يبدأ بانكشاف يزعزع البنية المعرفية القائمة، ثم يتطور عبر إعادة النظر في المفاهيم والمسلمات التي حكمت فهم الواقع.
لقد اهتزت تصورات حول قدرة القوة العسكرية وحدها على إغلاق القضية الفلسطينية، وحول إمكان إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وحول قدرة إسرائيل على إنتاج أمن دائم في ظل استمرار إنكار الحقوق الفلسطينية، وحول حياد المنظومة الدولية، وحول العلاقة بين الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان وممارسته الفعلية.
وفي الوقت نفسه انكشف عمق أزمة النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وظهرت الفجوة الزمنية بين استعمار واستيطان يتقدمان، وبنية سياسية فلسطينية تتكلس، وبين فرص الإمكان وشروطه.
لذلك أقول: لم تحدث القطيعة المعرفية/الإبستيمولوجية مكتملة، لكن حدث ما يمكن أن يكون شرطا من شروط إمكانها. وهذا هو معنى «البداية» في الكتاب.
ثامناً: من الوجود الفلسطيني المهدد إلى الوجود الحر والدائم
في هذا الجانب ألتقي كثيرا مع الدكتور الشقباوي. فالغاية النهائية للنضال الفلسطيني ليست استمرار الحرب، ولا بقاء الفلسطيني في حالة مقاومة دائمة، وإنما التحرر من شروط الخوف والاقتلاع والمنفى والاحتلال، والوصول إلى وجود وطني فلسطيني حر وآمن ومستقر.
المقاومة ليست الغاية، لكنها أيضا ليست نقيضا للحياة. هي واحدة من أدوات الفعل الوطني، والغاية هي الحرية والحياة الكريمة والسيادة والقدرة على تقرير المصير.
لكنني أختلف مع جعل هذه النتائج النهائية شرطا للقول إن مسار التصويب قد بدأ. فالنتيجة تثبت اكتمال التحول، لكنها لا تحدد لحظة بدايته. والدولة نفسها لا ينبغي أن تكون مجرد نهاية جغرافية للصراع.
السؤال ليس فقط: هل قامت دولة فلسطينية؟ هل تمكن اللاجئون الفلسطينيون من العودة؟ هل تمكن الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره في فلسطين؟
ولو سلّمنا جدلا برؤية الشقباوي لدولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما طبيعة هذه الدولة؟ وما مقدار سيادتها؟ وهل هي تعبير عن تحرر وطني حقيقي، أم صيغة لإدارة الوجود الفلسطيني ضمن شروط القوة القائمة؟
هذه ليست أسئلة ترفض الدولة أو تنتقص من أهميتها، وإنما تتعلق بالمضمون التحرري والسيادي للتسوية السياسية للصراع التي تنهي الحروب، وبما إذا كانت تعالج جذور الاستعمار الاستيطاني الصهيوني العنصري الإحلالي الوظيفي، أم تعيد إنتاجه في صورة أخرى.
تاسعا: فتح واستعادة الفلسطيني بوصفه فاعلا
أقدّر ما كتبه الشقباوي عن الدور التاريخي الذي أدته حركة فتح في نقل الفلسطيني من موقع اللاجئ والمتلقي إلى موقع الفاعل السياسي.
وأوافق على أن هذه كانت لحظة تأسيسية في إعادة بناء الشخصية السياسية الفلسطينية الحديثة. لكن الاعتراف بهذا الدور لا يعني احتكار التاريخ الفلسطيني. فتح أسست مرحلة مهمة، لكنها لم تستنفد التاريخ.
وإذا كانت فلسطين، كما يقول الدكتور الشقباوي نفسه، أكبر من التنظيمات، فإن المشروع الوطني الفلسطيني ينبغي أن يكون أكبر من التنظيمات أيضا.
وهنا يتحول السؤال من: من يملك البداية؟ إلى: كيف يستطيع الفلسطيني اليوم أن يستعيد قدرته على الفعل في شروط تاريخية جديدة؟ وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا الآن.
عاشراً: مناقشة الكتاب لا تصنيف الكاتبة
ثمة مسألة منهجية أخرى في قراءة الدكتور الشقباوي تستحق التوقف، وهي ميله إلى قراءة بعض أطروحات الكتاب في ضوء موقع سياسي مفترض للكاتبة، أو في سياق اصطفافات سياسية وفصائلية لا يقدم الكتاب نفسه دليلا كافيا على أنها الإطار الذي يحكم أطروحته. ولا أريد أن أحوّل الرد إلى سجال حول الموقف السياسي، بقدر ما يهمني هنا التنبيه إلى قاعدة أراها أساسية في قراءة الكتاب: أظن أن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات:
ما يقوله الكتاب صراحة، وما يستنتجه الناقد منه، وما ينسبه بعد ذلك إلى الموقع السياسي المفترض للكاتبة.
فالاختلاف مع الرواية الصهيونية، والاعتراف بحق الشعوب في مقاومة الاستعمار، ونقد منظومة القوة التي حكمت كتابة التاريخ الحديث، أو قراءة حدث سياسي في ضوء آثاره التاريخية والمعرفية، ليست مواقف حصرية لليسار، ولا تكفي وحدها لإثبات انتماء أيديولوجي بعينه.
كما أن قراءة الطوفان تاريخيا لا تعني إعفاء المقاومة من النقد، ولا اعتبار كل قرار اتخذ في سياقه صائبا، ولا تحويل المقاومة إلى بديل عن المشروع الوطني.
فالكتاب نفسه مارس نقدا صريحا للنظام السياسي الفلسطيني، سلطة ومعارضة، وللبنية الفصائلية، وللنخب السياسية والثقافية، انطلاقا من مبدأ أؤمن به: لا أحد فوق النقد والمساءلة، مهما كان تاريخه النضالي أو موقعه السياسي.
لذلك أرى أن الأجدى أن يبقى النقاش، في المقام الأول، في مستوى النص: ماذا قال الكتاب؟ ماذا لم يقل؟ وما الذي يمكن، بصورة مشروعة، استنتاجه مما قال؟
أما وضع الكتاب أو الكاتبة داخل تصنيف سياسي مفترض، فلا ينبغي أن يصبح بديلا عن قراءة الأفكار التي يطرحها الكتاب أو مدخلا لتفسيرها. وأنا هنا لا أطالب الدكتور الشقباوي بأن يتفق معي، وإنما بأن يختلف مع ما أقول، لا مع موقع سياسي يُفترض بي.
حادي عشر: ماذا كشف الطوفان عن المنظومة العالمية؟
وهنا أصل إلى النقطة التي ربما لم تأخذ حقها في قراءة الدكتور الشقباوي.
الطوفان، في تصوري، ليس مجرد حدث كشف حقيقة المشروع الاستعماري الصهيوني العنصري الاستيطاني الإحلالي الوظيفي، أو أعاد فلسطين إلى واجهة الاهتمام العالمي. إن أهميته الأوسع تكمن في أنه كشف الزيف الكامن في منظومة ادعت أنها تمثل الحداثة والحرية والعقلانية وحقوق الإنسان، بينما ظلت في الممارسة محكومة بعلاقات القوة والاستعمار. لقد أصبحت التناقضات أكثر وضوحا:
الحديث عن القانون الدولي مقابل انتقائية تطبيقه،
الحديث عن حقوق الإنسان مقابل التفاوت في قيمة حياة البشر،
الحديث عن التحرر مقابل دعم الاستعمار،
الحديث عن الديمقراطية مقابل قبول أنظمة الهيمنة حين تخدم المصالح،
والحديث عن الحقيقة مقابل استمرار إنتاج الرواية من موقع القوة.
وهذا لا يعني أن الطوفان أسقط هذه المنظومة أو أنه غيّر قواعدها، لكنه جعل التناقض بين القوة والحقيقة، وبين الخطاب عن الشرعية والممارسة الفعلية لها، أكثر انكشافا وقابلية للمساءلة.
ومن هنا فإن «تصويب اعوجاج التاريخ» لا يقتصر على إعادة قراءة التاريخ الفلسطيني أو العربي والإسلامي، وإنما يمتد، من خلال الحالة الفلسطينية، إلى مساءلة السردية التاريخية الحديثة التي جعلت القوة معيارا للشرعية، وسمحت للاستعمار بأن يُقدَّم بوصفه جزءا من مسار التقدم والحضارة.
وبهذا المعنى، فإن السؤال الذي يفتحه الكتاب ليس فقط: كيف نعيد كتابة التاريخ الفلسطيني؟ وإنما أيضا: كيف نعيد النظر في المعايير التي كُتب بها التاريخ الحديث، وفي العلاقة بين القوة والحقيقة والشرعية؟ ومن يملك حق تعريف الحضارة، وتحديد من يكون فاعلا في التاريخ ومن يتحول إلى موضوع له؟
فلسطين هنا ليست خروجا من موضوع الكتاب إلى موضوع آخر، وإنما إحدى أكثر الحالات وضوحا في اختبار هذه السردية ومعاييرها.
ثاني عشر: من الانكشاف إلى المسؤولية
الانكشاف وحده لا يكفي. وهنا ألتقي مع الدكتور صالح الشقباوي والدكتور عبد الرحيم جاموس، الذي استشهد الشقباوي في مقاله بمراجعته النقدية لكتاب «الطوفان». فكشف الزيف لا يعني إسقاطه، وكشف حدود القوة لا يعني انتهاء القوة، وكشف تناقضات النظام الدولي لا يعني أن النظام تغير، وكشف أزمة الحامل السياسي الفلسطيني لا يعني أن هذا الحامل أعيد بناؤه.
لذلك فإن القيمة التاريخية للطوفان ستتحدد بما سيفعله الفلسطينيون والعرب والعالم بهذا الانكشاف.
هل يتحول إلى وعي؟ وهل يتحول الوعي إلى مشروع؟ وهل يتحول المشروع إلى مؤسسات؟ وهل تتحول المؤسسات إلى قدرة؟ وهل تتحول القدرة إلى تغيير فعلي في شروط التاريخ؟
هنا فقط يصبح الانكشاف بداية لمسار تاريخي جديد. فالحدث فتح الإمكان، لكنه لا يملك وحده القدرة على إنجاز ما فتحه.
ثالث عشر: فلسطين أكبر من الفصائل، والتاريخ أكبر من الحدث
أتفق مع الدكتور الشقباوي في أن فلسطين أكبر من فتح وحماس والجبهة والجهاد، وأكبر من أي فصيل أو جيل. وأضيف أن هذا يعني أننا بحاجة إلى حامل وطني أكبر من الجميع.
لا نحتاج إلى محو تاريخ الفصائل، ولا إلى إلغاء أدوارها، وإنما إلى إعادة بناء المجال الوطني، بحيث يستوعب تعدد مكونات المجتمع الفلسطيني وتنوع قواه في الوطن والشتات، ويربط المقاومة بالسياسة والدبلوماسية والقانون والعمل الشعبي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، ويعيد إنتاج القرار الوطني على قاعدة المشاركة والقدرة والمساءلة.
فالطوفان كشف أيضا أن حجم الحدث التاريخي يمكن أن يتجاوز قدرة الحامل السياسي الذي يفترض أن يدير نتائجه.
ومن هنا فإن إعادة بناء هذا الحامل السياسي ليست مسألة تنظيمية فقط، وإنما شرط من شروط تحويل البداية إلى مسار، وتحويل الانكشاف إلى قدرة، وتحويل القدرة إلى فعل تاريخي.
أخيراً: ماذا تعني «بداية تصويب اعوجاج التاريخ»؟
بعد هذا كله، أعود إلى عنوان الكتاب. «بداية تصويب اعوجاج التاريخ» لا تعني أن التاريخ الفلسطيني كان معوجا، ولا تعني أن الطوفان محا التاريخ السابق، ولا تعني أن الطوفان حقق النتائج النهائية، ولا تعني أن الحدث كان كاملا أو أن كل قرار اتخذ في سياقه كان صائبا، ولا تعني إعفاء أي طرف من النقد والمساءلة.
إنما تعني أن حدثا تاريخيا كثيفا كشف في لحظة واحدة تناقضات تراكمت عبر عقود، وعرّى زيفا استندت إليه رواية مهيمنة، وأعاد فتح أسئلة ظن كثيرون أنها أغلقت، وفتح إمكانا لإعادة النظر في السردية التي كُتب بها التاريخ الحديث، وفي منظومة الشرعية التي حكمت توزيع القوة والحقيقة، والحق والاستعمار والحضارة.
ومن هنا فإنني لا أقول إن الطوفان «صحح التاريخ»، بل أقول إنه فتح بداية تصويب التاريخ. وهذه البداية لا تخص الفلسطيني وحده، وإن كانت فلسطين إحدى أكثر ساحاتها وضوحا.
إنها تمتد إلى السؤال العربي والإسلامي، وإلى سؤال الاستعمار، وإلى سؤال الحداثة، وإلى سؤال النظام الدولي، وإلى السؤال الأوسع: كيف يكتب العالم تاريخه؟ ومن يملك حق تعريف الحقيقة والشرعية والحضارة؟
قد يثبت التاريخ لاحقا أن هذه اللحظة لم تكن سوى انكشاف عابر. وقد يثبت أنها كانت بداية تحول أعمق.
وهذا ما لا يمكن أن نحسمه الآن. لكن ما يمكن أن نحسمه هو مسؤوليتنا تجاه الإمكان الذي انفتح.
وهنا، في تقديري، يكمن السؤال الحقيقي الذي يتركه الطوفان لنا: ليس ماذا فعل الحدث بالتاريخ فقط، وإنما ماذا سنفعل نحن بما فتحه الحدث من إمكان؟
انية