د. محمد عباس مهنا - قراءة نقدية أدبية في نص «احتمال» للشاعرة مجيدة محمدي

تكتب الشاعرة مجيدة محمدي في نصها «احتمال» قصيدةً تنتمي إلى فضاء التأمل الوجودي، حيث لا تبحث اللغة عن إجابة بقدر ما تُمعن في صناعة السؤال. فمنذ العتبة الأولى، ينهض العنوان «احتمال» بوصفه مفتاحًا دلاليًا للنص كله؛ إذ لا يقين هنا، ولا حقيقة نهائية، وإنما عالم مفتوح على الممكن، ومعلّق بين ما نعرفه وما نعجز عن إدراكه.
إن تكرار عبارة «احتمالٌ، أنْ...» يمنح القصيدة بناءً إيقاعيًا متصاعدًا، ويجعل كل مقطع نافذة جديدة تطل منها الذات على الوجود. وهذا التكرار ليس مجرد لازمة أسلوبية، بل هو فلسفة النص الداخلية؛ فالشاعرة تنزع عن العالم صلابته المألوفة، وتعيد تقديمه بوصفه مسودة قابلة للمراجعة، وسؤالًا لم يكتمل بعد.
تقول:
«يكونَ العالمُ
مسودةً أُهمِلَتْ
على طاولةِ الغيب»
وهي صورة بالغة الكثافة والجمال؛ إذ يتحول العالم من حقيقة مكتملة إلى مسودة مهملة، بينما يصبح الغيب طاولةً كونية تركت عليها أسرار الوجود. ثم تأتي الصورة الأكثر وجعًا وعمقًا:
«وأننا
هوامشُها المرتعشة
نحاولُ إقناعَ المعنى
بالبقاء»
هنا تبلغ القصيدة ذروة وعيها الوجودي؛ فالإنسان ليس متنًا متحكمًا في العالم، بل هامشٌ مرتعش، هشّ، قلق، يحاول أن يمنح حياته معنى قبل أن يتلاشى. إنها رؤية إنسانية شديدة الصدق، تستبدل مركزية الإنسان بادراك هشاشته.
وفي المقطع الذي تستيقظ فيه الأشياء قبل البشر، تمنح الشاعرة الجمادات ذاكرةً ووعيًا:
«أنْ تفهمَ الكراسي
ثِقَلَ الانتظار،
وأنْ تحفظَ الجدرانُ
أسماءَ الذين مرّوا
ولم يعودوا»
وهنا تتجلى شاعرية التفاصيل؛ فالكراسي ليست كراسي فحسب، بل خزائن للانتظار، والجدران ليست صامتة، بل ذاكرة تحفظ أسماء الغائبين. وكأن الأشياء، في عالم الشاعرة، أكثر وفاءً من الزمن، لأنها لا تنسى الذين مروا وتركوا خلفهم أثرًا.
أما القلب، فتقدمه الشاعرة في واحدة من أجمل صور النص:
«خطأً جميلاً في الحساب»
إنها استعارة تجمع بين التناقض والجمال؛ فالقلب، الذي كثيرًا ما يكون سبب الألم والخسارة، هو في الوقت ذاته ذلك الخطأ الجميل الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. ومن هذا المنظور تأتي الخسارة لا بوصفها نهاية، بل:
«طريقةٌ أخرى
لترتيبِ الروح»
وهذه رؤية ناضجة للألم؛ إذ لا تنفي وجعه، لكنها تمنحه وظيفةً وجودية: فالروح، بعد الخسارات، لا تبقى كما كانت، وإنما تعيد ترتيب نفسها على هيئة جديدة.
ويتكثف البعد الرمزي في قولها:
«وصارَ الرجاءُ
أثرَ قدمٍ
على ماء»
إنها صورة مدهشة في رهافتها؛ فالرجاء هنا موجود، لكنه عصيّ على الثبات، يظهر ويختفي، يترك أثرًا مستحيل الإمساك به. وكأن الأمل ليس يقينًا، بل علامة عابرة على سطح المستحيل.
ثم ينتقل النص إلى حكمة الطريق:
«الطريقَ لا يقودُ إلى مكان،
بل يعلّمُنا
كيف نمشي
خفيفين
فوق هشاشتنا»
وهنا تتحول الرحلة من انتقال خارجي إلى تربية داخلية للروح. ليست القيمة في الوصول، بل في أن نتعلم السير، وأن نخفف وطأة وجودنا، وأن نعترف بهشاشتنا دون أن نتوقف عن المشي.
ويبلغ النص أفقًا روحانيًا عميقًا حين تقول:
«يكونَ اللهُ
قريبًا
إلى حدِّ الصمت»
ثم:
«وأنَّ الدعاءَ
ليسَ طلبًا
بل إصغاءً طويلًا
لما لا يُقال»
في هذا المقطع تتجاوز الشاعرة المفهوم المباشر للدعاء، لتقدمه بوصفه حالة إصغاء روحي. فالدعاء ليس دائمًا كلامًا نصعد به إلى السماء، بل قد يكون صمتًا نهبط به إلى أعماقنا. وهذه من أكثر لحظات القصيدة صفاءً وعمقًا، حيث يصبح الصمت لغةً أخرى للقرب.
أما الخاتمة:
«أنْ لا نصلَ أبدًا،
لكننا...
نصيرُ
أكثرَ إنسانية،
وأقلَّ يقينًا،
وأشدَّ
شبهًا
بالسؤال»
فهي خاتمة تليق تمامًا بالرحلة التي بدأتها القصيدة. فالنص لا ينتهي إلى جواب، لأن جوهره قائم على الاحتمال. ولا يبلغ الإنسان كمال المعرفة، بل يزداد إنسانية كلما أدرك حدود يقينه. وهنا تكمن الفكرة الفلسفية الأجمل في النص: أن الإنسان لا ينضج حين يمتلك الإجابات، بل حين يتصالح مع الأسئلة.
إن قصيدة «احتمال» للشاعرة مجيدة محمدي نصٌّ مكتوب بحساسية عالية ولغة شفيفة، يجمع بين الفلسفة والشعر، والهشاشة والحكمة، والقلق والرجاء. وهي قصيدة لا ترفع صوتها لتقول شيئًا، بل تهمس طويلًا، فتترك القارئ أمام ذاته، وأمام العالم، وأمام ذلك السؤال الكبير الذي يشبهنا أكثر مما تشبهنا الإجابات.
إنها قصيدة عن الإنسان بوصفه احتمالًا، وعن الحياة بوصفها عبورًا، وعن المعنى بوصفه شيئًا نحاول دائمًا أن نقنعه بالبقاء.
أ . د . محمد عيسى مهنى ( محمد مهنا ) .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...