د. محمد عبدالله القواسمة - لماذا الأدب؟

يتساءل كثيرون من الأدباء عن جدوى الأدب في هذا العالم المضطرب، المملوء بالكراهية، والعنف والجوع، والمشوه بالحروب والدماء. هل تستطيع قصيدة أو رواية أن توقف مدفعًا أو صاروخًا عن الانطلاق، أو تملأ معدة فارغة بالطعام؟

على الصعيد الشخصي، كنت في مرحلة من مراحل العمر أفرح بعد أن تُنشر لي مقالة، أو قصة قصيرة في إحدى الصحف أو المجلات، وأكون أكثر فرحًا وسعادة عندما تصدر لي رواية؛ لأني أعتقد أنها ستعمل في عقول الناس وقلوبهم، كما القوانين وأوامر السلطات، ويصير الناس أقل عنفًا، والجائعون أقل عددًا، والمشردون لهم دور تؤويهم.

تتوالى أعمالي الأدبية، وتتوالى آمالي القلبية بإدراك الناس واقعهم، فيغيرون ما فيه من بؤس وضعف.

أخيرًا تصفعني الحقيقة المُرّة. الناس لم يقرؤوا ما كتبت، ومن قرؤوا لم يكترثوا، فلم أجد تأثيرًا لأدبي وأدب زملائي الذين يحلمون بعالم يسوده الجمال والحب. الناس كما هم سادرون في حياتهم يضحكون ويلعبون، يسخر بعضهم من بعض، والفقراء في فقرهم يَسبحون، والطغاة لشعوبهم ظالمون. أعود إلى نفسي أعنفها وألومها، وأهم بحرق ما كتبت، وأمحو ما وضعت من مواد على جهازي الإلكتروني. هل كل ما كتبت بلا قيمة، وبلا فائدة؟ هل الأدب لا يصنع شيئًا؟

أعترف الآن أني لم أفهم أهمية الأدب على الوجه الصحيح، خُدعت منذ البداية، لست وحدي من خدع، فهذا جون بول سارتر تساءل قبلي في كتابه "ما الأدب؟"عن دور الأدب في معركة الوجود، فأجاب بأن الأدب ذو قدرة هائلة على تغيير الواقع، إذا كان ملتزمًا بقضايا الناس ومشاكلهم. استمر عقودًا من الزمن يتبنى رؤيته هذه، ويكتب الأدب الملتزم من "الغثيان" إلى "الذباب" ضمن فلسفته الوجودية. لم يحدث ما توقعه، فلم يصلح المجتمع، ولم تتوقف الحروب، ولم يزل الفقر، أو تخف آلام الحياة. هاله عجز الأدب، فكان كتابه" الكلمات"، سيرته في القراءة والكتابة رد فعله الصادم في الثقافة التي يعتبر الأدب الجزء المهم منها، بأنها لا تفعل شيئًا إزاء تغيير الواقع، أو منحه معنى. لكنه لم ينف أن الأدب قد يوقظ الوعي لدى القراء بما يجري فيسعون إلى التأثير في واقعهم، كما فعلت رواية "كوخ العم توم" عندما نبهت الناس إلى وضع الرق بينهم، وسعى بعضهم إلى التغيير.

ويظهر في ذلك الوقت، الذي تراجع فيه سارتر عن رؤيته للأدب الشاعر البريطاني الأمريكي و. هـ. أودن؛ فيشاركه الرأي، وتظهر هذه المشاركة في قصيدته "في ذكرى و. ب. ييتس" التي قالها في رثاء الشاعر الإيرلندي ييتس عام 1939م إذ رأى بان الشعر يستمر في الوجود، دون أن يمسه الموت، كما أن قصائد ييتس لم تحدث أي تغيير في العالم كما تمنى. فالشعر ليس أداة للتغيير، بل هو وسيلةٌ لفعل شيءٍ مختلف، شيء عابر، الشعر "طريقةٌ للوجود، فمٌ". إنه متحركٌ وقوي، لكن ليس بالطريقة التي توقعها ييتس.

على الطرف الآخر، أدباء وكتاب عرب وغربيون يسوقون للعنف، ويقفون مع حكام وأنظمة استبدادية، ما أكثرهم عندنا! لهذا نمثل لهم من الغرب فقط، فنذكر في مقدمتهم إزرا باوند، الشاعر والناقد الأمريكي زعيم الحداثة الشعرية. أعجب إزرا بموسوليني، وقدم خلال الحرب العالمية الثانية مئات المواد الإذاعية المؤيدة للفاشية. وبعد سقوط ألمانيا وصف هتلر بأنه أشبه بـقديس وشهيد. ثم كنوت هامسون الروائي النرويجي الحائز على نوبل للآداب عام 1920، أيد ألمانيا النازية واحتلالها النرويج. وكتب بعد موت هتلر نعيًا وصفه بأنه مقاتل من أجل البشرية وداعية للعدالة بين الأمم. ثم إن الشاعر الإيطالي فيليبو توماسو مارينيتي لم يعجب بموسوليني فقط، بل نشط في الحركة الفاشية نفسها أيضًا، وكانت أفكاره تمجد الحرب والقوة والعنف.

على كل حال الأدب لن يغير الواقع سواء نحو الأفضل أو الأسوأ، لكن سنستمر نحن الأدباء في الكتابة، فتلك مهمتنا وعادتنا، كما يقول سارتر. أما عن تأثير أدبنا في الحياة والناس، فهذا لا نهتم به، كما الطيور التي تغرد دون أن تعبأ بشيء. لكن يظل صوت الأدب الذي يمجد الحب والجمال والأمل، يسمع، وسط هدير الأمواج، وأنين الحزانى، ربما في سماعه وقراءته إدراك العالم ودفع الناس إلى التفاؤل، وربما إلى الفعل، الذي يخفف الألم، أو يساعد على تحمله، أما عن إزالته وحده دون غيره من العوامل فهذا أمل بعيد المنال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...