المجتمع الفلسطيني... من يصنع الشرعية؟
رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل
الحلقة الثامنة
عندما ابتعدت البنادق عن فلسطين... من بقي يحمل الشرعية؟
- يحيى بركات -
- مخرج وكاتب سينمائي -
انتهت الحلقة السابقة عند البحر.
كانت بيروت تتراجع خلف السفن، والمقاتلون الفلسطينيون يغادرون بالسلاح والحقائب والذكريات. لم تعد الثورة مجتمعة في مكان واحد، ولم تعد البنادق على المسافة نفسها من فلسطين.
تونس، الجزائر، العراق، اليمن، السودان، سوريا…
خريطة جديدة كانت تُرسم للثورة، لا بالحبر هذه المرة، بل بالمسافات.
خرجتُ من بيروت إلى سوريا، لكنني لم أبق طويلًا. سافرت سريعًا مع فريق تصوير سينمائي إلى تونس لنكون هناك عند وصول المقاتلين، ولنصور وصول الأخ أبو عمار.
كنت أحمل الكاميرا، ولم أكن أعرف أنني ذاهب إلى موعد آخر مع طفولتي.
بعد وصول إحدى البواخر، دعا الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة النساء الفلسطينيات اللواتي كن على متنها إلى القصر، ودُعينا نحن أيضًا، فريق التصوير والإعلام.
دخلنا.
كان بورقيبة قد تقدم في العمر. جلست أمام الرجل الذي كنت قد رأيته قبل سبعة عشر عامًا، وأنا طفل في المدرسة.
كان كلامه يتقطع وهو يتحدث، ثم نظر إلينا ووجّه كلامه لنا نحن الفلسطينيين، وقال بما بقي في ذاكرتي حتى اليوم:
«لم تسمعوا كلامي في أريحا… كان عندكم دولة الآن.»
وفجأة لم أعد في تونس.
عدت طفلًا إلى شارع في الأردن سنة 1965.
طلاب المدارس مصطفون لاستقبال الرئيس التونسي الزائر، ونحن نهتف ونغني ببراءة الأطفال:
«حِنّي دين الحنّا الحنّا… وبورقيبة هيو عنا.»
زار بورقيبة أريحا في آذار من ذلك العام، وطرح هناك فكرة صادمة في زمنها: العودة إلى قرار التقسيم الصادر سنة 1947، والقبول بما يمكن الحصول عليه في تلك اللحظة، ثم البناء عليه بدل انتظار كل شيء دفعة واحدة.
كان الزمن العربي مختلفًا.
المد القومي في ذروته. فلسطين في الوعي العام وطن لا يقبل القسمة. شعار التحرير الكامل يملأ الشوارع والمنابر. وكانت فتح قد أطلقت في الأول من كانون الثاني من العام نفسه بداية كفاحها المسلح، حاملة تصورًا آخر: أن يستعيد الفلسطيني قراره بيده، وأن تكون حرب التحرير الشعبية طريقه إلى تحرير كامل التراب الفلسطيني.
قوبل كلام بورقيبة بغضب شديد. رفضته منظمة التحرير، ورفضه المناخ القومي السائد.
وأذكر أننا، نحن الذين اصطففنا لتحيته عند قدومه، شاركنا عند مغادرته في التعبير عن رفضنا لما قاله، حتى إن صورة البيض الذي قُذف على موكبه ما زالت عالقة في ذاكرتي.
كنت طفلًا.
لم أكن أعرف قرار التقسيم ولا ميزان القوى، ولم أكن أعرف معنى التسوية أو حرب التحرير الشعبية.
كنت أعرف فقط ما يعرفه الشارع من حولي:
فلسطين كلها لنا، وستعود كلها.
ثم انتهى ذلك المشهد من الذاكرة، وعدت إلى تونس.
إلى بورقيبة العجوز أمامي.
وإلى جملته:
«كان عندكم دولة…»
لا أريد اليوم، بعد أكثر من ستين عامًا، أن أحاكم ذلك الطفل، ولا ذلك الجيل، ولا أن أقول ببساطة إن بورقيبة كان على حق وإن الآخرين كانوا على خطأ.
التاريخ لا يُقرأ بهذه السهولة.
ولا نعرف إن كان قبول الفلسطينيين والعرب بطرحه سنة 1965 سيصنع فعلًا دولة فلسطينية قابلة للحياة، ولا إن كانت إسرائيل والقوى الكبرى ستسمح بتحويل قرار التقسيم إلى حقيقة سياسية جديدة.
لكنني أعرف أن سبعة عشر عامًا فقط كانت تفصل بين المشهدين.
بين أريحا وتونس مرّ عام 1967، وسقط ما بقي من فلسطين تحت الاحتلال.
وجاءت الكرامة.
وصعدت الثورة.
ثم أيلول في الأردن.
ثم لبنان.
ثم الحرب والاجتياحات والحصار.
ثم البحر.
وبقي سؤال عالق بين وجهَي بورقيبة اللذين رأيتهما:
من كان يملك الحق في أن يقرر للفلسطيني أي فلسطين ممكنة، وأي طريق ينبغي أن يسلك للوصول إليها؟
---
لم يكن خروج منظمة التحرير من بيروت مجرد انتقال عسكري من مكان إلى آخر.
كان نهاية مرحلة.
لسنوات امتلكت الثورة الفلسطينية شيئًا نادرًا في تاريخ شعب بلا دولة: قيادة، وقوات، ومؤسسات، ومساحة تتحرك عليها، وحدودًا تستطيع الاقتراب منها، وعلاقات عربية ودولية جعلتها رقمًا لا يمكن تجاوزه.
وفي بيروت فقدت عنصرًا أساسيًا من هذه المعادلة:
الجغرافيا.
توزع المقاتلون، وابتعدت البنادق، وانتقلت القيادة السياسية إلى تونس، وصارت بغداد والجزائر وصنعاء وغيرها محطات في جغرافيا فلسطينية جديدة موزعة على العواصم.
لكن المجتمع الفلسطيني لم يصعد كله إلى السفن.
بقي الناس في المخيمات.
وبعد أسابيع قليلة فقط جاءت صبرا وشاتيلا.
كانت القوات الفلسطينية قد غادرت بيروت ضمن ترتيبات وضمانات، لكن الأطفال والنساء والشيوخ الذين بقوا اكتشفوا أن الورق لا يحرس أبواب المخيمات.
خرج المقاتل.
وبقي المدني.
ثم جاءت المجزرة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من الانتصار والهزيمة:
ما قيمة القوة السياسية والعسكرية إذا انفصل مصيرها عن أمن المجتمع الذي تستمد شرعيتها منه؟
وفي الوقت نفسه تقريبًا كانت قمة فاس العربية تفتح سياسيًا بابًا آخر. اللغة العربية الرسمية نفسها أخذت تتحرك من خطاب التحرير الكامل إلى مشروع سياسي يقوم على الانسحاب من الأراضي المحتلة سنة 1967 وإقامة دولة فلسطينية.
كان العالم الذي خرجنا إليه من بيروت مختلفًا عن العالم الذي دخلنا منه الثورة.
البندقية تبتعد.
والسياسة تبحث عن الممكن.
لكن منظمة التحرير لم تحصل على فرصة هادئة لفهم موقعها الجديد.
في العام التالي انفجرت الأزمة داخل فتح.
انشقاق، وصراع على القرار، وتدخلات عربية، وسوريا التي كانت واحدة من ساحات الثورة أصبحت ساحة صراع على استقلال القرار الفلسطيني نفسه.
عاد أبو عمار إلى طرابلس عبر قبرص.
وجاء الحصار من جديد.
كأن السفينة التي أخرجته من بيروت لم تكن كافية.
وفي نهاية 1983 كان هناك خروج آخر من طرابلس.
خروج من بيروت.
ثم خروج من طرابلس.
ولم تعد المسألة مجرد مواجهة بين الفلسطيني والاحتلال.
صار على الثورة أن تحمي قرارها من الانقسام داخلها، ومن محاولات التأثير عليه من خارجها، ومن تبدل التحالفات من حولها.
وهنا ظهرت واحدة من مفارقات تجربتنا:
لقد ناضل الفلسطيني طويلًا كي يمتلك قراره، لكنه اكتشف أن امتلاك القرار لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تنفيذه.
ثم جاءت حرب المخيمات.
حركة أمل، حليف الأمس في مراحل من التجربة اللبنانية، أصبحت طرفًا في حرب قاسية حول المخيمات الفلسطينية.
وعاد المجتمع مرة أخرى إلى قلب النار.
مخيمات محاصرة.
ناس يدفعون ثمن صراعات أكبر من قدرتهم على التحكم بها.
وتحالفات تتبدل أسرع من قدرة العائلات على فهم من أصبح خصمًا ومن بقي حليفًا.
وحتى القوات الفلسطينية التي توزعت بعيدًا لم تكن بمنأى عن ارتدادات الإقليم. اليمن دخل صراعاته، وتأثرت القوات الفلسطينية الموجودة هناك بما يجري حولها.
كانت الجغرافيا التي لجأنا إليها تتحرك تحت أقدامنا.
وهنا بدأت تتكشف مشكلة لم تكن البندقية وحدها قادرة على حلها:
كيف يحافظ شعب بلا دولة على استقلال قراره، بينما قيادته وقواته ومؤسساته وأمواله موزعة داخل دول لكل واحدة منها سيادتها ومصالحها وحساباتها وحروبها؟
كان استقلال القرار الوطني الفلسطيني إنجازًا تاريخيًا وضرورة. لم يكن مقبولًا أن تبقى فلسطين ملفًا على مكاتب الأنظمة العربية.
لكن التجربة علمتنا شيئًا آخر:
استقلال القرار الفلسطيني عن الدول لا يمكن أن يعني استقلال القيادة الفلسطينية عن مجتمعها.
كما أن عدالة القضية لا تمنح كل وسيلة تُستخدم باسمها شرعية تلقائية.
المقاومة وسيلة.
والبندقية أداة.
أما الهدف فهو حرية الإنسان والأرض.
وحين تتحول الوسيلة إلى هدف، أو تصبح الأداة مصدرًا للشرعية بذاتها، يبدأ سؤال ظل طويلًا مؤجلًا:
من يراقب من يحمل البندقية باسم المجتمع؟ ومن يقرر الكلفة التي سيدفعها المجتمع؟
---
وفي الوقت الذي كانت فيه الثورة تعيد ترتيب نفسها في المنافي الجديدة، كانت البيئة العربية نفسها تتغير.
تبدلت الأولويات، وتغيرت التحالفات، وضاقت مصادر الدعم السياسي والمالي.
وكان على منظمة التحرير أن تحافظ على استقلال قرارها، بينما تحتاج إلى المال والسلاح والعلاقات والحدود والمطارات والإقامات.
وهنا ظهر تناقض جديد:
كيف يكون القرار مستقلًا إذا كانت أدوات بقائه في يد الآخرين؟
---
ثم، بينما كانت القيادة في تونس، والمقاتلون موزعين بين بلدان بعيدة، حدث شيء لم تبدأه غرفة عمليات في الخارج.
تحرك المجتمع في الداخل.
في كانون الأول 1987 اندلعت الانتفاضة الأولى.
لم تعبر كتائب منظمة التحرير البحر.
لم تهبط جيوش عربية على شواطئ فلسطين.
خرج الناس.
شاب يحمل حجرًا.
امرأة تنظم الحي.
تاجر يغلق متجره.
عامل يرفض الذهاب إلى عمله.
طلاب يخرجون من المدارس والجامعات.
لجان شعبية تنظم الحياة.
مقاطعة.
إضرابات.
تعليم شعبي.
منشورات تنتقل من يد إلى يد.
وفجأة عاد مركز الصورة إلى فلسطين.
ربما كانت هذه واحدة من أهم اللحظات في تاريخ العلاقة بين المجتمع الفلسطيني وقيادته.
لم يقل المجتمع إنه لا يريد منظمة التحرير. على العكس، رفعت الانتفاضة علمها وعززت مكانتها ممثلًا سياسيًا للشعب الفلسطيني.
لكن شيئًا أعمق حدث:
المجتمع لم ينتظر القيادة لكي يبدأ.
صنع فعله، ثم منح هذا الفعل معناه الوطني.
وهنا ظهرت صيغة أخرى للشرعية.
ليست شرعية البندقية وحدها.
ولا شرعية الاعتراف العربي.
ولا شرعية الاعتراف الدولي.
إنها شرعية الناس حين ينتقلون من موقع جمهور القضية إلى موقع صانعيها.
من تونس كانت القيادة تحاول إدارة اللحظة والاستفادة من قوتها السياسية.
ومن الداخل كان المجتمع يصنع كل يوم وقائع جديدة.
وللحظة، بدا أن المسافة بين المجتمع والقرار يمكن أن تضيق.
---
وفي الجزائر سنة 1988 أعلن المجلس الوطني الفلسطيني الاستقلال.
وعاد إلى النص الفلسطيني القرار 181؛ قرار التقسيم الذي كان مجرد الحديث عن قبوله سنة 1965 كافيًا لإشعال الغضب.
تذكرت بورقيبة.
لكنني لم أحتج إلى إعلان انتصاره بعد ثلاثة وعشرين عامًا.
كان السؤال أهم من الحكم:
ماذا تغير فينا وفي العالم حتى أصبح ما رفضناه بالأمس جزءًا من شرعيتنا السياسية اليوم؟
هل تغير الهدف؟
أم ميزان القوى؟
أم تعلمنا من التجربة؟
أم أن السياسة، مثل الحياة، تعيد تعريف الممكن كلما ارتفعت كلفة المستحيل؟
ثم جاءت حرب الخليج.
وهذه المرة لم أكن أرى النتائج من نشرات الأخبار وحدها.
كانت أمام عدستي.
في فيلمي «رمال السوافي» عدت إلى حكاية الفلسطيني في الكويت.
إلى زمن بعيد سبق النفط والثروة بالشكل الذي عرفناه لاحقًا، حين وصلت إلى الكويت في ثلاثينيات القرن الماضي بعثة من المعلمين الفلسطينيين، في بداية علاقة ستكبر معها جالية فلسطينية ساهم أبناؤها على مدى عقود في التعليم والصحة والاقتصاد وفي بناء مؤسسات المجتمع والدولة.
وأنا أصور، كان يحضر في ذاكرتي غسان كنفاني و«رجال في الشمس».
كيف وصل الفلسطيني إلى الكويت؟
لماذا ذهب؟
ماذا بنى هناك؟
ثم كيف خرج منها؟
لم تكن الجالية الفلسطينية في الكويت مجرد تجمع من العمال والموظفين.
كانت مجتمعًا فلسطينيًا كاملًا تشكل بعيدًا عن فلسطين، وظل مربوطًا بها.
معلمون وأطباء ومهندسون واقتصاديون وموظفون وعائلات ساهمت في بناء الكويت الحديثة، وفي الوقت نفسه لم تنقطع عن أهلها ووطنها. وكان ما يصل منها لدعم صمود شعبنا تحت الاحتلال يُقدّر بعشرات ملايين الدولارات سنويًا، وفي بعض التقديرات بنحو خمسة وسبعين مليون دولار.
ثم دارت الكاميرا في الاتجاه المعاكس.
الطريق الذي حمل الفلسطيني إلى الكويت بحثًا عن الحياة أعاده بعد حرب الخليج إلى عمّان.
صورتهم هناك.
في الشوارع.
مع الحقائب.
مع الأطفال.
ومع ما استطاعوا حمله من حياة امتدت عقودًا.
لم أطلب من السياسيين أن يرووا لي ما جرى.
سجلت شهادات الفلسطينيين أنفسهم.
ماذا حدث لهم؟
كيف فهموا ما جرى؟
وكيف وجد الإنسان الذي ساهم في بناء بلد عاش فيه سنوات طويلة نفسه فجأة يبحث من جديد عن مكان يبدأ منه؟
كان اسم الفيلم:
«رمال السوافي».
والسوافي هي الرمال التي تحملها الريح من مكان إلى آخر.
ولم أجد يومها صورة أقرب إلى الفلسطيني.
جيل خرج من فلسطين.
وجيل ذهب إلى الكويت وبنى حياة هناك.
ثم جاءت ريح أخرى فحملته إلى عمّان.
كأن اللاجئ الذي اعتقد أنه ابتعد عن لحظة 1948 وجد التاريخ يعيده، بصورة مختلفة، إلى السؤال الأول:
أين البيت؟
كنت أصورهم وهم ينتشرون في شوارع عمّان، ولم أكن أقرأ تلك الصور يومها بالسؤال الذي أكتب به هذا الكتاب الآن.
اليوم أراها بطريقة أخرى.
هؤلاء الناس لم يقرروا غزو الكويت.
ولم يقرروا الحرب.
ولم يصنع العامل والمدرس والطبيب والمهندس الفلسطيني المواقف السياسية التي اتخذتها القيادة الفلسطينية.
لكن عندما تحركت السياسة، وصلت نتائجها إلى بيوتهم ووظائفهم ومدارس أبنائهم وحساباتهم الصغيرة للحياة.
مرة أخرى:
هناك من يقرر.
وهناك مجتمع يدفع الثمن.
وهنا لا أريد، بعد كل هذه السنوات، أن أحاكم موقفًا سياسيًا بجملة، ولا أن أبرئه بجملة.
السؤال أعمق:
ما حدود حق القيادة في اتخاذ موقف باسم شعب موزع بين وطن ومخيم ومنفى، إذا كان المجتمع نفسه هو الذي سيتلقى نتائج ذلك الموقف في بيته وعمله ومستقبل أبنائه؟
خرجت منظمة التحرير من حرب الخليج أضعف سياسيًا وماليًا.
لكن المجتمع الفلسطيني خسر شيئًا آخر أيضًا.
خسر واحدة من أكبر وأقوى تجمعاته في الشتات، وخسر الداخل سندًا اجتماعيًا واقتصاديًا ساهم سنوات طويلة في تعزيز قدرته على الصمود.
وفي سماء المنطقة كانت صواريخ صدام حسين تتجه نحو دولة الاحتلال، وكان الشارع الفلسطيني يرى فيها مشهدًا آخر من مشاهد المواجهة، بينما كان الفلسطيني نفسه يدفع، في مكان آخر، ثمن حرب لم يكن صاحب قرارها.
من يقرر، ومن يدفع؟
السؤال نفسه يعود، لكن بملابس جديدة.
ثم جاء مدريد سنة 1991.
جلست شخصيات فلسطينية من الداخل إلى طاولة المفاوضات ضمن وفد أردني ـ فلسطيني مشترك، بينما بقي اسم منظمة التحرير رسميًا خارج القاعة.
كان في المشهد شيء من سخرية التاريخ.
المنظمة التي خاضت معارك طويلة لكي تصبح الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني لم تجلس باسمها على الكرسي.
والداخل الذي صنع الانتفاضة أصبح حاضرًا أمام العالم.
لكن القيادة التي لم تكن ظاهرة في القاعة بقيت حاضرة خلف المشهد.
وهنا دخلت العلاقة بين المجتمع والقيادة امتحانًا جديدًا.
من يملك التفويض؟
من يفاوض؟
من يقرر حدود الممكن؟
ومن يحول تضحيات المجتمع إلى اتفاق سياسي؟
بدأت الثورة قبل عقود بسؤال:
كيف يستعيد الفلسطيني قراره من الآخرين؟
وبعد بيروت أصبح السؤال:
كيف يحافظ على استقلال هذا القرار؟
وفي الانتفاضة ظهر سؤال آخر:
ماذا يحدث عندما يستعيد المجتمع نفسه المبادرة؟
أما مدريد ففتح بابًا مختلفًا.
فالطريق لم يعد يتجه نحو معسكر جديد.
ولا نحو قاعدة عسكرية أخرى.
كان يتجه نحو طاولة.
ومن خلف مدريد كان هناك طريق آخر يُفتح بعيدًا عن أعين المجتمع.
طريق سيحمل اسم مدينة أوروبية باردة:
أوسلو.
وهناك لن يكون السؤال فقط ماذا أخذ الفلسطيني وماذا أعطى، ولا هل كانت التسوية ممكنة أو مستحيلة.
سنعود إلى السؤال الذي يرافقنا منذ بداية هذه الرحلة:
من يصنع الشرعية؟
فإذا كان المجتمع الفلسطيني هو الذي صنع الانتفاضة، ودفع ثمنها، وراكم قوتها السياسية والأخلاقية، فمن أعطى القيادة حق تحويل هذه الشرعية إلى اتفاق سيعيد تعريف الأرض والسلطة والمقاومة والدولة ومستقبل المجتمع نفسه؟
وهل كانت أوسلو ترجمة لشرعية صنعها المجتمع… أم اللحظة التي بدأت فيها الشرعية تنتقل، مرة أخرى، من المجتمع إلى القيادة؟
يُتبع...
يحيى بركات
4/9/2026
رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل
الحلقة الثامنة
عندما ابتعدت البنادق عن فلسطين... من بقي يحمل الشرعية؟
- يحيى بركات -
- مخرج وكاتب سينمائي -
انتهت الحلقة السابقة عند البحر.
كانت بيروت تتراجع خلف السفن، والمقاتلون الفلسطينيون يغادرون بالسلاح والحقائب والذكريات. لم تعد الثورة مجتمعة في مكان واحد، ولم تعد البنادق على المسافة نفسها من فلسطين.
تونس، الجزائر، العراق، اليمن، السودان، سوريا…
خريطة جديدة كانت تُرسم للثورة، لا بالحبر هذه المرة، بل بالمسافات.
خرجتُ من بيروت إلى سوريا، لكنني لم أبق طويلًا. سافرت سريعًا مع فريق تصوير سينمائي إلى تونس لنكون هناك عند وصول المقاتلين، ولنصور وصول الأخ أبو عمار.
كنت أحمل الكاميرا، ولم أكن أعرف أنني ذاهب إلى موعد آخر مع طفولتي.
بعد وصول إحدى البواخر، دعا الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة النساء الفلسطينيات اللواتي كن على متنها إلى القصر، ودُعينا نحن أيضًا، فريق التصوير والإعلام.
دخلنا.
كان بورقيبة قد تقدم في العمر. جلست أمام الرجل الذي كنت قد رأيته قبل سبعة عشر عامًا، وأنا طفل في المدرسة.
كان كلامه يتقطع وهو يتحدث، ثم نظر إلينا ووجّه كلامه لنا نحن الفلسطينيين، وقال بما بقي في ذاكرتي حتى اليوم:
«لم تسمعوا كلامي في أريحا… كان عندكم دولة الآن.»
وفجأة لم أعد في تونس.
عدت طفلًا إلى شارع في الأردن سنة 1965.
طلاب المدارس مصطفون لاستقبال الرئيس التونسي الزائر، ونحن نهتف ونغني ببراءة الأطفال:
«حِنّي دين الحنّا الحنّا… وبورقيبة هيو عنا.»
زار بورقيبة أريحا في آذار من ذلك العام، وطرح هناك فكرة صادمة في زمنها: العودة إلى قرار التقسيم الصادر سنة 1947، والقبول بما يمكن الحصول عليه في تلك اللحظة، ثم البناء عليه بدل انتظار كل شيء دفعة واحدة.
كان الزمن العربي مختلفًا.
المد القومي في ذروته. فلسطين في الوعي العام وطن لا يقبل القسمة. شعار التحرير الكامل يملأ الشوارع والمنابر. وكانت فتح قد أطلقت في الأول من كانون الثاني من العام نفسه بداية كفاحها المسلح، حاملة تصورًا آخر: أن يستعيد الفلسطيني قراره بيده، وأن تكون حرب التحرير الشعبية طريقه إلى تحرير كامل التراب الفلسطيني.
قوبل كلام بورقيبة بغضب شديد. رفضته منظمة التحرير، ورفضه المناخ القومي السائد.
وأذكر أننا، نحن الذين اصطففنا لتحيته عند قدومه، شاركنا عند مغادرته في التعبير عن رفضنا لما قاله، حتى إن صورة البيض الذي قُذف على موكبه ما زالت عالقة في ذاكرتي.
كنت طفلًا.
لم أكن أعرف قرار التقسيم ولا ميزان القوى، ولم أكن أعرف معنى التسوية أو حرب التحرير الشعبية.
كنت أعرف فقط ما يعرفه الشارع من حولي:
فلسطين كلها لنا، وستعود كلها.
ثم انتهى ذلك المشهد من الذاكرة، وعدت إلى تونس.
إلى بورقيبة العجوز أمامي.
وإلى جملته:
«كان عندكم دولة…»
لا أريد اليوم، بعد أكثر من ستين عامًا، أن أحاكم ذلك الطفل، ولا ذلك الجيل، ولا أن أقول ببساطة إن بورقيبة كان على حق وإن الآخرين كانوا على خطأ.
التاريخ لا يُقرأ بهذه السهولة.
ولا نعرف إن كان قبول الفلسطينيين والعرب بطرحه سنة 1965 سيصنع فعلًا دولة فلسطينية قابلة للحياة، ولا إن كانت إسرائيل والقوى الكبرى ستسمح بتحويل قرار التقسيم إلى حقيقة سياسية جديدة.
لكنني أعرف أن سبعة عشر عامًا فقط كانت تفصل بين المشهدين.
بين أريحا وتونس مرّ عام 1967، وسقط ما بقي من فلسطين تحت الاحتلال.
وجاءت الكرامة.
وصعدت الثورة.
ثم أيلول في الأردن.
ثم لبنان.
ثم الحرب والاجتياحات والحصار.
ثم البحر.
وبقي سؤال عالق بين وجهَي بورقيبة اللذين رأيتهما:
من كان يملك الحق في أن يقرر للفلسطيني أي فلسطين ممكنة، وأي طريق ينبغي أن يسلك للوصول إليها؟
---
لم يكن خروج منظمة التحرير من بيروت مجرد انتقال عسكري من مكان إلى آخر.
كان نهاية مرحلة.
لسنوات امتلكت الثورة الفلسطينية شيئًا نادرًا في تاريخ شعب بلا دولة: قيادة، وقوات، ومؤسسات، ومساحة تتحرك عليها، وحدودًا تستطيع الاقتراب منها، وعلاقات عربية ودولية جعلتها رقمًا لا يمكن تجاوزه.
وفي بيروت فقدت عنصرًا أساسيًا من هذه المعادلة:
الجغرافيا.
توزع المقاتلون، وابتعدت البنادق، وانتقلت القيادة السياسية إلى تونس، وصارت بغداد والجزائر وصنعاء وغيرها محطات في جغرافيا فلسطينية جديدة موزعة على العواصم.
لكن المجتمع الفلسطيني لم يصعد كله إلى السفن.
بقي الناس في المخيمات.
وبعد أسابيع قليلة فقط جاءت صبرا وشاتيلا.
كانت القوات الفلسطينية قد غادرت بيروت ضمن ترتيبات وضمانات، لكن الأطفال والنساء والشيوخ الذين بقوا اكتشفوا أن الورق لا يحرس أبواب المخيمات.
خرج المقاتل.
وبقي المدني.
ثم جاءت المجزرة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من الانتصار والهزيمة:
ما قيمة القوة السياسية والعسكرية إذا انفصل مصيرها عن أمن المجتمع الذي تستمد شرعيتها منه؟
وفي الوقت نفسه تقريبًا كانت قمة فاس العربية تفتح سياسيًا بابًا آخر. اللغة العربية الرسمية نفسها أخذت تتحرك من خطاب التحرير الكامل إلى مشروع سياسي يقوم على الانسحاب من الأراضي المحتلة سنة 1967 وإقامة دولة فلسطينية.
كان العالم الذي خرجنا إليه من بيروت مختلفًا عن العالم الذي دخلنا منه الثورة.
البندقية تبتعد.
والسياسة تبحث عن الممكن.
لكن منظمة التحرير لم تحصل على فرصة هادئة لفهم موقعها الجديد.
في العام التالي انفجرت الأزمة داخل فتح.
انشقاق، وصراع على القرار، وتدخلات عربية، وسوريا التي كانت واحدة من ساحات الثورة أصبحت ساحة صراع على استقلال القرار الفلسطيني نفسه.
عاد أبو عمار إلى طرابلس عبر قبرص.
وجاء الحصار من جديد.
كأن السفينة التي أخرجته من بيروت لم تكن كافية.
وفي نهاية 1983 كان هناك خروج آخر من طرابلس.
خروج من بيروت.
ثم خروج من طرابلس.
ولم تعد المسألة مجرد مواجهة بين الفلسطيني والاحتلال.
صار على الثورة أن تحمي قرارها من الانقسام داخلها، ومن محاولات التأثير عليه من خارجها، ومن تبدل التحالفات من حولها.
وهنا ظهرت واحدة من مفارقات تجربتنا:
لقد ناضل الفلسطيني طويلًا كي يمتلك قراره، لكنه اكتشف أن امتلاك القرار لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تنفيذه.
ثم جاءت حرب المخيمات.
حركة أمل، حليف الأمس في مراحل من التجربة اللبنانية، أصبحت طرفًا في حرب قاسية حول المخيمات الفلسطينية.
وعاد المجتمع مرة أخرى إلى قلب النار.
مخيمات محاصرة.
ناس يدفعون ثمن صراعات أكبر من قدرتهم على التحكم بها.
وتحالفات تتبدل أسرع من قدرة العائلات على فهم من أصبح خصمًا ومن بقي حليفًا.
وحتى القوات الفلسطينية التي توزعت بعيدًا لم تكن بمنأى عن ارتدادات الإقليم. اليمن دخل صراعاته، وتأثرت القوات الفلسطينية الموجودة هناك بما يجري حولها.
كانت الجغرافيا التي لجأنا إليها تتحرك تحت أقدامنا.
وهنا بدأت تتكشف مشكلة لم تكن البندقية وحدها قادرة على حلها:
كيف يحافظ شعب بلا دولة على استقلال قراره، بينما قيادته وقواته ومؤسساته وأمواله موزعة داخل دول لكل واحدة منها سيادتها ومصالحها وحساباتها وحروبها؟
كان استقلال القرار الوطني الفلسطيني إنجازًا تاريخيًا وضرورة. لم يكن مقبولًا أن تبقى فلسطين ملفًا على مكاتب الأنظمة العربية.
لكن التجربة علمتنا شيئًا آخر:
استقلال القرار الفلسطيني عن الدول لا يمكن أن يعني استقلال القيادة الفلسطينية عن مجتمعها.
كما أن عدالة القضية لا تمنح كل وسيلة تُستخدم باسمها شرعية تلقائية.
المقاومة وسيلة.
والبندقية أداة.
أما الهدف فهو حرية الإنسان والأرض.
وحين تتحول الوسيلة إلى هدف، أو تصبح الأداة مصدرًا للشرعية بذاتها، يبدأ سؤال ظل طويلًا مؤجلًا:
من يراقب من يحمل البندقية باسم المجتمع؟ ومن يقرر الكلفة التي سيدفعها المجتمع؟
---
وفي الوقت الذي كانت فيه الثورة تعيد ترتيب نفسها في المنافي الجديدة، كانت البيئة العربية نفسها تتغير.
تبدلت الأولويات، وتغيرت التحالفات، وضاقت مصادر الدعم السياسي والمالي.
وكان على منظمة التحرير أن تحافظ على استقلال قرارها، بينما تحتاج إلى المال والسلاح والعلاقات والحدود والمطارات والإقامات.
وهنا ظهر تناقض جديد:
كيف يكون القرار مستقلًا إذا كانت أدوات بقائه في يد الآخرين؟
---
ثم، بينما كانت القيادة في تونس، والمقاتلون موزعين بين بلدان بعيدة، حدث شيء لم تبدأه غرفة عمليات في الخارج.
تحرك المجتمع في الداخل.
في كانون الأول 1987 اندلعت الانتفاضة الأولى.
لم تعبر كتائب منظمة التحرير البحر.
لم تهبط جيوش عربية على شواطئ فلسطين.
خرج الناس.
شاب يحمل حجرًا.
امرأة تنظم الحي.
تاجر يغلق متجره.
عامل يرفض الذهاب إلى عمله.
طلاب يخرجون من المدارس والجامعات.
لجان شعبية تنظم الحياة.
مقاطعة.
إضرابات.
تعليم شعبي.
منشورات تنتقل من يد إلى يد.
وفجأة عاد مركز الصورة إلى فلسطين.
ربما كانت هذه واحدة من أهم اللحظات في تاريخ العلاقة بين المجتمع الفلسطيني وقيادته.
لم يقل المجتمع إنه لا يريد منظمة التحرير. على العكس، رفعت الانتفاضة علمها وعززت مكانتها ممثلًا سياسيًا للشعب الفلسطيني.
لكن شيئًا أعمق حدث:
المجتمع لم ينتظر القيادة لكي يبدأ.
صنع فعله، ثم منح هذا الفعل معناه الوطني.
وهنا ظهرت صيغة أخرى للشرعية.
ليست شرعية البندقية وحدها.
ولا شرعية الاعتراف العربي.
ولا شرعية الاعتراف الدولي.
إنها شرعية الناس حين ينتقلون من موقع جمهور القضية إلى موقع صانعيها.
من تونس كانت القيادة تحاول إدارة اللحظة والاستفادة من قوتها السياسية.
ومن الداخل كان المجتمع يصنع كل يوم وقائع جديدة.
وللحظة، بدا أن المسافة بين المجتمع والقرار يمكن أن تضيق.
---
وفي الجزائر سنة 1988 أعلن المجلس الوطني الفلسطيني الاستقلال.
وعاد إلى النص الفلسطيني القرار 181؛ قرار التقسيم الذي كان مجرد الحديث عن قبوله سنة 1965 كافيًا لإشعال الغضب.
تذكرت بورقيبة.
لكنني لم أحتج إلى إعلان انتصاره بعد ثلاثة وعشرين عامًا.
كان السؤال أهم من الحكم:
ماذا تغير فينا وفي العالم حتى أصبح ما رفضناه بالأمس جزءًا من شرعيتنا السياسية اليوم؟
هل تغير الهدف؟
أم ميزان القوى؟
أم تعلمنا من التجربة؟
أم أن السياسة، مثل الحياة، تعيد تعريف الممكن كلما ارتفعت كلفة المستحيل؟
ثم جاءت حرب الخليج.
وهذه المرة لم أكن أرى النتائج من نشرات الأخبار وحدها.
كانت أمام عدستي.
في فيلمي «رمال السوافي» عدت إلى حكاية الفلسطيني في الكويت.
إلى زمن بعيد سبق النفط والثروة بالشكل الذي عرفناه لاحقًا، حين وصلت إلى الكويت في ثلاثينيات القرن الماضي بعثة من المعلمين الفلسطينيين، في بداية علاقة ستكبر معها جالية فلسطينية ساهم أبناؤها على مدى عقود في التعليم والصحة والاقتصاد وفي بناء مؤسسات المجتمع والدولة.
وأنا أصور، كان يحضر في ذاكرتي غسان كنفاني و«رجال في الشمس».
كيف وصل الفلسطيني إلى الكويت؟
لماذا ذهب؟
ماذا بنى هناك؟
ثم كيف خرج منها؟
لم تكن الجالية الفلسطينية في الكويت مجرد تجمع من العمال والموظفين.
كانت مجتمعًا فلسطينيًا كاملًا تشكل بعيدًا عن فلسطين، وظل مربوطًا بها.
معلمون وأطباء ومهندسون واقتصاديون وموظفون وعائلات ساهمت في بناء الكويت الحديثة، وفي الوقت نفسه لم تنقطع عن أهلها ووطنها. وكان ما يصل منها لدعم صمود شعبنا تحت الاحتلال يُقدّر بعشرات ملايين الدولارات سنويًا، وفي بعض التقديرات بنحو خمسة وسبعين مليون دولار.
ثم دارت الكاميرا في الاتجاه المعاكس.
الطريق الذي حمل الفلسطيني إلى الكويت بحثًا عن الحياة أعاده بعد حرب الخليج إلى عمّان.
صورتهم هناك.
في الشوارع.
مع الحقائب.
مع الأطفال.
ومع ما استطاعوا حمله من حياة امتدت عقودًا.
لم أطلب من السياسيين أن يرووا لي ما جرى.
سجلت شهادات الفلسطينيين أنفسهم.
ماذا حدث لهم؟
كيف فهموا ما جرى؟
وكيف وجد الإنسان الذي ساهم في بناء بلد عاش فيه سنوات طويلة نفسه فجأة يبحث من جديد عن مكان يبدأ منه؟
كان اسم الفيلم:
«رمال السوافي».
والسوافي هي الرمال التي تحملها الريح من مكان إلى آخر.
ولم أجد يومها صورة أقرب إلى الفلسطيني.
جيل خرج من فلسطين.
وجيل ذهب إلى الكويت وبنى حياة هناك.
ثم جاءت ريح أخرى فحملته إلى عمّان.
كأن اللاجئ الذي اعتقد أنه ابتعد عن لحظة 1948 وجد التاريخ يعيده، بصورة مختلفة، إلى السؤال الأول:
أين البيت؟
كنت أصورهم وهم ينتشرون في شوارع عمّان، ولم أكن أقرأ تلك الصور يومها بالسؤال الذي أكتب به هذا الكتاب الآن.
اليوم أراها بطريقة أخرى.
هؤلاء الناس لم يقرروا غزو الكويت.
ولم يقرروا الحرب.
ولم يصنع العامل والمدرس والطبيب والمهندس الفلسطيني المواقف السياسية التي اتخذتها القيادة الفلسطينية.
لكن عندما تحركت السياسة، وصلت نتائجها إلى بيوتهم ووظائفهم ومدارس أبنائهم وحساباتهم الصغيرة للحياة.
مرة أخرى:
هناك من يقرر.
وهناك مجتمع يدفع الثمن.
وهنا لا أريد، بعد كل هذه السنوات، أن أحاكم موقفًا سياسيًا بجملة، ولا أن أبرئه بجملة.
السؤال أعمق:
ما حدود حق القيادة في اتخاذ موقف باسم شعب موزع بين وطن ومخيم ومنفى، إذا كان المجتمع نفسه هو الذي سيتلقى نتائج ذلك الموقف في بيته وعمله ومستقبل أبنائه؟
خرجت منظمة التحرير من حرب الخليج أضعف سياسيًا وماليًا.
لكن المجتمع الفلسطيني خسر شيئًا آخر أيضًا.
خسر واحدة من أكبر وأقوى تجمعاته في الشتات، وخسر الداخل سندًا اجتماعيًا واقتصاديًا ساهم سنوات طويلة في تعزيز قدرته على الصمود.
وفي سماء المنطقة كانت صواريخ صدام حسين تتجه نحو دولة الاحتلال، وكان الشارع الفلسطيني يرى فيها مشهدًا آخر من مشاهد المواجهة، بينما كان الفلسطيني نفسه يدفع، في مكان آخر، ثمن حرب لم يكن صاحب قرارها.
من يقرر، ومن يدفع؟
السؤال نفسه يعود، لكن بملابس جديدة.
ثم جاء مدريد سنة 1991.
جلست شخصيات فلسطينية من الداخل إلى طاولة المفاوضات ضمن وفد أردني ـ فلسطيني مشترك، بينما بقي اسم منظمة التحرير رسميًا خارج القاعة.
كان في المشهد شيء من سخرية التاريخ.
المنظمة التي خاضت معارك طويلة لكي تصبح الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني لم تجلس باسمها على الكرسي.
والداخل الذي صنع الانتفاضة أصبح حاضرًا أمام العالم.
لكن القيادة التي لم تكن ظاهرة في القاعة بقيت حاضرة خلف المشهد.
وهنا دخلت العلاقة بين المجتمع والقيادة امتحانًا جديدًا.
من يملك التفويض؟
من يفاوض؟
من يقرر حدود الممكن؟
ومن يحول تضحيات المجتمع إلى اتفاق سياسي؟
بدأت الثورة قبل عقود بسؤال:
كيف يستعيد الفلسطيني قراره من الآخرين؟
وبعد بيروت أصبح السؤال:
كيف يحافظ على استقلال هذا القرار؟
وفي الانتفاضة ظهر سؤال آخر:
ماذا يحدث عندما يستعيد المجتمع نفسه المبادرة؟
أما مدريد ففتح بابًا مختلفًا.
فالطريق لم يعد يتجه نحو معسكر جديد.
ولا نحو قاعدة عسكرية أخرى.
كان يتجه نحو طاولة.
ومن خلف مدريد كان هناك طريق آخر يُفتح بعيدًا عن أعين المجتمع.
طريق سيحمل اسم مدينة أوروبية باردة:
أوسلو.
وهناك لن يكون السؤال فقط ماذا أخذ الفلسطيني وماذا أعطى، ولا هل كانت التسوية ممكنة أو مستحيلة.
سنعود إلى السؤال الذي يرافقنا منذ بداية هذه الرحلة:
من يصنع الشرعية؟
فإذا كان المجتمع الفلسطيني هو الذي صنع الانتفاضة، ودفع ثمنها، وراكم قوتها السياسية والأخلاقية، فمن أعطى القيادة حق تحويل هذه الشرعية إلى اتفاق سيعيد تعريف الأرض والسلطة والمقاومة والدولة ومستقبل المجتمع نفسه؟
وهل كانت أوسلو ترجمة لشرعية صنعها المجتمع… أم اللحظة التي بدأت فيها الشرعية تنتقل، مرة أخرى، من المجتمع إلى القيادة؟
يُتبع...
يحيى بركات
4/9/2026