د. حسين عبدالبصير - إراتوستينس الرجل الذي قاس الأرض من الإسكندرية

في تاريخ الحضارة الإنسانية لحظات صغيرة تبدو عابرة لكنها تحمل في داخلها قدرة هائلة على تغيير طريقة الإنسان في النظر إلى العالم. ومن بين هذه اللحظات رجل وقف تحت شمس الإسكندرية يراقب ظل عصا ثم حول ذلك الظل البسيط إلى مفتاح لفهم حجم كوكب الأرض. كان هذا الرجل إراتوستينس أحد أعظم علماء العالم القديم وأحد أكثر الشخصيات التي تكشف لنا لماذا كانت الإسكندرية في العصر البطلمي واحدة من أهم العواصم الفكرية في تاريخ الإنسانية.

ولد إراتوستينس في قورينا في شمال أفريقيا في القرن الثالث قبل الميلاد لكنه ارتبط اسمه بالإسكندرية المدينة التي احتضنت مشروعًا معرفيًا غير مسبوق في العالم القديم. وفي مكتبة الإسكندرية التي أصبحت مركزًا لجمع المعرفة من أنحاء العالم تولى إراتوستينس منصب أمين المكتبة ليصبح مسؤولًا عن واحدة من أعظم خزائن المعرفة في التاريخ القديم.

لكن أهمية إراتوستينس لا تكمن في منصبه وحده فقد كان عالمًا موسوعيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة. اهتم بالرياضيات والفلك والجغرافيا والتاريخ والأدب والفلسفة وكان نموذجًا للإنسان الذي لم ير المعرفة جزرًا منفصلة وإنما رأى بينها شبكة واحدة يستطيع العقل من خلالها أن يفهم العالم.

وكان هذا التفكير الموسوعي هو الذي قاده إلى واحدة من أشهر تجارب العلم القديم وهي حساب محيط الأرض.

تروي المصادر القديمة أن إراتوستينس عرف أن الشمس في وقت الظهيرة في يوم الانقلاب الصيفي كانت في مدينة سيين التي ترتبط عادة بأسوان تكاد تكون عمودية فوق الأرض بحيث لا يظهر ظل داخل بئر عميق. أما في الإسكندرية وفي الوقت نفسه تقريبًا فقد كانت الشمس تصنع ظلًا لعصا قائمة.

بالنسبة إلى إنسان عادي كان اختلاف الظلين مجرد ظاهرة طبيعية أما إراتوستينس فقد رأى فيها سؤالًا.

إذا كانت أشعة الشمس تصل إلى الأرض من مسافة بعيدة بحيث يمكن اعتبارها متوازية تقريبًا فلماذا تختلف زاوية سقوطها بين المدينتين.

كانت الإجابة تكمن في شكل الأرض.

لقد فهم إراتوستينس أن اختلاف زاوية الظل بين الإسكندرية وسيين يمكن أن يكشف جزءًا من انحناء سطح الأرض ومن خلال معرفة المسافة بين المدينتين يمكن تقدير محيط الكوكب كله.

وهنا تكمن عبقرية التجربة.

لم يكن أمام إراتوستينس كوكب الأرض ولم يكن يستطيع رؤيته من الفضاء ولم يكن يمتلك الأقمار الصناعية أو أجهزة تحديد المواقع أو الخرائط الرقمية. كان لديه عصا وشمس وظل ومسافة ومعرفة رياضية. ومن هذه العناصر البسيطة صنع تجربة غيرت تاريخ الجغرافيا والفلك.

وتختلف الدراسات الحديثة حول مقدار دقة قياسه بسبب اختلاف تفسير الوحدات والمسافة التي استخدمها لكن اللافت أن تقديره لمحيط الأرض كان قريبًا بصورة مدهشة من القيمة التي نعرفها اليوم. والأهم من الرقم نفسه أن إراتوستينس أثبت شيئًا أكثر أهمية وهو أن الإنسان يستطيع أن يعرف حجم العالم من خلال ملاحظة صغيرة على سطحه.

وهنا تتحول قصة إراتوستينس من تاريخ العلم إلى فلسفة المعرفة.

فالعلم لا يبدأ دائمًا من الأجهزة المعقدة. أحيانًا يبدأ من ملاحظة عابرة لا يلتفت إليها أحد. العصا لم تكن معجزة والظل لم يكن جديدًا والشمس كانت تشرق كل يوم لكن العقل الذي وقف أمام هذه الأشياء وطرح السؤال هو الذي صنع الفرق.

وهذه واحدة من أعظم أفكار الحضارة وهي أن الأشياء العادية قد تخفي وراءها أسئلة استثنائية.

لم يتوقف إراتوستينس عند قياس الأرض فقد كان من أوائل الجغرافيين الذين حاولوا وضع إطار علمي لرسم العالم واستخدم شبكة من خطوط تحديد المواقع التي مهدت لفكرة خطوط الطول ودوائر العرض في الخرائط اللاحقة.

وهذا يجعل إراتوستينس شخصية شديدة المعاصرة.

فنحن اليوم نعيش في عالم تحدد فيه الأقمار الصناعية موقعنا بدقة وتستطيع فيه هواتفنا أن تخبرنا بمكاننا في لحظات ومع ذلك فإن السؤال الأساسي الذي واجهه إراتوستينس ما زال حاضرًا.

أين نحن.

هو سؤال جغرافي في ظاهره لكنه سؤال فلسفي في جوهره.

أين يوجد الإنسان داخل هذا العالم.

وأين يوجد العالم داخل وعي الإنسان.

كانت الإسكندرية بالنسبة إلى إراتوستينس أكثر من مدينة. كانت مختبرًا فكريًا هائلًا. فيها التقت مصر بالعالم اليوناني والتقت تقاليد الشرق بالمعارف القادمة من المتوسط واجتمعت النصوص والأساطير والعلوم والجغرافيا والفلسفة في مكان واحد.

وهذا هو سر الإسكندرية الحقيقي.

لم تكن عظمتها في أنها جمعت الكتب فقط بل في أنها جعلت الكتب تتجاور وجعلت الأفكار تتقاطع.

وفي هذا المناخ ظهر إراتوستينس.

لقد كان ابنًا لعصر بدأت فيه المعرفة تتخلص تدريجيًا من حدود المدينة الواحدة والثقافة الواحدة. أصبح البحر المتوسط مجالًا للحركة والتبادل وأصبحت الإسكندرية نقطة التقاء للعالم القديم.

ومن هنا نفهم لماذا كان مشروع إراتوستينس الجغرافي مهمًا إلى هذا الحد.

فهو لم يكن يرسم مصر فقط ولا اليونان فقط بل كان يحاول أن يتخيل العالم باعتباره وحدة جغرافية واحدة.

لقد كان يرسم العالم في زمن لم يكن الإنسان يستطيع فيه أن يراه كاملًا.

وهذه واحدة من أعظم مفارقات التاريخ.

قبل آلاف السنين من صورة الأرض الشهيرة من الفضاء كان إراتوستينس يحاول أن يرى الكوكب بعين العقل.

كان يريد أن يتجاوز حدود الأفق.

والأفق في تاريخ الإنسان ليس مجرد خط بصري بل هو رمز لحدود المعرفة.

كلما تقدم الإنسان ابتعد الأفق.

وكلما عرف شيئًا اكتشف أن وراءه أشياء أخرى لا يعرفها.

ولهذا لم تكن قيمة إراتوستينس في أنه امتلك الإجابات النهائية وإنما في أنه كان يعرف كيف يحول المجهول إلى سؤال قابل للبحث.

وهذه هي الروح التي صنعت الحضارة العلمية.

لقد كان إراتوستينس أيضًا نموذجًا للباحث الذي لا يعترف بالفصل الصارم بين العلوم والآداب فقد اهتم بالشعر والنقد والأدب إلى جانب الرياضيات والفلك والجغرافيا.

وفي عالمنا الحديث الذي أصبح شديد التخصص تبدو شخصيته تذكيرًا مهمًا بأن المعرفة الإنسانية كانت في أصلها مشروعًا واحدًا.

فالإنسان الذي يريد فهم الأرض يحتاج إلى الرياضيات لكنه يحتاج أيضًا إلى الخيال ويحتاج إلى التاريخ لكنه يحتاج كذلك إلى القدرة على الشك ويحتاج إلى الخرائط لكنه يحتاج إلى فهم البشر الذين يعيشون فوقها.

وهنا ربما تكمن القيمة الأعمق لإراتوستينس بالنسبة إلينا اليوم.

لقد علّمنا أن العالم لا يصبح أصغر لأننا نسيطر عليه بل يصبح أوضح عندما نفهمه.

والحضارة ليست في أن نعرف أين تقع الأشياء فقط وإنما في أن نفهم العلاقات التي تربط بينها.

لقد استطاع إراتوستينس أن يحول الظل إلى قياس والقياس إلى معرفة والمعرفة إلى صورة أوسع للعالم.

وهذه السلسلة هي جوهر الحضارة نفسها.

ملاحظة ثم سؤال ثم تجربة ثم معرفة ثم سؤال جديد.

ربما لهذا السبب ما زالت شخصية إراتوستينس حاضرة بعد أكثر من ألفي عام.

ففي عصر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والخرائط الرقمية لا يزال الإنسان يبحث عن إجابة للسؤال الذي بدأ من عصا بسيطة في الإسكندرية.

أين نحن.

لقد عرفنا محيط الأرض وعرفنا القارات ووصلنا إلى الفضاء وصورنا الأرض من خارجها لكن السؤال الأعمق لم يتغير.

ماذا سنفعل بهذه المعرفة.

هل ستجعلنا أكثر تواضعًا أمام اتساع الكون.

هل ستجعلنا أكثر قدرة على فهم اختلاف البشر.

هل ستجعلنا ندرك أن الحدود التي نرسمها على الخرائط ليست بالضرورة حدودًا للعقل.

كان إراتوستينس يقيس الأرض لكنه كان يفعل شيئًا أكبر من ذلك بكثير.

كان يوسع حدود الإنسان.

ومن الإسكندرية المدينة التي حلمت بأن تجمع معرفة العالم خرج سؤال صغير من ظل عصا وتحول إلى واحدة من أعظم لحظات العقل البشري.

لم يحتج إراتوستينس إلى أن يرى الأرض من الفضاء كي يعرف أنها كوكب.

لقد رأى ما هو أبعد من عينيه.

رآها بعقله.

وهنا تكمن عظمة العلم.

فالعالم لا يبدأ في اللحظة التي نراه فيها.

العالم يبدأ في اللحظة التي نسأل فيها عنه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...