بلغة عربية محكمة فصيحة ساخرة السرد والحوار يعرض المبدع "سعيد أبو ضيف" قضية سياسية إجتماعية إقتصادية برمزية فريدة الوجع والإبداع ..
يبدأ من القرية حيث بساطة ، وسذاجة قوم يتم استغلالهم من خلال بعض المفاهيم الدينية للسيطرة على مجتمع فقد عقله ، فالرؤى تأتي من الصالحين بشارة خير ، تحت وطأة الغيبوبة أخبر الجمع برؤية تشير إلى أن حمار حضرة العمدة هو الحمار الأوحد ، صاحب وصانع القرار و عليهم جميعا الموافقة.
سيكون هو رئيس جمهورية الحمير ، والمسؤول عن حفظ نسل السلالة في القرية ، فالقرية وطن والحمير شعب ..
="فاتخذ قراراً له صفة القانون : يفرض على جميع الحمير الذكور ، عدم ارتياد مناطق الأُتُن الشابّة ، وعدم النزو عليهن في الزرائب والحقول والأفنية والأجران ."
الحمار الرئيس يسن القوانين ، هو الأوحد مصدر الأوامر والسلطة ، فيعقد اجتماعا عاما فجا و صريحا تحدث إليهم خطيبا كـــ ولي بينما يمارس وسائل القمع وانتهاك الكرامة .
="يا شعب إنّي أُريتَ رؤيا في أحلامي ، رأيت في المنامِ كأنّي أنكحكم جميعاً ، فانظروا ماذا ترون ، وإني لفاعلٌ بكم ما قد سمعتم ، ولن أتخلّف عن هذا الأمر ."
★ انقسم وتفككك جموع الشعب على ساحة الوطن ، على ضفة الأتن بين الصمت والرقص فرحا انتظارا من أجل مصالح و وعود قد تتحقق ، كان الرقص رسالة للذكور بالموافقة على القرار، على الضفة الأخرى انتحى الذكور منكسوا الرؤوس ، يتشاورون فيما سيحل بهم من الحمار الأكبر "الأب البيولوجي" لحمير المستقبل.
لم يكن شيخ الخفراء ملازما لـ رئيس جمهورية الحمير فقط ، بل كان بمثابة رئيس الوزراء الذي يجيد التأويل و يفهم لغة الحمير هو وسيلة تنفيذ القرارات و فرض القوانين ، فهو القوى الناعمة الوسيطة بين الحاكم والمحكوم ، دكة النورج القديم ولا نوارج غيره هي مقعد شيخ الخفراء رئيس وزراء الحمير ، هو لا يناقش و لا يعارض حضرة العمدة ،فقط حلقة وصل لإدارة سياسة الغلاء والحصار و الاحتكار الاقتصادي.
="احتكر العمدة حصاد ودراس وطحن كل قمح البلدة والبلاد المجاورة ، ليكون فقط بماكينة الدراس الجديدة ، وفي المطاحن ألتي يملكها العمدة وحده بغير شريك ، بل إنه جعل من المحظور على كل الفلاحين ، القيام بالحصاد والدراس والتذرية والنقاوة والغربلة والتعبئة في الزكائب ، إلّا بآلات حضرة العمدة فقط وحصريّاً ! ."
★تحكم العمدة في آلية الزراعة و مدخلاتها و رفع أسعار المنتجات الرئيسية : الشعير و العلف و البرسيم والملح الرشيدي ، واللبن و الجبن و الزبد ..
صعب العيش و جف الضرع ، في سياسة القهر الاجتماعي والاقتصادي و التدجين ، مع الضعف العارم ، لم يكن هناك غير الإذعان أمام كل قرار مجحف و يرددون "عليه العوض"..
=و"كل من تذكر العمدة كان يظنه السبب في جفاف اللبن ، فيقول : عليه العوض .
="صار الفلاحون يلمزون العمدة كلما مرّ بهم بقولهم :
" علي عوض" .
وصارت عبارة "علي عوض"رمزا للعمدة ، في كل البلاد ، منذ أن رفع سعر البرسيم ، وصار حمار حضرة العمدة هو أشهر حمار في البلد ."
تفاقم حجم السلبية و فقد الإرادة ..
="فاذهب من فورك إلى حمار حضرة العمدة ، وامتثل لأمره .
قل لفخامته : إن كان قرارك يصبّ في مصلحة الشعب ، فافعل ما تؤمر ، وستجدنا إن شاء الله من الصابرين."
لم يكن الصبر عن رضا بل استسلام ، مازال الصب في المصلحة المزعومة مستمرا ، مازال الخنوع وسياط" العربجي علي عوض" تلهب جسد الحمير ..
*************
-
نص القصة
حكاية حمار حضرة العمدة .
ــ
يُحكَي أنَّ حمار حضرة العمدة ترائى له في المنام أنه الحمار الأوحد ، ألذي يركبه العمدة فقط ، فقرّر أن يتخذ قراراً ، كان يرجو من الحمير جميعاً أن يوافقوا عليه !
ألا وهو : أن يكون رئيساً على جمهورية كل شعبها من الحمير !
وبدأ يُعدُّ نفسه أيضاً ليكون الحمار الوحيد في القرية ، المسئول عن حفظ نسل الحمير الممتازة في القرية !
فاتخذ قراراً له صفة القانون : يفرض على جميع الحمير الذكور ، عدم ارتياد مناطق الأُتُن الشابّة ، وعدم النزو عليهن في الزرائب والحقول والأفنية والأجران .!
ولكي يفرض سيطرته وإرادته على جميع الحمير في القرية ، قام بالدعوة إلى اجتماع عام للحمير ، ثم وقف فيهم خطيباً فقال :
يا شعب إنّي أُريتَ رؤيا في أحلامي ، رأيت في المنامِ كأنّي أنكحكم جميعاً ، فانظروا ماذا ترون ، وإني لفاعلٌ بكم ما قد سمعتم ، ولن أتخلّف عن هذا الأمر .
إنقسم شعب الحمير إلى شعبين .
فالأتُن قررن الصمت عن الجواب .
لكن البعض منهن رقصن فرحاً وابتهاجاً بهذا القرار !
بهزّ الإليةِ والفخذين .
ورفع الذيل وغضّ الطرف .
من باب الأدب والحياء .
فحمار حضرة العمدة ، سوف يكون رئيساً على كلّ الحمير .
ومن المؤكد أنه سوف يكون الأب البيولوجي لجميع الحمير المولودين في المستقبل !
وسوف يكونون أمراء حمير الجمهورية .
والأهم من ذلك هو أنهم سوف يكونون نخبة الحمير في الوطن .
ــ
إهتمَّ بقيّة الحمير الذكور بهذا الأمر الخطير ، وانتحوا جانباً لكي يتشاوروا فيما سوف يحل بهم إذا ما نكحهم حمار حضرة العمدة ، واحداُ بعد الآخر .
كيف سيرفعون رءوسهم في البلد ؟ . بعدما ينكحهم حمار حضرة العمدة ؟ .
قرّر أكبرهم سنّاً أن يستشير مالكه ، شيخ الخفراء الخصوصيّين ، والذي كان يرافق العمدة في جميع أحواله الإدارية والاجتماعية ، بل والذي كان يعرف أيضاً لغة الحمير ،
ويتفاهم معهم وكأنّه واحدُ منهم .
ـــ
وقف حمار شيخ الخفراء عند الناصية ، أول شارع داير الناحية ، عند الحنفيّة العموميّة .
وتقدَّم نحو دكّة النورج القديم ، مقعد شيخ الخفراء المفضّل في القرية ، بعد أن خلت تماماَ من النوارج ، منذ أن احتكر العمدة حصاد ودراس وطحن كل قمح البلدة والبلاد المجاورة ، ليكون فقط بماكينة الدراس الجديدة ، وفي المطاحن ألتي يملكها العمدة وحده بغير شريك ، بل إنه جعل من المحظور على كل الفلاحين ، القيام بالحصاد والدراس والتذرية والنقاوة والغربلة والتعبئة في الزكائب ، إلّا بآلات حضرة العمدة فقط وحصريّاً ! .
ليعرف العمدة مصير أي حبّة قمح في بيوت الفلّاحين ، أو في المطحن ، أو في مخازن التجار ! .
ـــ
حمار شيخ الخفراء ، رفع أذُنيه عالياً على شكل الرقم سبعة ، ثم خفضهما قبل أن يقول لشيخ الخفراء ، ما استمع إليه ووعاه من كلام حمار حضرة العمدة ، على استحياء ، وفي صوتٍ خفيضٍ جداً ، قال أن حمار حضرة العمدة ، قد رأى في المنام أنه ينكح كل حمير البلد !.
قام شيخ الخفراء من جلسته على دكة النورج ، ووقف في مواجهة حماره ، ثم قال : إقترب منّي يا حماري العزيز .
ثمّ سأله : هل تعرف تأويل الرؤيا التي رآها حمار حضرة العمدة ؟ .
قال حمار شيخ الخفراء : لست أدري .
قال الشيخ : إذن فاعلم أن عمدة قريتنا ، كان أول من اتخذ قراراً ، أدهش الخلق جميعاً في البلاد كلها ، فقد اتخذ يوماً قراره ، بأن يرفع سعر البرسيم .
رفع حمار الشيخ رأسه ، وبدت في عينيه دهشة الانتباه وقال : البرسيم الذي لا نستغني عنه يا شيخ ؟ .
قال الشيخ : نعم هو البرسيم الذي لا تستغني عنه أبداً ، يا حمار .
والكلُّ سواء في الحاجة ، تيساً أو ثوراً أو أرنب ، فالكلُّ سواء .
الكلُّ بحاجة للبرسيم .
هزَّ الحمار رأسه يميناً وشمالاً ، ثم طأطأها للأسفل ، وكأنه فهم ، ثم حوّل اتجاه إذنيه في مواجهة سيِّده منتبهاً ، لكلام الشيخ وهو يقول : أنت تعلم أن رفع سعر البرسيم كان السبب في رفع أسعار اللبن .
قال الحمار : أللبن ؟ .
وما شأني أنا والحمير أمثالي باللبن ؟ .
سأل الحمار .
قال الشيخ : هل نسيت أيام أن كنت جحشاً صغيراً ، ثم أشبهت في جمالك الحصان الصغير الذي يركبه العيال ، ثم حماراً يأكل البرسيم فيما بعد ؟ .
أتسع أنف الحمار وتنهّد بعمق ثم قال وهو يستعيد ذكرى إيام الصِّبا : يا ليتني ظللت ذلك الحصان الصغير ، فقد كانت أسعد أيام حياتي .
ثم تدارك نفسه قائلا ! .
: لكن لماذا سؤالك يا شيخ الخفراء ؟
هل تقصد اللبن الذي كنت أرضعه من بين فخذي أمي آنئذٍ ؟ .
قال شيخ الخفراء : نِعم الحمارُ أنت إذن ، فقد فطنت لما كنت سوف أقُصُّه عليك منذ أن ولدتك أمُك ، كنت جحشاً حين وُلدت ترضع اللبن لمدة أربعين يوماً ، وحينما كبرت قليلاً،
صار العيال الصغار يركبونك ويضربونك ، قبلما يشتدُّ عودك بعد ، ويجعلون فوق ظهرك سرجاً خفيفاً لكي يركبك العيال الصغار ، أيامها كان الكلّاف يعلفك برسيماً أخضر ، واليوم ترى على مسطبة مخزن الجمعية ، أجولة الشعير والفول والعلف الجديد ، كلها ارتفعت أسعارها بعد رفع سعر البرسيم .
حتى الملح الرشيدي الخشن ، قللنا إضافته للعلف في الطوالي والمذاود ، لأن سعره زاد بعد رفع سعر البرسيم .
ومنذ رفع سعر البرسيم ، جفت الضروع ، فارتفع سعر اللبن ، والجُبن والزُبد تبعاُ لذلك ، فقال الناس : عليه العوض .
وكل من تذكر العمدة كان يظنه السبب في جفاف اللبن ، فيقول : عليه العوض .
وصار الفلاحون يلمزون العمدة كلما مرّ بهم بقولهم : علي عوض .
وصارت عبارة " علي عوض " رمزا
للعمدة ، في كل البلاد ، منذ أن رفع سعر البرسيم .
وصار حمار حضرة العمدة هو أشهر حمار في البلد .
فاذهب من فورك إلى حمار حضرة العمدة ، وامتثل لأمره .
قل لفخامته : إن كان قرارك يصبّ في مصلحة الشعب ، فافعل ما تؤمر .
وستجدنا إن شاء الله من الصابرين :( .
• ـــ
• سعيد ابو ضيف .
• 30 يونية 1987
يبدأ من القرية حيث بساطة ، وسذاجة قوم يتم استغلالهم من خلال بعض المفاهيم الدينية للسيطرة على مجتمع فقد عقله ، فالرؤى تأتي من الصالحين بشارة خير ، تحت وطأة الغيبوبة أخبر الجمع برؤية تشير إلى أن حمار حضرة العمدة هو الحمار الأوحد ، صاحب وصانع القرار و عليهم جميعا الموافقة.
سيكون هو رئيس جمهورية الحمير ، والمسؤول عن حفظ نسل السلالة في القرية ، فالقرية وطن والحمير شعب ..
="فاتخذ قراراً له صفة القانون : يفرض على جميع الحمير الذكور ، عدم ارتياد مناطق الأُتُن الشابّة ، وعدم النزو عليهن في الزرائب والحقول والأفنية والأجران ."
الحمار الرئيس يسن القوانين ، هو الأوحد مصدر الأوامر والسلطة ، فيعقد اجتماعا عاما فجا و صريحا تحدث إليهم خطيبا كـــ ولي بينما يمارس وسائل القمع وانتهاك الكرامة .
="يا شعب إنّي أُريتَ رؤيا في أحلامي ، رأيت في المنامِ كأنّي أنكحكم جميعاً ، فانظروا ماذا ترون ، وإني لفاعلٌ بكم ما قد سمعتم ، ولن أتخلّف عن هذا الأمر ."
★ انقسم وتفككك جموع الشعب على ساحة الوطن ، على ضفة الأتن بين الصمت والرقص فرحا انتظارا من أجل مصالح و وعود قد تتحقق ، كان الرقص رسالة للذكور بالموافقة على القرار، على الضفة الأخرى انتحى الذكور منكسوا الرؤوس ، يتشاورون فيما سيحل بهم من الحمار الأكبر "الأب البيولوجي" لحمير المستقبل.
لم يكن شيخ الخفراء ملازما لـ رئيس جمهورية الحمير فقط ، بل كان بمثابة رئيس الوزراء الذي يجيد التأويل و يفهم لغة الحمير هو وسيلة تنفيذ القرارات و فرض القوانين ، فهو القوى الناعمة الوسيطة بين الحاكم والمحكوم ، دكة النورج القديم ولا نوارج غيره هي مقعد شيخ الخفراء رئيس وزراء الحمير ، هو لا يناقش و لا يعارض حضرة العمدة ،فقط حلقة وصل لإدارة سياسة الغلاء والحصار و الاحتكار الاقتصادي.
="احتكر العمدة حصاد ودراس وطحن كل قمح البلدة والبلاد المجاورة ، ليكون فقط بماكينة الدراس الجديدة ، وفي المطاحن ألتي يملكها العمدة وحده بغير شريك ، بل إنه جعل من المحظور على كل الفلاحين ، القيام بالحصاد والدراس والتذرية والنقاوة والغربلة والتعبئة في الزكائب ، إلّا بآلات حضرة العمدة فقط وحصريّاً ! ."
★تحكم العمدة في آلية الزراعة و مدخلاتها و رفع أسعار المنتجات الرئيسية : الشعير و العلف و البرسيم والملح الرشيدي ، واللبن و الجبن و الزبد ..
صعب العيش و جف الضرع ، في سياسة القهر الاجتماعي والاقتصادي و التدجين ، مع الضعف العارم ، لم يكن هناك غير الإذعان أمام كل قرار مجحف و يرددون "عليه العوض"..
=و"كل من تذكر العمدة كان يظنه السبب في جفاف اللبن ، فيقول : عليه العوض .
="صار الفلاحون يلمزون العمدة كلما مرّ بهم بقولهم :
" علي عوض" .
وصارت عبارة "علي عوض"رمزا للعمدة ، في كل البلاد ، منذ أن رفع سعر البرسيم ، وصار حمار حضرة العمدة هو أشهر حمار في البلد ."
تفاقم حجم السلبية و فقد الإرادة ..
="فاذهب من فورك إلى حمار حضرة العمدة ، وامتثل لأمره .
قل لفخامته : إن كان قرارك يصبّ في مصلحة الشعب ، فافعل ما تؤمر ، وستجدنا إن شاء الله من الصابرين."
لم يكن الصبر عن رضا بل استسلام ، مازال الصب في المصلحة المزعومة مستمرا ، مازال الخنوع وسياط" العربجي علي عوض" تلهب جسد الحمير ..
*************
-
نص القصة
حكاية حمار حضرة العمدة .
ــ
يُحكَي أنَّ حمار حضرة العمدة ترائى له في المنام أنه الحمار الأوحد ، ألذي يركبه العمدة فقط ، فقرّر أن يتخذ قراراً ، كان يرجو من الحمير جميعاً أن يوافقوا عليه !
ألا وهو : أن يكون رئيساً على جمهورية كل شعبها من الحمير !
وبدأ يُعدُّ نفسه أيضاً ليكون الحمار الوحيد في القرية ، المسئول عن حفظ نسل الحمير الممتازة في القرية !
فاتخذ قراراً له صفة القانون : يفرض على جميع الحمير الذكور ، عدم ارتياد مناطق الأُتُن الشابّة ، وعدم النزو عليهن في الزرائب والحقول والأفنية والأجران .!
ولكي يفرض سيطرته وإرادته على جميع الحمير في القرية ، قام بالدعوة إلى اجتماع عام للحمير ، ثم وقف فيهم خطيباً فقال :
يا شعب إنّي أُريتَ رؤيا في أحلامي ، رأيت في المنامِ كأنّي أنكحكم جميعاً ، فانظروا ماذا ترون ، وإني لفاعلٌ بكم ما قد سمعتم ، ولن أتخلّف عن هذا الأمر .
إنقسم شعب الحمير إلى شعبين .
فالأتُن قررن الصمت عن الجواب .
لكن البعض منهن رقصن فرحاً وابتهاجاً بهذا القرار !
بهزّ الإليةِ والفخذين .
ورفع الذيل وغضّ الطرف .
من باب الأدب والحياء .
فحمار حضرة العمدة ، سوف يكون رئيساً على كلّ الحمير .
ومن المؤكد أنه سوف يكون الأب البيولوجي لجميع الحمير المولودين في المستقبل !
وسوف يكونون أمراء حمير الجمهورية .
والأهم من ذلك هو أنهم سوف يكونون نخبة الحمير في الوطن .
ــ
إهتمَّ بقيّة الحمير الذكور بهذا الأمر الخطير ، وانتحوا جانباً لكي يتشاوروا فيما سوف يحل بهم إذا ما نكحهم حمار حضرة العمدة ، واحداُ بعد الآخر .
كيف سيرفعون رءوسهم في البلد ؟ . بعدما ينكحهم حمار حضرة العمدة ؟ .
قرّر أكبرهم سنّاً أن يستشير مالكه ، شيخ الخفراء الخصوصيّين ، والذي كان يرافق العمدة في جميع أحواله الإدارية والاجتماعية ، بل والذي كان يعرف أيضاً لغة الحمير ،
ويتفاهم معهم وكأنّه واحدُ منهم .
ـــ
وقف حمار شيخ الخفراء عند الناصية ، أول شارع داير الناحية ، عند الحنفيّة العموميّة .
وتقدَّم نحو دكّة النورج القديم ، مقعد شيخ الخفراء المفضّل في القرية ، بعد أن خلت تماماَ من النوارج ، منذ أن احتكر العمدة حصاد ودراس وطحن كل قمح البلدة والبلاد المجاورة ، ليكون فقط بماكينة الدراس الجديدة ، وفي المطاحن ألتي يملكها العمدة وحده بغير شريك ، بل إنه جعل من المحظور على كل الفلاحين ، القيام بالحصاد والدراس والتذرية والنقاوة والغربلة والتعبئة في الزكائب ، إلّا بآلات حضرة العمدة فقط وحصريّاً ! .
ليعرف العمدة مصير أي حبّة قمح في بيوت الفلّاحين ، أو في المطحن ، أو في مخازن التجار ! .
ـــ
حمار شيخ الخفراء ، رفع أذُنيه عالياً على شكل الرقم سبعة ، ثم خفضهما قبل أن يقول لشيخ الخفراء ، ما استمع إليه ووعاه من كلام حمار حضرة العمدة ، على استحياء ، وفي صوتٍ خفيضٍ جداً ، قال أن حمار حضرة العمدة ، قد رأى في المنام أنه ينكح كل حمير البلد !.
قام شيخ الخفراء من جلسته على دكة النورج ، ووقف في مواجهة حماره ، ثم قال : إقترب منّي يا حماري العزيز .
ثمّ سأله : هل تعرف تأويل الرؤيا التي رآها حمار حضرة العمدة ؟ .
قال حمار شيخ الخفراء : لست أدري .
قال الشيخ : إذن فاعلم أن عمدة قريتنا ، كان أول من اتخذ قراراً ، أدهش الخلق جميعاً في البلاد كلها ، فقد اتخذ يوماً قراره ، بأن يرفع سعر البرسيم .
رفع حمار الشيخ رأسه ، وبدت في عينيه دهشة الانتباه وقال : البرسيم الذي لا نستغني عنه يا شيخ ؟ .
قال الشيخ : نعم هو البرسيم الذي لا تستغني عنه أبداً ، يا حمار .
والكلُّ سواء في الحاجة ، تيساً أو ثوراً أو أرنب ، فالكلُّ سواء .
الكلُّ بحاجة للبرسيم .
هزَّ الحمار رأسه يميناً وشمالاً ، ثم طأطأها للأسفل ، وكأنه فهم ، ثم حوّل اتجاه إذنيه في مواجهة سيِّده منتبهاً ، لكلام الشيخ وهو يقول : أنت تعلم أن رفع سعر البرسيم كان السبب في رفع أسعار اللبن .
قال الحمار : أللبن ؟ .
وما شأني أنا والحمير أمثالي باللبن ؟ .
سأل الحمار .
قال الشيخ : هل نسيت أيام أن كنت جحشاً صغيراً ، ثم أشبهت في جمالك الحصان الصغير الذي يركبه العيال ، ثم حماراً يأكل البرسيم فيما بعد ؟ .
أتسع أنف الحمار وتنهّد بعمق ثم قال وهو يستعيد ذكرى إيام الصِّبا : يا ليتني ظللت ذلك الحصان الصغير ، فقد كانت أسعد أيام حياتي .
ثم تدارك نفسه قائلا ! .
: لكن لماذا سؤالك يا شيخ الخفراء ؟
هل تقصد اللبن الذي كنت أرضعه من بين فخذي أمي آنئذٍ ؟ .
قال شيخ الخفراء : نِعم الحمارُ أنت إذن ، فقد فطنت لما كنت سوف أقُصُّه عليك منذ أن ولدتك أمُك ، كنت جحشاً حين وُلدت ترضع اللبن لمدة أربعين يوماً ، وحينما كبرت قليلاً،
صار العيال الصغار يركبونك ويضربونك ، قبلما يشتدُّ عودك بعد ، ويجعلون فوق ظهرك سرجاً خفيفاً لكي يركبك العيال الصغار ، أيامها كان الكلّاف يعلفك برسيماً أخضر ، واليوم ترى على مسطبة مخزن الجمعية ، أجولة الشعير والفول والعلف الجديد ، كلها ارتفعت أسعارها بعد رفع سعر البرسيم .
حتى الملح الرشيدي الخشن ، قللنا إضافته للعلف في الطوالي والمذاود ، لأن سعره زاد بعد رفع سعر البرسيم .
ومنذ رفع سعر البرسيم ، جفت الضروع ، فارتفع سعر اللبن ، والجُبن والزُبد تبعاُ لذلك ، فقال الناس : عليه العوض .
وكل من تذكر العمدة كان يظنه السبب في جفاف اللبن ، فيقول : عليه العوض .
وصار الفلاحون يلمزون العمدة كلما مرّ بهم بقولهم : علي عوض .
وصارت عبارة " علي عوض " رمزا
للعمدة ، في كل البلاد ، منذ أن رفع سعر البرسيم .
وصار حمار حضرة العمدة هو أشهر حمار في البلد .
فاذهب من فورك إلى حمار حضرة العمدة ، وامتثل لأمره .
قل لفخامته : إن كان قرارك يصبّ في مصلحة الشعب ، فافعل ما تؤمر .
وستجدنا إن شاء الله من الصابرين :( .
• ـــ
• سعيد ابو ضيف .
• 30 يونية 1987