ليلى حسين - الصبر و سياسة الصب في المصلحة مع سعيد أبو ضيف... حكاية حمار حضرة العمدة

بلغة عربية محكمة فصيحة ساخرة السرد والحوار يعرض المبدع "سعيد أبو ضيف" قضية سياسية إجتماعية إقتصادية برمزية فريدة الوجع والإبداع ..
يبدأ من القرية حيث بساطة ، وسذاجة قوم يتم استغلالهم من خلال بعض المفاهيم الدينية للسيطرة على مجتمع فقد عقله ، فالرؤى تأتي من الصالحين بشارة خير ، تحت وطأة الغيبوبة أخبر الجمع برؤية تشير إلى أن حمار حضرة العمدة هو الحمار الأوحد ، صاحب وصانع القرار و عليهم جميعا الموافقة.
سيكون هو رئيس جمهورية الحمير ، والمسؤول عن حفظ نسل السلالة في القرية ، فالقرية وطن والحمير شعب ..
="فاتخذ قراراً له صفة القانون : يفرض على جميع الحمير الذكور ، عدم ارتياد مناطق الأُتُن الشابّة ، وعدم النزو عليهن في الزرائب والحقول والأفنية والأجران ."
الحمار الرئيس يسن القوانين ، هو الأوحد مصدر الأوامر والسلطة ، فيعقد اجتماعا عاما فجا و صريحا تحدث إليهم خطيبا كـــ ولي بينما يمارس وسائل القمع وانتهاك الكرامة .
="يا شعب إنّي أُريتَ رؤيا في أحلامي ، رأيت في المنامِ كأنّي أنكحكم جميعاً ، فانظروا ماذا ترون ، وإني لفاعلٌ بكم ما قد سمعتم ، ولن أتخلّف عن هذا الأمر ."
★ انقسم وتفككك جموع الشعب على ساحة الوطن ، على ضفة الأتن بين الصمت والرقص فرحا انتظارا من أجل مصالح و وعود قد تتحقق ، كان الرقص رسالة للذكور بالموافقة على القرار، على الضفة الأخرى انتحى الذكور منكسوا الرؤوس ، يتشاورون فيما سيحل بهم من الحمار الأكبر "الأب البيولوجي" لحمير المستقبل.
لم يكن شيخ الخفراء ملازما لـ رئيس جمهورية الحمير فقط ، بل كان بمثابة رئيس الوزراء الذي يجيد التأويل و يفهم لغة الحمير هو وسيلة تنفيذ القرارات و فرض القوانين ، فهو القوى الناعمة الوسيطة بين الحاكم والمحكوم ، دكة النورج القديم ولا نوارج غيره هي مقعد شيخ الخفراء رئيس وزراء الحمير ، هو لا يناقش و لا يعارض حضرة العمدة ،فقط حلقة وصل لإدارة سياسة الغلاء والحصار و الاحتكار الاقتصادي.
="احتكر العمدة حصاد ودراس وطحن كل قمح البلدة والبلاد المجاورة ، ليكون فقط بماكينة الدراس الجديدة ، وفي المطاحن ألتي يملكها العمدة وحده بغير شريك ، بل إنه جعل من المحظور على كل الفلاحين ، القيام بالحصاد والدراس والتذرية والنقاوة والغربلة والتعبئة في الزكائب ، إلّا بآلات حضرة العمدة فقط وحصريّاً ! ."
★تحكم العمدة في آلية الزراعة و مدخلاتها و رفع أسعار المنتجات الرئيسية : الشعير و العلف و البرسيم والملح الرشيدي ، واللبن و الجبن و الزبد ..
صعب العيش و جف الضرع ، في سياسة القهر الاجتماعي والاقتصادي و التدجين ، مع الضعف العارم ، لم يكن هناك غير الإذعان أمام كل قرار مجحف و يرددون "عليه العوض"..
=و"كل من تذكر العمدة كان يظنه السبب في جفاف اللبن ، فيقول : عليه العوض .
="صار الفلاحون يلمزون العمدة كلما مرّ بهم بقولهم :
" علي عوض" .
وصارت عبارة "علي عوض"رمزا للعمدة ، في كل البلاد ، منذ أن رفع سعر البرسيم ، وصار حمار حضرة العمدة هو أشهر حمار في البلد ."
تفاقم حجم السلبية و فقد الإرادة ..
="فاذهب من فورك إلى حمار حضرة العمدة ، وامتثل لأمره .
قل لفخامته : إن كان قرارك يصبّ في مصلحة الشعب ، فافعل ما تؤمر ، وستجدنا إن شاء الله من الصابرين."
لم يكن الصبر عن رضا بل استسلام ، مازال الصب في المصلحة المزعومة مستمرا ، مازال الخنوع وسياط" العربجي علي عوض" تلهب جسد الحمير ..
*************

-
نص القصة
حكاية حمار حضرة العمدة .
ــ
يُحكَي أنَّ حمار حضرة العمدة ترائى له في المنام أنه الحمار الأوحد ، ألذي يركبه العمدة فقط ، فقرّر أن يتخذ قراراً ، كان يرجو من الحمير جميعاً أن يوافقوا عليه !
ألا وهو : أن يكون رئيساً على جمهورية كل شعبها من الحمير !
وبدأ يُعدُّ نفسه أيضاً ليكون الحمار الوحيد في القرية ، المسئول عن حفظ نسل الحمير الممتازة في القرية !
فاتخذ قراراً له صفة القانون : يفرض على جميع الحمير الذكور ، عدم ارتياد مناطق الأُتُن الشابّة ، وعدم النزو عليهن في الزرائب والحقول والأفنية والأجران .!
ولكي يفرض سيطرته وإرادته على جميع الحمير في القرية ، قام بالدعوة إلى اجتماع عام للحمير ، ثم وقف فيهم خطيباً فقال :
يا شعب إنّي أُريتَ رؤيا في أحلامي ، رأيت في المنامِ كأنّي أنكحكم جميعاً ، فانظروا ماذا ترون ، وإني لفاعلٌ بكم ما قد سمعتم ، ولن أتخلّف عن هذا الأمر .
إنقسم شعب الحمير إلى شعبين .
فالأتُن قررن الصمت عن الجواب .
لكن البعض منهن رقصن فرحاً وابتهاجاً بهذا القرار !
بهزّ الإليةِ والفخذين .
ورفع الذيل وغضّ الطرف .
من باب الأدب والحياء .
فحمار حضرة العمدة ، سوف يكون رئيساً على كلّ الحمير .
ومن المؤكد أنه سوف يكون الأب البيولوجي لجميع الحمير المولودين في المستقبل !
وسوف يكونون أمراء حمير الجمهورية .
والأهم من ذلك هو أنهم سوف يكونون نخبة الحمير في الوطن .
ــ
إهتمَّ بقيّة الحمير الذكور بهذا الأمر الخطير ، وانتحوا جانباً لكي يتشاوروا فيما سوف يحل بهم إذا ما نكحهم حمار حضرة العمدة ، واحداُ بعد الآخر .
كيف سيرفعون رءوسهم في البلد ؟ . بعدما ينكحهم حمار حضرة العمدة ؟ .
قرّر أكبرهم سنّاً أن يستشير مالكه ، شيخ الخفراء الخصوصيّين ، والذي كان يرافق العمدة في جميع أحواله الإدارية والاجتماعية ، بل والذي كان يعرف أيضاً لغة الحمير ،
ويتفاهم معهم وكأنّه واحدُ منهم .
ـــ
وقف حمار شيخ الخفراء عند الناصية ، أول شارع داير الناحية ، عند الحنفيّة العموميّة .
وتقدَّم نحو دكّة النورج القديم ، مقعد شيخ الخفراء المفضّل في القرية ، بعد أن خلت تماماَ من النوارج ، منذ أن احتكر العمدة حصاد ودراس وطحن كل قمح البلدة والبلاد المجاورة ، ليكون فقط بماكينة الدراس الجديدة ، وفي المطاحن ألتي يملكها العمدة وحده بغير شريك ، بل إنه جعل من المحظور على كل الفلاحين ، القيام بالحصاد والدراس والتذرية والنقاوة والغربلة والتعبئة في الزكائب ، إلّا بآلات حضرة العمدة فقط وحصريّاً ! .
ليعرف العمدة مصير أي حبّة قمح في بيوت الفلّاحين ، أو في المطحن ، أو في مخازن التجار ! .
ـــ
حمار شيخ الخفراء ، رفع أذُنيه عالياً على شكل الرقم سبعة ، ثم خفضهما قبل أن يقول لشيخ الخفراء ، ما استمع إليه ووعاه من كلام حمار حضرة العمدة ، على استحياء ، وفي صوتٍ خفيضٍ جداً ، قال أن حمار حضرة العمدة ، قد رأى في المنام أنه ينكح كل حمير البلد !.
قام شيخ الخفراء من جلسته على دكة النورج ، ووقف في مواجهة حماره ، ثم قال : إقترب منّي يا حماري العزيز .
ثمّ سأله : هل تعرف تأويل الرؤيا التي رآها حمار حضرة العمدة ؟ .
قال حمار شيخ الخفراء : لست أدري .
قال الشيخ : إذن فاعلم أن عمدة قريتنا ، كان أول من اتخذ قراراً ، أدهش الخلق جميعاً في البلاد كلها ، فقد اتخذ يوماً قراره ، بأن يرفع سعر البرسيم .
رفع حمار الشيخ رأسه ، وبدت في عينيه دهشة الانتباه وقال : البرسيم الذي لا نستغني عنه يا شيخ ؟ .
قال الشيخ : نعم هو البرسيم الذي لا تستغني عنه أبداً ، يا حمار .
والكلُّ سواء في الحاجة ، تيساً أو ثوراً أو أرنب ، فالكلُّ سواء .
الكلُّ بحاجة للبرسيم .
هزَّ الحمار رأسه يميناً وشمالاً ، ثم طأطأها للأسفل ، وكأنه فهم ، ثم حوّل اتجاه إذنيه في مواجهة سيِّده منتبهاً ، لكلام الشيخ وهو يقول : أنت تعلم أن رفع سعر البرسيم كان السبب في رفع أسعار اللبن .
قال الحمار : أللبن ؟ .
وما شأني أنا والحمير أمثالي باللبن ؟ .
سأل الحمار .
قال الشيخ : هل نسيت أيام أن كنت جحشاً صغيراً ، ثم أشبهت في جمالك الحصان الصغير الذي يركبه العيال ، ثم حماراً يأكل البرسيم فيما بعد ؟ .
أتسع أنف الحمار وتنهّد بعمق ثم قال وهو يستعيد ذكرى إيام الصِّبا : يا ليتني ظللت ذلك الحصان الصغير ، فقد كانت أسعد أيام حياتي .
ثم تدارك نفسه قائلا ! .
: لكن لماذا سؤالك يا شيخ الخفراء ؟
هل تقصد اللبن الذي كنت أرضعه من بين فخذي أمي آنئذٍ ؟ .
قال شيخ الخفراء : نِعم الحمارُ أنت إذن ، فقد فطنت لما كنت سوف أقُصُّه عليك منذ أن ولدتك أمُك ، كنت جحشاً حين وُلدت ترضع اللبن لمدة أربعين يوماً ، وحينما كبرت قليلاً،
صار العيال الصغار يركبونك ويضربونك ، قبلما يشتدُّ عودك بعد ، ويجعلون فوق ظهرك سرجاً خفيفاً لكي يركبك العيال الصغار ، أيامها كان الكلّاف يعلفك برسيماً أخضر ، واليوم ترى على مسطبة مخزن الجمعية ، أجولة الشعير والفول والعلف الجديد ، كلها ارتفعت أسعارها بعد رفع سعر البرسيم .
حتى الملح الرشيدي الخشن ، قللنا إضافته للعلف في الطوالي والمذاود ، لأن سعره زاد بعد رفع سعر البرسيم .
ومنذ رفع سعر البرسيم ، جفت الضروع ، فارتفع سعر اللبن ، والجُبن والزُبد تبعاُ لذلك ، فقال الناس : عليه العوض .
وكل من تذكر العمدة كان يظنه السبب في جفاف اللبن ، فيقول : عليه العوض .
وصار الفلاحون يلمزون العمدة كلما مرّ بهم بقولهم : علي عوض .
وصارت عبارة " علي عوض " رمزا
للعمدة ، في كل البلاد ، منذ أن رفع سعر البرسيم .
وصار حمار حضرة العمدة هو أشهر حمار في البلد .
فاذهب من فورك إلى حمار حضرة العمدة ، وامتثل لأمره .
قل لفخامته : إن كان قرارك يصبّ في مصلحة الشعب ، فافعل ما تؤمر .
وستجدنا إن شاء الله من الصابرين :( .
• ـــ
• سعيد ابو ضيف .
• 30 يونية 1987

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...