جمعي شايبي - صلاة الوداع... بركاني كمال .

__ صلاة الوداع __ بركاني كمال .

الهوية ، الوطن ، الإغتراب ، الإحتلال ، الحب ، الحرب وفتن الإقتتال ، لا عجب في أن يتخذ أيما كاتب من كل هذه الثيمات متكأ ، لنص من نصوصه المبتكرة .


لكن ما يفوق الإدهاش حقا ، هو أن يتقن كاتب حريف ، صنعة المزاوجة بينها ، وفن توظيفها ببراعة مذهلة ، ويحوك ما بينها أمتن الوشائج والجسور والصلات ، فتبدو غاية في الكمال والتناسق والجمال .
وهذا ما فعله باقتدار ، الكاتب الكبير بركاني كمال ، في تحفة صلاة الوداع .
وهو يستنهض التاريخ بتفاصيله المغيبة الموجعة ، من بين أكفان الدهور الغابرة والعصور المندثرة الهاربة .
ويسترجع بذاكرته الحية ، وبأحاسيسه الهشة ، أبطالنا المنسيين ، من تحت ركامات تاريخنا السحيق.
ويبعث من بطون الرموس المنسية ، أجدادنا القدامى ، ويعرض سيرهم الحافلة بالشجاعة والأصالة والمروءة والعزة والإبآء ، رغم مآلاتهم الدامية ، ومصائرهم المؤلمة القاسية .
كم كان الكاتب القدير بركاني كمال ضليعا في بعث صهيل الهوية في دماء شراييننا ، وحس الإعتزاز بانتمائنا ، وفي تسطير أعظم اهتماماتنا ورسم أكبر همومنا وتطلعاتنا .
وكم هو مشبع هذا الكاتب الأصيل ، بالوفاء لهويته ووطنه وأمته ، بمحبة عفيفة بريئة من كل تعصب بليد .
لقد حكى هذا الأوراسي الأصيل حكايتنا ، وسرد بروعة وصدق مأساتنا ، وأثبت للعالمين أن جراح الأوراسيين الأقحاح ، الغائرة المفتوحة كالمداءات ،



تظل تكابر ، رغم طواحين الطمس التي تترصدهم بنوايا خبيثة مبيتة ، وأن الأوراسيين وعموم البربر قاطبة ، عرق ليس من طبعه الإنحناء أمام زوابع المحو والإقصاء والتقزيم والتهميش على تنوع وجهات مقدمها .
يشعرك هذا العبقري الملهم ، بأن الكتابة نزيف ، ومع ذلك يضمن لك وأنت تقرأه متعة تعز عن الوصف ، كلما أوغلت بالسفر عبر متن منجزه البديع .
أقرأ في سيميائية شخصيته البطولية : خالد ، أنه هوية خالدة لا تندثر ولاتفنى ولاتبيد ولا تموت ، وأن جسمه العليل وطن جريح ، وأما الداء ، فلوثة فكرية دخيلة ، وغزو ثقافي زاحف مفضوح .
( الروايات برادات جثث ، كتلك التي في المشافي ، مع اختلاف في الموقع والإسم وشكل الموت والحفظ ) .
إلا روايتك يا أستاذي كمال ، فهي رحم توالدت منها هوية عصية على الموت ، وأجداد جديرون بالخلود ، وكبرياء لا يصاول شموخها الأقزام والعبيد والمسوخ ، وحب بريئ طاهر من خطايا وأدران القذرين في غرابة هذا الزمان الهجين .
صلاة الوداع ، زنبقة نضرة ، نبتت في شواهق الأوراس ، عبقة شذية بعبير الهوية الأخآذ .
صلاة الوداع ، بلبل يحكي بالتغريد حكايته ، في قفص التاريخ .

جمعي شايبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...