سعيد كنيش - حول التساقط في البيان العام لحزب النهج الديمقراطي العمالي، (الحلقة الثانية)،

(الحلقة الثانية)


حول تصور حزب النهج للعروبة والقومية العربية

لعل أبرز القضايا المرتبطة بإسقاط البعد العروبي القومي، ونتائج هذا الاختيار الأولية، هو التصور الجديد لما يسميه الحزب، بناء وحدة الشعب المغربي على أساس فيدرالي. و ترسيخ الاعتقاد الذي يوحي أن الشعب المغربي يشكل أمة لذاته، كما يفهم من أحد شعارات البيان المركزية ، من أجل “بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية الفيدرالية”. الأمر الذي يؤكد اختيار تخطى نقطة الارتكاز الرئيسية وهي التحرر العربي والوحدة العربية في ترابطهما وتمفصلهما مع نضال الشعب المغربي التحرري.

أولا: تصور حزب النهج عن العروبة هو تقليد فكري وسياسي متواصل عند أغلبية الأحزاب الشيوعية العربية.

هذا التقليد يتراوح بين:

- العداء لمشروع الوحدة العروبي كموقف موروث عن الاتحاد السوفياتي، الذي يعتبر بأن القومية العربية غير مكتملة، أو لم تنتقل إلى الرأسمالية وتخلق سوقها القومي كما يزعم ستالين. وأن ظاهرة القومية مرتبط ظهورها وتطورها فقط بالرأسمالية في الغرب. هذا الاعتقاد لا ينفي وجود القومية العربية، وإنما يؤكد الإعاقة الاستعمارية لتطورها. واجهاض المشاريع العربية الوحدوية سواء في القرن التاسع عشر أو العشرين. كما يعتبر أن القومية العربية نزعة بورجوازية مثالية سرعان ما تسقط في الفاشية والديكتاتورية والشعبوية، وغيرها الكثير في معاجم القدح. ويتنكر للقوميات القديمة ما قبل الرأسمالية مثل الصينية والفارسية والحبشية والعربية وغيرها، وبالتالي فهو يشطب تماما على مشروع بناء الوحدة العربية. لكن هذا التصور عند الأحزاب الشيوعية العربية يسقط مباشرة في التناقض والمحظور بالاعتراف بالكيان الصهيوني المصطنع القائم على أساس ديني أسطوري مزيف واستجلاب المحتلين من مائة قومية؛ وذلك باعتراف جل هذه الأحزاب بحل الدولتين، وتعني مكافأة اليهود كقومية جرى تصنيعها في الغرب لاحتلال فلسطين التاريخية.
- الوقوف عند حافة الفشل وهزائم تجارب الأنظمة البورجوازية ذات التوجه القومي. وهو نقد وتقييم مبتور عند هذه الاحزاب، عندما تصمت عن دور الأنظمة الرجعية وقوى الدين السياسي الاخوانية والوهابية المتآمرة في محاربة الجمهوريات ذات التوجه القومي حتى إسقاطها. ويصمت أيضا عن الدور الحاسم في التدخل العسكري الصهيوأمريكي المباشر تحت قناع استجلاب الديمقراطية وغيرها لهزيمتها. فهل هناك سقوط أكثر من تحالف أحزاب شيوعية ويسارية عربية مع العدوان الأمريكي على العراق وليبيا وسوريا بدعوى محاربة ومواجهة الاستبداد كأولوية في الأقطار الجمهورية وطأطأة الرأس أمام الاستبداد الخليجي وغيره.
إن كلا الموقفين يندرجان في استبعاد دور الطبقات الشعبية العربية في حمل المشروع العروبي التحرري وهي صاحبة المصلحة، وتركها تائهة فريسة للاستقطاب والتحريض والدعاية الطائفية والمذهبية لقوى الدين السياسي، وللانعزالية والشوفينية التي تنشرها التيارات الهوياتية والتغريبية المعادية للعروبة.

وكلا الموقفين يكرسان حالة الضياع والانحطاط والكفر بالعروبة واستدخال الهزيمة في الوعي الذي يعاني منهم المواطن العربي الكادح المعزول حاليا.

ولأن ممارسة الانتماء القومي يقوم على أساس طبقي. فالبورجوازية الكومبرادورية الحاكمة هي قطرية وجوهريا معادية للامة العربية والوحدة والتنمية والتطور والتكامل الاقتصادي العربي. فإن الطبقات الشعبية هي صاحبة المصلحة في حمل هذا المشروع والمقاومة من أجل انتصاره، حيث يتحقق تحررها الواقعي. فانتماؤها القومي له روابط ذات مصالح مادية وتاريخية حقيقية ومصير واحد، لكنه ممنوع ومقموع التعبير عن ذاته ديموقراطيا.

أذكر كيف كان يردد في أجواء مؤتمر حزب النهج شعار “فلسطين هي البوصلة”، أو بهذا المعنى. لكن على الأقل تحرير فلسطين ليس شأنا خاصا بالفلسطينيين، وهي القضية المركزية العربية التي يرتبط تحريرها بتحالف قوى المقاومة العربية، وأن الطبقات الشعبية العربية هي ظهيرها وسندها وعمقها الاستراتيجي. فلماذا لا يجب العمل على استنهاضها واسترجاعها لتكون في صف قوى المقاومة عوض خضوعها لقوى الدين السياسي الإرهابية وللتحريض الطائفي والمذهبي؟ لقد أصبح الشارع المغربي يسير في اتجاه ضد كل ما هو عربي وقضية فلسطين أصبحت قضية تضامن إنساني.

إن خيار بناء وتعزيز وحدة المقاومة العربية الشعبية هو الهدف الأول في خندق المواجهة الطويلة ضد ثالوث العدو، وضد مشاريع الإبادة والتهجير والتفتيت، آنذاك يمكن القول أهلا وسهلا بالتضامن الافريقي والأممي. فحركات التحرر الوطني العربية هي صاحبة المصلحة الأولى، ومن يرسم الطريق والهدف ويحدد التحالفات. فهل من المستغرب أن يقوم ثالوث العدو بالسعي الحثيث لتفكيك فلسطين عن عمقها العربي حتى يسهل تصفيتها كما يحدث في غزة والضفة الغربية والاقصى والمحتل في 48 ولحق عودة اللاجئين؟ وأن أول الساقطين كانت هي منظمة التحرير الفلسطينية قبل أوسلو ومن بعده، وتحولت إلى خرقة بالية لدى السلطة وفي خدمة الاحتلال.

تانيا: إسقاط حزب النهج لقضية العروبة من تصوره الفكري والسياسي، هو تراجع الحزب عن تصور منظمة إلى الامام، حتى في صيغته البدائية وفقا لشروط النشأة في السبعين من القرن الماضي.

لقد جاء في الوثيقة التأسيسية المسماة: “سقطت الأقنعة فلنفتتح طريق الثورة” التالي: “إن النضال الشعبي يجري في خضم المسيرة العامة والطويلة للثورة العربية التي سيتمخض عنها حتما وطن عربي واحد حر ومنتصر”، وهو ما يؤكد أن المنظمة لم تقم بالقطيعة مع حبل الصرة الذي كان يجمعها بحزب التحرر والاشتراكية (الحزب الشيوعي المغربي) وهو التصور الذي انتصر، وأصبح حزب النهج يبني تصوراته على أن الشعب المغربي يشكل لذاته أمة، ويزعم إعادة بناء وحدته على أساس فيدرالي، وسوف أقف على هذه القفزة في الهواء ونتائجها في حينه.

كما أن هذا التراجع ليس وليد اليوم، فقد تمخض عن تحولات أخرى نحو اليمين، ارتبطت بمرحلة وظروف إعادة بناء منظمة إلى الامام بعد سنوات الاجتثاث القمعي؛ بالتزامن مع أزمة الاتحاد السوفياتي. ولم تكن المنظمة محصنة أمام الانهيار الكبير لتجارب البناء الاشتراكي، وهزائم حركات التحرر العربية والعالمية وانتصار الرأسمال على العمل، وهذا موضوع آخر.

ثالثا: التناقض لدى حزب النهج والتلويث التروتسكي

سبق وأوضحت أن مجرى التطور التاريخي للنظام الرأسمالي العالمي، لم ينتج انسجاما بين أجزائه. وذلك انطلاقا من قانون “التطور غير المتكافئ”. تم إن الهيمنة الرأسمالية الغربية متأصلة ومتجذرة في التشكيلة التاريخية للنظام الرأسمالي العالمي منذ القرن الخامس عشر وما تلاه، وذلك انطلاقا من “فائض القيمة التاريخي” المنهوب من المستعمرات/ بلدان الجنوب. وأن الامبريالية الغربية تحارب كل تطور وتنمية أو نزوع استقلالي ولو رأسمالي في مناطق أخرى. فلا يابان بعد اليابان التي أفلتت في ظروف خاصة.

وعليه فإن التناقض الرئيسي يتحدد في الوطن العربي في طبيعة المواجهة التاريخية في هذه المرحلة، بين الطبقات الشعبية العربية ضد الامبريالية والصهيونية والرجعيات العربية، دون اختزاله في التناقض المباشر بين الرأسمال والعمل.

إن هذا الاختزال يجد تفسيره في التلويث التروتسكي المشبع به فكر حزب النهج، كتعويض عن الفراغ الذي أصابه في فترة إعادة البناء المسماة “دفاعا عن الجوهر الحي للماركسية اللينينية”. الأمر الذي يفسر محاولات التحالف الاندماجي الفاشلة مع بعض تيارات التروتسكية في المغرب سابقا.

لنسمي القطة باسمها، فقد ظلت التروتسكية بمختلف تياراتها تقدم نفسها الأمينة والمخلصة للماركسية المنسجمة مع مركزيتها في المتروبول، وأساسها التناقض بين العمل والرأسمال، وتريد أن تجعل من تاريخ الغرب الرأسمالي تاريخا للعالم. لقد بنت صرحها الفكري والسياسي من خلال العداء للاتحاد السوفياتي وتجارب البناء الاشتراكي المختلفة. ولا يخلو قاموسها من تقريع دوني لحركات التحرر الوطني بتنوعها، ورميها بالشعبوية، البورجوازية الصغيرة، الشوفينية.. إلخ.

هذه الطبيعة المترسخة أنتجت قيادات تروتسكية تحالفت مع معسكر الامبريالية بقيادة أمريكا في فترة الحرب الباردة، وأثناء الثورات الملونة في أوربا الشرقية والعدوان على يوغسلافيا، معتبرة أن استجلاب الديمقراطية الغربية، سيحرر العمال من قبضة البيروقراطية كما كان يبشر بها الراحل أرنست مانديل من المنصات الإعلامية للأممية الرابعة.

والتروتسكية في عدائها لحركات التحرر الوطني والقومي تتساوق مع الخطاب الليبرالي الغربي، الذي يزعم بأن الأبنية القومية انتهت مع العولمة الرأسمالية، وتخلط بشكل مقصود بين قومية الدول الاستعمارية المتقاتلة فيما بينها، وتشن الحروب باسم الدفاع عن المصالح والأمن القومي لشركاتها وأسواقها الاحتكارية، وبين قومية الشعوب التي تناضل من أجل التحرر والوحدة والسيادة. فالأولى عدوانية استعمارية، والثانية مقاومة ودفاعية وتحررية.

إذا استحضرنا العدوان الحالي من طرف الغرب الامبريالي ضد الصين وروسيا وإيران، فإن الهدف هو اخضاع هذه الدول وتفكيكها من طرف قوى حلف الناتو رغم أنها بلدانا رأسمالية. فالغرب الامبريالي يرى فيها كيانات جغرافية شاسعة، أكبر من اللازم ويجب تقسيمها. لكن التروتسكي يرى في روسيا والصين قوى امبريالية لا تختلف عن الحلف الأمريكي وهو خلط متعمد. أما العدوان على إيران فهو مرحب به لإسقاط “نظام الملالي”، كما يسمونه واستجلاب الديمقراطية، كما حصل في ليبيا وسوريا والعراق.

إن اللائحة طويلة لتحالفات التروتسكي مع الغرب الامبريالي العلنية والمضمرة. وإذا استحضرنا المواقف من كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، وخاصة مواقفهم المخزية من القضايا العربية خاصة فيما أطلق عليه غربيا “بالربيع العربي”، ويسميه التروتسك بالسيرورات الثورية في تونس، مصر، المغرب، ليبيا، اليمن، سوريا، ومواقفهم من الصراع العربي الصهيوني وتحرير فلسطين العربية. فلا عجب أن يظل موقع التروتسك قابع على هامش حركات التحرر الوطني والقومي العالمية، رغم ارتباطهم بالمركز الغربي وما يوفره لهم من ضخ مالي واعلامي وعلاقات مع منظمات غير حكومية/ ONG مشبوهة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...