يحيى بركات - عندما دخل هاكابي ترمسعيا بدأت ترى حدود ما صنعته؟

دخل مايك هاكابي ترمسعيا.

لو كان السفير الأميركي شخصًا آخر، ربما مرت الزيارة كخبر دبلوماسي عابر.

لكن الرجل الذي دخل البلدة الفلسطينية هو نفسه الذي لا يحب حتى اسم «الضفة الغربية»، ويفضل «يهودا والسامرة». قس معمداني، وأحد أبرز الوجوه السياسية للمسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة، دافع طويلًا عن الاستيطان، وعن الرواية التوراتية للحق اليهودي في الأرض، ولم يكن يومًا من المؤمنين بقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.

ولهذا كانت الصورة غريبة.

هاكابي يجلس مع فلسطينيين.

يستمع إلى حكاياتهم عن المستوطنين.

عن الأرض والبيوت والسيارات والمساجد.

ثم يقول إن إحراق بيت أو مسجد، واقتحام ملكية فلسطينية والاستيلاء عليها، ليس مجرد جريمة.

إنه «عمل إرهابي».

الكاميرا يمكن أن تتوقف هنا.

العنوان جاهز.

السفير الأميركي يصف المستوطنين بالإرهابيين.

لكن الصورة ستكذب علينا إذا أغلقنا الكادر عند هذه اللحظة.

لأن هاكابي لم يقل إن المستوطنات غير شرعية، ولم يقل إن الاستيطان يجب أن يتوقف، ولم يتراجع عن «يهودا والسامرة».

هو فرّق بين المستوطن والمستوطن العنيف.

وبين المشروع الاستيطاني وبين من يحرق بيتًا فلسطينيًا أو يستولي على أرض بيده.

بالنسبة إليه، المشكلة ليست في وجود مئات آلاف المستوطنين في الضفة، بل في مجموعة يرى أنها خرجت عن القانون وأصبحت تسيء إلى إسرائيل وإلى المستوطنين أنفسهم.

وهذا فرق صغير في اللغة، كبير جدًا في السياسة.

ثم يحدث أمامه شيء لم يكن في برنامج الزيارة.

يظهر مستوطنون قريبًا من المكان على مركبة رباعية.

يرفع هاكابي هاتفه.

ويصورهم.

وبحسب روايات إسرائيلية نقلت عن حاضرين، قال إنه سيرسل الصور إلى الرئيس دونالد ترامب.

المشهد أهم عندي من كثير من التصريحات.

لأن الرجل الذي ظل سنوات يسمع عن اعتداءات المستوطنين أصبح يراهم أمامه.

لم تعد هناك ورقة على مكتب السفارة.

ولا تقرير فلسطيني يمكن التشكيك فيه.

ولا صورة التقطها ناشط.

كاميرا هاتف السفير الأميركي نفسها أصبحت الشاهد.

لكن لماذا أصبح هذا مهمًا لواشنطن الآن؟

ترمسعيا ليست أي بلدة فلسطينية بالنسبة للسفير الأميركي.

عدد كبير من أبنائها يحملون الجنسية الأميركية، وهاكابي قال بنفسه إنه جاء ليستمع إلى مواطنين أميركيين، وإن من واجبه العمل من أجلهم.

إذن للجواز الأميركي مكان واضح في الصورة.

لكن الجواز وحده لا يفسر كل شيء.

لأن أميركا التي جاء منها هاكابي إلى ترمسعيا لم تعد تمامًا أميركا التي كانت قبل غزة.

شيء تغير هناك.

صور الحرب والدمار والقتل خرجت من حدود الشرق الأوسط ودخلت البيوت والجامعات والشوارع الأميركية.

تغيرت نظرة قطاعات واسعة من الشباب.

ارتفع التضامن مع الفلسطينيين.

تراجعت صورة إسرائيل، وخصوصًا داخل الحزب الديمقراطي وبين الأجيال الجديدة.

ووصل النقاش إلى داخل المجتمع اليهودي الأميركي نفسه، حيث أصبح السؤال عن إسرائيل وحربها وسياساتها أكثر انقسامًا مما كان عليه قبل سنوات.

والأهم أن هذا التحول بدأ يجد طريقه إلى صندوق الاقتراع.

ليس معنى ذلك أن فلسطين أصبحت القضية الأولى للناخب الأميركي، ولا أن اللوبي المؤيد لإسرائيل اختفى.

لكن شيئًا كان يبدو شبه مستحيل بدأ يحدث:

مرشح يستطيع أن ينتقد إسرائيل، أو يتخذ موقفًا واضحًا من الحرب على غزة، ويواجه دعمًا ماليًا وسياسيًا كبيرًا من القوى المرتبطة بـ AIPAC، ثم لا يسقط بالضرورة.

حتى حالة واحدة من هذا النوع تكفي لكي ينتبه السياسي الأميركي.

فما بالك عندما تبدأ الحالات بالتكرر، ويصعد داخل الحزب الديمقراطي تيار تقدمي أكثر جرأة في الحديث عن فلسطين وإسرائيل؟

السياسي لا ينتظر حتى يصبح التحول أغلبية.

يكفي أن يرى اتجاه الريح.

وإذا كان هناك سياسي يعرف كيف ينظر كل صباح إلى استطلاعات الرأي وصناديق الاقتراع فهو دونالد ترامب.

لذلك لا أرى في لغة هاكابي الجديدة انقلابًا أخلاقيًا مفاجئًا.

أراها أيضًا لغة تتحرك داخل مجتمع أميركي تغيرت فيه كلفة الانحياز غير المشروط لإسرائيل.

نعود إلى ترمسعيا.

هناك شخص غائب عن الكادر.

ليس شخصًا.

إنها السلطة الفلسطينية.

الجزء المأهول الأساسي من ترمسعيا يقع وفق تقسيمات أوسلو في المنطقة B؛ للسلطة فيها صلاحيات مدنية، بينما بقي لإسرائيل دور أمني واسع.

لكن المشهد الذي رأيناه كان مختلفًا.

بلدية فلسطينية.

أهالٍ فلسطينيون، كثير منهم أميركيون.

سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل.

مستوطنون.

وحكومة إسرائيلية يقول السفير إنها مسؤولة عن الحماية والمحاسبة.

أما السلطة الفلسطينية فلا تظهر في كل ما أعلن عن الزيارة، ولا يظهر إعلان عن تنسيق سياسي معها.

لا أريد أن أحمل الغياب أكثر مما يحتمل.

لكن الكاميرا تسجل الغائب كما تسجل الحاضر.

وبعد أكثر من ثلاثين عامًا على أوسلو تبدو الصورة قاسية في بساطتها:

السلطة تدير.

إسرائيل تملك القوة.

والفلسطيني الذي يخشى على بيته من المستوطن يبحث عمن يستطيع بالفعل أن يمنعهم من الوصول إلى بابه.

ربما لم يقصد هاكابي أن يقول شيئًا عن أوسلو.

لكن زيارته قالت الكثير.

ومن الخطأ أيضًا أن نحصر ما يجري في سموتريتش وبن غفير.

الرجلان هما الوجهان الأكثر وضوحًا، لكن الكاميرا عندما تتراجع قليلًا ترى الكنيست.

هناك تصويت.

وهناك أحزاب.

وهناك نواب يدفعون نحو الضم والاستيطان، وتشريعات أكثر قسوة تجاه الفلسطينيين والأسرى، ومواقف تتحدث عن التهجير، وعن فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة.

المسألة لم تعد نزوة وزيرين متطرفين داخل دولة تقف في مكان آخر.

هناك تحول أعمق داخل النظام السياسي ومجتمع دولة الاحتلال.

وهنا تبدأ المشكلة الأميركية.

واشنطن دعمت إسرائيل لعقود، وحمت تفوقها العسكري، ووفرت لها الغطاء السياسي، ولم تجعل الاستيطان يومًا سببًا لكسر التحالف معها.

لكن واشنطن تريد أيضًا إسرائيل تستطيع إدارتها داخل مشروع أميركي أكبر.

إسرائيل قوية.

حليفة.

مندمجة في المنطقة.

قادرة يومًا ما على التطبيع مع السعودية.

ولا تشعل الضفة إلى درجة تهدد كل ذلك.

أما الاتجاه المتصاعد داخل اليمين الإسرائيلي فيريد استغلال اللحظة التاريخية لحسم الأرض نفسها.

ضم.

مزيد من الاستيطان.

إغلاق الطريق أمام دولة فلسطينية.

وخلق وقائع يصعب التراجع عنها.

هنا لا يصبح الخلاف بين أميركا وإسرائيل.

بل بين إسرائيل التي تحتاجها أميركا لمشروعها، وإسرائيل التي يريد جزء متزايد من النظام السياسي الإسرائيلي صنعها.

لهذا لا ينبغي أن تمر الإشارة السعودية والخليجية سريعًا.

حرب إيران أظهرت أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج ليست نسخة واحدة.

دول خليجية لم تكن تريد حربًا واسعة تهدد أمنها واقتصادها واستقرار المنطقة.

والسعودية، تحديدًا، ما زالت الجائزة الأكبر في مشروع إعادة ترتيب الشرق الأوسط.

لكن الطريق إلى الرياض لا يمر فوق الفلسطينيين بسهولة كما تخيل البعض.

كل مستوطنة جديدة، وكل حديث عن الضم، وكل دعوة إلى التهجير، تجعل المسافة بين إسرائيل والسعودية أطول، وتجعل المهمة الأميركية أصعب.

وهنا يصبح المستوطن الذي يحرق بيتًا في ترمسعيا أكبر من رجل يحمل بندقية فوق تلة.

يصبح حجرًا صغيرًا قادرًا على تعطيل لوحة سياسية أكبر بكثير منه.

بعد زيارة هاكابي جاء قرار نتنياهو بإزالة نحو مئة بؤرة استيطانية غير مرخصة، وسط ضغط أميركي بشأن عنف المستوطنين.

هنا يوجد ضغط حقيقي.

لا حاجة إلى إنكاره.

لكن علينا أن ننظر إلى ما طلبته واشنطن بالضبط.

البؤر المقصودة غير مرخصة حتى وفق القانون الإسرائيلي.

لم تقل أميركا: أزيلوا المستوطنات.

لم تقل: أوقفوا المشروع الاستيطاني.

ولم تعد لتعلن أن الضفة أرض الدولة الفلسطينية التي يجب إنهاء الاحتلال عنها.

الرسالة حتى الآن تبدو أكثر محدودية:

اضبطوا ما يحدث.

لا تسمحوا للمستوطن بأن يصبح هو الدولة.

ولا تجعلوا الضفة تنفجر.

ولا تدفعوا مشروع الضم إلى نقطة تصطدم بالمصالح الأميركية في المنطقة.

وهنا يظهر الفرق بين الضغط على إسرائيل وتغيير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل.

الأول يحدث.

أما الثاني فلا تزال الأدلة عليه أقل بكثير من الأمنيات.

ربما لهذا كانت كاميرا هاتف هاكابي أهم شيء حمله معه إلى ترمسعيا.

دخل الرجل البلدة وهو يحمل في رأسه «يهودا والسامرة».

وخرج وهو يحمل في هاتفه صور مستوطنين.

لم يتخل بين اللحظتين عن عقيدته.

ولم تتحول واشنطن إلى نصير للفلسطينيين.

لكن شيئًا آخر ظهر.

المشروع الذي دعمته الولايات المتحدة طويلًا بدأ ينتج على الأرض قوى تريد أن تذهب أبعد من الحدود التي تناسب واشنطن نفسها.

والرأي العام الأميركي الذي كان يمنح إسرائيل مساحة واسعة بدأ يضيق تلك المساحة.

والخليج الذي تريد واشنطن الاحتفاظ به لا يريد أن تتحول المنطقة كلها إلى ساحة لحروب إسرائيل.

والسعودية التي يريد ترامب إدخالها إلى مشروعه الإقليمي ما زالت ترى الفلسطينيين واقفين عند باب التطبيع.

وفي داخل إسرائيل نفسها لم يعد التطرف هامشًا يقف خارج النظام السياسي.

دخل الحكومة.

ودخل الكنيست.

وصار يصوت.

لهذا كانت ترمسعيا تستحق التوقف.

ليس لأنها أعلنت تحولًا أميركيًا.

ولا لأن كلمة «إرهاب» التي قالها هاكابي تمحو تاريخ الرجل ومواقفه.

بل لأن الزيارة التقطت لحظة أصبحت فيها تناقضات كثيرة موجودة في صورة واحدة:

فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية ويخشى على بيته.

مستوطن يعتقد أن الأرض له.

سلطة فلسطينية غائبة عن المشهد.

حكومة إسرائيلية مطالبة بأن تضبط من صنعت لهم الطريق إلى التلال.

سفير أميركي يؤمن بـ«يهودا والسامرة» ويصور المستوطنين بهاتفه.

ورئيس أميركي تنتظره في الداخل صناديق اقتراع، وفي الخارج حرب لم تنته آثارها، وخليج يعيد حساباته، وسعودية يريدها داخل ترتيبه الجديد للمنطقة.

الكاميرا لا تقول إن أميركا تغيرت.

ولا تقول إنها لم تتغير.

الكاميرا تسجل أن الشروط التي صنعت سياستها القديمة بدأت تتغير.

أما السياسة نفسها، فلها امتحان آخر.

لن نعرفه من كلمات هاكابي.

سنراه عندما يصل المستوطن القادم إلى التلة التالية:

هل ستطلب واشنطن منه فقط ألا يحرق البيت؟

أم ستسأل أخيرًا كيف وصل إلى أرض البيت أصلًا؟

يحيى بركات
7/9/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...