عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

دخلت سيدة إلى المكتبة برفقة زوجها، فسألت عن كتاب "صحيح البخاري" ؛ لم يكن الكتاب لها، وإنما كانت تبحث عنه نيابة عن ابنتهما الغائبة، التي أرادت أن تقدم لأبيها هدية، لكنها ارتأت أن تمنحه امتيازا نادرا: أن يختار هو هديته بنفسه.
فوَضَعْتُها بين خيارين : هناك "صحيح البخاري" في خمسة أجزاء، و "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" في خمسة عشر مجلدا ؛ بطبيعة الحال ثمنهما متفاوت إلى حد كبير .
نظرت إلى زوجها، ثم سألته: أيّهما تريد؟
قال بسرعة: الخيار الأول ، لأنه أقل كلفة... لا داعي لأن تشتري لي الغالي ، هذا يكفيني.
كانت الزوجة تعرف أن وراء الجواب أبا لا يريد أن يكلّف ابنته شيئا، فأمسكت هاتفها واتصلت بالبنت ؛ وحين وضعتها أمام الخيارين، لم تحتج الابنة إلى كثير من التفكير ، قالت: أريد له الشرح الكبير "فتح الباري".
حاول الأب أن يعترض ، لأنه يعرف سعره ، وبما أن ابنته هي التي ستدفع، لذلك بدا وكأن اختياره الأول لم يكن للكتاب الأقل حجما، بل اختيارا لقلب ابنته الأقل كلفة.
لكن الابنة أصرت ، قالت بمعنى لا يحتاج إلى شرح: إنه لأبي.
فاستسلم الأب ، وافق على مضض، وبدت عليه مسحة من الخجل، كأن ابنته ضبطته متلبسا بحبّه لها، بعد أن أمضى سنوات طويلة يخفي هذا الحب تحت أسماء كثيرة: المصاريف، الدراسة، الملابس، الكتب، الطريق، المستقبل…
فبقيت أتأمل المشهد ، فكرت في ذلك الأب الذي قضى عمره يدفع عن أبنائه، فإذا كبروا حاولوا أن يدفعوا عنه، ظل هو نفسه واقفا في الجهة الأخرى من الحساب، يفتش عن الأرخص، ويقول في خجل: لا تتكلفي من أجلي.
يا للعجب! حتى عندما يكبر الأب، ويتحول أبناؤه إلى رجال ونساء، وتصبح لهم بيوت وحسابات ومسؤوليات، يظل في داخله شيء عظيم لا يتغير: يخاف أن يحمّل أبناءه عبئا ، والأبناء في الجهة المقابلة، يكبر فيهم شيء آخر: الرغبة في أن يردوا، ولو قليلا، ما لا يمكن رده.
لم تكن الابنة يومها تقتني خمسة عشر مجلدا ، كانت تشتري لأبيها لحظة من الوفاء ، ولم يكن الأب يرفض الكتاب الغالي لأنه لا يريده ، كان يرفضه لأن قلبه، منذ أن عرف معنى الأبوة، لم يتعلم بعد كيف يكون غاليا على أبنائه.
بعض الآباء لا يعرفون كيف يتلقون الحب؛ لأنهم أمضوا أعمارهم كلها في منحه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...