مصطفى الصميدي - استقلال القرار: معركة كسر النفوذ

ليس بالضرورة أن الحروب التي تُشن في العالم هدفها السيطرة على الأرض أو إسقاط سلطة بعينها، فبعضها تُشن عند ظهور قوة ما، لها قرار مستقل يخرج عن دائرة النفوذ التي اعتادت القوى الكبرى فرضها. وعندما يصبح لهذه القوة تأثير يرتد سلباً على قوى النفوذ، تبدأ التحالفات المباشرة وغير المباشرة في محاولة كسرها من الداخل والخارج على حد سواء، كونها تحولت إلى رقم يصعب تجاوزه في حسابات المتنمرين.

في اليمن، عندما أدركت أمريكا وحلفاؤها قوة حكومة أنصار الله وتأثيرها الإقليمي، خصوصاً بعد أن كسرتْ هيبتها في البحر الأحمر، ولقنت إسرائيل درساً في الصواريخ ومعرفة الملاجئ، وفرض الحصار على السلاح المبحر إليها، بدأوا يهندسون لإبعاد أي خطر حوثي يطل على الساحل الغربي؛ فباب المندب يمنح المنطقة قيمة استراتيجية كبيرة ويجعل الصراع عليها مرتبطاً بمصالح إقليمية ودولية متشابكة. ولذلك حشدوا مرتزقتهم وساندوهم بالمقاتلات بغية الوصول إلى امتلاك قرار المنطقة وتوظيف موقعها بما يخدم مصالحهم.

لكن أنصار الله بفضل الله تعالى، يعرفون تماماً كيف يسطرون ملاحم الكرامة في الدفاع عن الوطن. فهم ليسوا بدولة تملك موقعاً استراتيجياً ولا تملك قرارها الوطني المستقل. هم أهل قرار جازم ألاَّ تُحال جغرافيتنا إلى ورقة بيد الآخرين. ومن هنا يمكن فهم حساسية باب المندب بالنسبة للقوى التي اعتادت أن تكون طرق المنطقة وممراتها البحرية جزءاً من حساباتها الخاصة.

وفي مثل هذه الصراعات، لا تعتمد القوى الكبرى دائماً على المواجهة المباشرة؛ فعندما يصعب تغيير موقف قوة ما بالقوة، يمكن محاولة إنتاج بدائل سياسية أو عسكرية تنافسها على النفوذ والتمثيل، بحيث يبدو الصراع في ظاهره محلياً، بينما تتجاوز نتائجه حدود الداخل. وهنا تكمن خطورة أن يتحول اليمن إلى ساحة تتنافس فيها المشاريع بدلاً من أن يكون صاحب المشروع نفسه، فكلما تعددت القوى التي تتحدث باسمه، أصبح القرار الوطني أكثر عرضة للتجاذب، وأصبح الخارج قادراً على التأثير في اتجاه الأحداث دون أن يظهر بالضرورة في مقدمة المشهد.

والأخطر من ذلك أن تُختزل القضايا الكبرى في الخصومات الداخلية، فينشغل المجتمع بتفاصيل خلافاته إلى الحد الذي يفقد معه القدرة على رؤية الصورة الأوسع. فالاختلاف السياسي حق والتباين في الرؤى أمر طبيعي، لكن تحويل الاختلاف إلى صراع مفتوح يجعل البلاد أكثر هشاشة ويمنح القوى الخارجية مساحة أكبر للتأثير. وفي هذه الحالة لا يعود الخاسر طرفاً يمنياً بعينه، وإنما يصبح القرار اليمني نفسه هو الخاسر.

ولعل ما يجعل المسألة أكثر حساسية أن إسرائيل لا تنظر إلى محيطها باعتباره مجموعة دول منفصلة، وإنما تراقب أي تحول يمكن أن ينتج عنه تغيير في ميزان القوة الإقليمي. وكلما ظهرت قوى تمتلك قراراً مستقلاً وتستطيع التأثير في الملفات المرتبطة بأمن المنطقة، تصبح محاولات احتوائها وإضعاف تأثيرها أكثر أهمية في الحسابات الإسرائيلية وحسابات حلفائها.

لذلك، فإن ما يجري في البحر الأحمر والساحل الغربي هو صراع على النفوذ والقرار ومستقبل المنطقة قبل أن يكون صراعاً على الجغرافيا وحدها. فالمعركة الأعمق ليست في خطوط النار، وإنما فيمن يملك حق تحديد اتجاهه وتحويل موقعه الجغرافي إلى قوة ونفوذ. ونحن كيمنيين أحرار، نرفض جملةً وتفصيلاً أن يكون قرارنا بيد الآخرين، أو أن تُستخدم سواحلنا وممراتنا لخدمة مشاريع الصهاينة وحلفائهم، وعلى المرتزقة أن يدركوا ذلك شاءوا أم أبوا. إننا نريد يمناً يعرف قيمة موقعه ويمتلك قراره المستقل والقدرة على أن يقول "لا" حين يريد الآخرون منه أن يقول "نعم".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...