د. ناظم بن إبراهيم - صابر العبسيّ: صوتٌ فريد في الشعر العربيّ الحديث

رُبّما لنْ نُبالغ إذا قُلنا إنّ الشّعر العربيّ في زمننا الرّاهن يعيشُ عصر انحطاطٍ من نوع جديد، أو في أفضل الأحوال، "أزمة" كتابةٍ وتلقٍّ تُلقي بظلالها على المشهد الثقافيّ بشكلٍ عام، حتّى أنّنا نكادُ نجدُ أنفسنا أمام إشكاليّات تتجاوز الأسئلة المعتادة حول أسباب انحطاط "أوضاعنا" الشعريّة، أو أسباب رداءة ما يُكتب اليومَ من نصوص، نحو التساؤل عن موقع الشّعر من شَكْل الـمُعاصَرة الحاليّة الّتي نعيشها – أو ندّعي أنّنا نعيشها – وعن طبيعة علاقتنا بالشّعر في هذا الزمن الحضاريّ الرّاكد والمهزوم.
وعلى الرُّغم من أنّ الهزيمة الّتي يعيشُها العربُ منذُ ما سُمّي بصدمة الحَداثة أواخرَ القرن الثامن عشر، وصولًا إلى نهاية القرن العشرين، وما بينهما من تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة، لعلّ أهمّها نشأة الدّولة الأمّة إبّان معارك التحرّر الوطنيّ، قد ظلَّت طيلة هذه الفترة سببًا من أسباب – ويا للمفارقة – "انتصار" اتّجاهات فكريّة وأدبيّة وشعريّة جديدة حاولت بالانطلاق من واقعها التاريخيّ أن تؤسّس لحداثة إبداعيّة عربيّة غير معزولة عن هموم الإنسان العربيّ، ونابعة من الأسئلة الجماليّة الّتي يطرحها الأدب العربيّ نفسه، فإنّ ما سيحملهُ القرن الواحد والعشرين من تحوّلات، سيعصفُ بأغلب المكاسب الإبداعيّة الّتي تحقّقت في النصف الثاني من القرن العشرين، إلى درجة يكادُ يُصبحُ فيها الانتماء "الجماليّ" إلى قرننا الحاليّ أمرًا مُخجلًا، بل إنّنا كُلّما رغبنا في إشباع "حاجياتنا" الجماليّة، عادَ كلٌّ منّا دون أن يشعُر إلى تجارب القرن الماضي، كما لو أنّ ما يُكتب "الآن" غير قادر على تلبية هذه الحاجيات، أو على الأقلّ، لا يلبّيها بشكلٍ كافوإذا ما نظرنا في أسباب هذا العجز – عجز الشعر العربيّ الحاليّ عن تلبية حاجياتنا الجماليّة – سنجدُ أنفسنا أمام أزمة مركّبة يمكنُ أن نختزل ملامحها الأساسيّة في ثلاثة تحوّلات كُبرى، أولّها سياسيّ، وثانيها وسائطيّ، وثالثها جماليّ أمّا التحوّل السياسيّ، فيتمثّل في تغيُّر ما يُمكن أن نُسمّيه بـ"مراكز الريادة الحضاريّة" لصالح دول الخليج العربيّ، فبعدَ أن كان المشروع الثقافيّ العربيّ الحديث مُرتبطًا بأقطاب حضاريّة كُبرى مثل مصر وسوريا والعراق، نجحَ النفطُ الخليجيّ بعدَ تراجُع دور هذه الأقطاب الّتي حاربها الاستعمار، وأنهكتها الديكتاتوريّة، قبل أن تمزّقها الطائفيّة، في تغيير موازين الإشعاع الثقافيّ، وتحويل دول الخليج إلى دول "راعية" للثقافة بمعايير أوروبيّة في المستوى اللوجستيّ، ولكنْ تُراثيّة أو حداثويّة في المستوى الفكريّ.




وأمّا التحوّل الوسائطيّ، فيتعلّقُ بانهيار الوسائط التقليديّة لتلقّي الأدب والشعر مع الانفجار الرقميّ وسطوة فضاءات التواصل الاجتماعيّ الّتي غيّرت شكل الحياة الإنسانيّة المعاصرة، وتباعًا غيّرت محامل الكتابة وأشكال تلقّيها، لتتحوّل تدريجيًّا إلى فضاءات للادّعاء والـمُجاملة والتفاهة بعيدًا عن أيّ نقاش فعليّ حول الأسئلة الأدبيّة والجماليّة الحقيقيّة.
وأمّا التحوّل الجماليّ فمُتّصل بسطوة الترجمات الأدبيّة على المشهد الثقافيّ العربيّ. ولئن كان هذا الأمرُ إيجابيًّا من حيثُ الفائدةُ المترتّبة عن الاطلاع على التجارب العالميّة، فإنّ تأثيراته على الكتابة الأدبيّة عمومًا والشعريّة على وجه الخصوص تكادُ تكون كارثيّة، لا فقط من ناحية الأصالة الإبداعيّة الّتي تفقدها النصوص الشعريّة عندما تحاول تقليد هذه النماذج المترجمة، وإنّما أيضًا من ناحية التشوّهات الّتي يمكن أن تلحقَ بمكوّنات النصّ الشعريّ نفسه توقيعًا وتخييلًا.
ومع أنّ كلَّ تحوّل من هذه التحوّلات جديرٌ بأن يُفردَ بدراسة مفصّلة، فإنّ ما يُهمّنا هُنا هو فهم النتائج المترتّبة عنها، فلئن أدّى التحوّل السياسيّ إلى القضاء على الحُريّات الثلاث الّتي تقوم عليها أيّ عمليّة إبداعيّة (حريّة المبدع، وحريّة الناقد، وحريّة القارئ)، من جهة، وإلى انفصال المشروع الثقافيّ العربيّ عن قضايا التحرّر الوطني الّتي وُلِد من رحمها، من جهة ثانية، فقد أدّى التحوّلُ الوسائطيّ إلى تقويض معايير النقد الأدبيّ، وإلى زعزعة مكانة الشعر والشُّعراء في المجتمع، بينما أدّى التحوّلُ الثالث إلى انقسام المشهد الشعريّ العربيّ المعاصر إلى نوعيْن من "السلفيّة الشعريّة"، سلفيّة تراثيّةٌ ترى في عمود الشعر العربيّ القديم الشكلَ "الأمثل" للكتابة الشعريّة، وسلفيّة حداثويّة ترى في قصيدة النثر الإمكان الأوحد للإبداع الأدبيّ، على نحو أصبحَ فيه شعرُنا العربيّ المعاصر مجرّد إعادة إنتاج للشعريّة العربيّة القديمة في بُعدها العَروضيّ، أو رسكلة رتيبة لشعريّة الجُملة الاسميّة الغربيّة ولنوع من النثريّة الّتي لا تتأتّى من النصوص الشعريّة الغربيّة في حدّ ذاتها، وإنّما من انتقالها إلى اللّغة العربيّة بشكلٍ يُفقدها الإيقاع الخاصّ الّذي تأسّست عليه في لغتها الأصليّة.
وإذا كان من الضروريّ أن نذكّر هُنا بأنّ هذا الإقرار لا ينفي بالضرورة وجود تجارب شعريّة عموديّة ونثريّة محترمة، وبأنّ أزمة الشعر العربيّ المعاصر تتجاوزُ قضيّة الأشكال الأدبيّة، وبأنّ الإبداع الشعريّ ممكنُ في مختلف الأشكال، وبأنّ الشكل الّذي يختارهُ الشّاعر ليس هو ما يحدّدُ شعريّة نصّه من عدمها، بقدر ما تتحدّدُ هذه الشعريّة بالكيفيّة الّتي تعامل من خلالها الشّاعر مع الممكنات الجماليّة الّتي يتيحها الشّكل الّذي اختاره؛ فإنّ ما يعنينا من التطرّق إلى هاتيْن السلفيّتيْن هو الأثرُ المترتّب عن تحوّلهما إلى "مذهب" أو "إيديولوجيا" على المشهد الشعريّ العربيّ.
والإيديولوجيّات كما تعلمون، لا تنشأ "في الهواء" أو بمعزل عن حركة التّاريخ، مثلما لا تنشأ دون توفّر أساسها الاجتماعيّ والاقتصاديّ والطبقيّ. غير أنّ الإيديولوجيا الّتي حكمت المشهدَ الشعريّ العربيّ في العقود الثلاثة الأخيرة على الأقلّ هي اللّا إيديولوجيا، حتّى أنّ المشغل السياسيّ والاجتماعيّ أصبحَ تُهمة يتمُّ بمقتضاها التقليل من شأن أيّ كتابة شعريّة متّصلة بهموم النّاس، وبالأسئلة الحضاريّة والتاريخيّة الكبرى الّتي يواجهها الإنسان العربيّ، بل إنّ الحديث عن "إنسان عربيّ" وعن "شعر عربيّ" أصبح في حدّ ذاته مدعاة للاتّهام والتشكيك والسُّـخرية أمام النزعة القُطريّة الّتي أصبحت منتشرة في الأوساط الأدبيّة.
ومن وجوه إيديولوجيا اللّا إيديولوجيا هذه أيضًا، أن تصبح الكتابة الشعريّة العربيّة المعاصرة محكومة إمّا بالارتداد إلى وظائف الشعر وأغراضه التقليديّة، أو بالارتماء في مستنقعات الإسهال اللغويّ والتهويم الجماليّ المُفرغ من أيّ معنى.
إنّ الملمح الأساسيّ لأغلب شعرنا المعاصر هو إفراغهُ من أيّ وعي سياسيّ، وهذا الإفراغ لم يحدُث صُدفة، وإنّما كان نتاجًا لمجموعة من السياسات الثقافيّة الّتي تموّلها المؤسّسات الماليّة المهيمنة على المشهد الثقافيّ العربيّ، وبالأخصّ مع تحوّل المؤسسّات الماليّة من مؤسّسات"راعية" للمثقّفين والكتّاب والمبدعين، إلى مؤسّسات "تصنعُ" مثقّفين وكتّابًا ومبدعين من نمط وظيفيّ مخصوص، يخدم مصالحها ويعبّر عن "تصوّراتها".
ولسنا في حاجة إلى أن نذكّر هنا بأنّ حديثنا عن إفراغ شعرنا المُعاصر من أيّ وعي سياسيّ لا يعني الدعوة إلى تحويله إلى شعر "سياسيّ" أو "إيديولوجيّ" أو "حزبيّ" (على الرُّغم من حاجتنا الثقافيّة إلى ذلك أحيانًا)، فالشّعرُ أوّلًا وقبل كلّ شيء يظلُّ خطابًا جماليًّا، ولا معنى لأن نعوّض به أيّ نوع من أنواع الخطابات الأخرى، وأن يملك الشّاعرُ وعيًا سياسيًّا لا يعني أن يحوّل الملفوظ الشعريّ إلى ملفوظ سياسيّ، وإنّما يعني أن يكون للشّاعر تصوّرٌ ورؤية وموقف، وأن يكون على الأقلّ حُرًّا، وعلى الأقصى مسؤولًا عن هذه الحُريّة، لأنّ تحمُّل مسؤوليّة الحريّة يقعُ في مرتبة أعلى من تجربة الحريّة ذاتها، وبالأخصّ في واقعٍ تكون فيه "الرعاية" الماليّة والإعلاميّة والنقديّة مشروطة بالضرورة بأن "يراعي" الشّاعر الخطوط الحمراء الّتي يضعُها من "يرعاه".
لكنّ ما يميّز تاريخ الشّعر على الرُّغم من المحاولات المستمرّة لترويضه وقوْلبته، هو أنّه تأسّس دومًا على تجاوز هذه الخطوط وكسرها، وعلى التمرُّد على "تقاليد" الكتابة السّائدة، وعلى مساءلة اللّغة الّتي يقول بها العالمُ نفسه، كما أنّ الشُّعراء الّذين احتفظ التّاريخ بأسمائهم كانوا دومًا "شهودًا" على حوادث عصورهم، بالإضافة إلى أنّ تجاربهم كانت متّصلة اتّصالا وثيقا بأسئلة هذه العصور ومشاغلها، كما كانت معبّرة بشكل أو بآخر عن مواقف إنسانيّة وتاريخيّة إزاء هذه الحوادث. ومثلما ينطبقُ هذا الأمر على كبار شُعراء الحداثة الشعريّة العربيّة الّذين لم يكُن المشغلُ الجماليُّ لديهم معزولًا عن المشغل الذّاتيّ والفكريّ والسياسيّ والحضاريّ، فإنّهُ ينطبقُ أيضًا على ثُلّة من الشّعراء المعاصرين الّذين تتميّزُ تجاربهُم بهذا الوعي المركّب بقضايا الشعريّة من ناحية، وبما يطرحه عليهم وجودهم التّاريخيّ من أسئلة من ناحية أخرى، ومن بين هؤلاء الشُّعراء، الشّاعر التونسيّ صابر العبسي، وهو شاعر يبني بتؤدة تجربة إبداعيّة مميّزة تؤهّلهُ لأن يحتلّ موقعًا هامًّا من مدوّنة الشعر العربيّ المعاصر.



وإذا ما نظرنا في الخطوط العامّة والمرجعيّات الكُبرى الّتي تتأسّسُ عليها هذه التجربة، يمكن أن نقول إنّها تقوم على ثلاث ركائز أساسيّة هي: الامتداد، والاستئناف، والتجاوُز.
أمّا الامتداد، فمُرتبط بأنّها تجربة لا تقوم على أيّ ادّعاء للقطيعة النهائيّة مع التُّراث الشعريّ العربيّ، بقدر ما هي امتدادٌ له، ولكنّهُ ليس امتدادًا قائمًا على المطابقة، وإنّما على المغايرة، أي على الجمع بين الاعتراف بالآباء والأجداد من ناحية، والدّفاع عن حقّ الأبناء والأحفاد في إعادة صياغة شكل انتمائهم إلى مصادر أنفسهم من ناحية أخرى.
وأمّا الاستئنافُ، فيتعلّقُ بأنّها تنطلقُ من إعادة طرح الأسئلة الجماليّة والحضاريّة الّتي ولدت مع ما سُمّي بحركة الشعر الحُرّ، وهي أسئلة يدّعي البعضُ أنّها "لم تعُد صالحة" لتبرير فكرة مفادُها أنّ القصيدة الحُرّة أو قصيدة التفعيلة كما يُسمّيها الأكاديميّون قد استنفدت جميع ممكناتها الجماليّة، والحال أنّها مثّلتْ طيلة العقود الستة الأخيرة الشكلَ الشعريّ الأساسيّ الّذي تبلورت من خلاله أهمُّ تجارب الشعر العربيّ الحديث وأكثرها تميّزًا.
وأمّا التجاوز، فيتمثّلُ في أنّ تجربة صابر العبسيّ لا تطرحُ على نفسها إعادة "استنساخ" التجارب السابقة، بقدر ما تقوم على "محاورتها" بغاية تجاوزها، وهذا التجاوز الّذي يُمثّل شرطًا أساسيًّا في الإبداع، لا يتأتّى لديه من "فكرة جاهزة" عن الكتابة الشعريّة، بل هو نابعٌ من عمليّة الكتابة نفسها بوصفها نوعًا من الصيرورة (Un Devenir) الّتي لا يعودُ الشّاعر نفسهُ بعدهَا مطابقًا لذاته القديمة الّتي هي ليست شيئًا آخر غير لُغته، ذلك أنّ مَن يكتُب ليتجاوز شكلَ الخطاب الّذي وجدَ عليه العالَم عندَ "قدومه"، لا يمكن أن يفعل ذلك إلّا بإعادة صياغة شكل الخطاب الّذي يقولُ به ذاته.
يكتبُ صابر العبسيّ إذن امتدادًا واستئنافًا وتجاوزًا، وبالاعتماد على هذه الركائز الثلاث، نجحَ تدريجيًّا في نحت صوْته الخاصّ، وفي بناء تجربة ذات خصائص مميّزة بالمقارنة مع ما يُكتب في المشهد الشعريّ العربيّ بشكل عام، ومع جيله على وجه الخصوص. وبعد أن أثبت هذا التميُّز الإبداعيّ من خلال مجموعته الأولى "الوردةُ في منديل أبيض" المنشورة عن دار زينب سنة 2014، ومجموعته الثانية "أجملُ ما فيك لا يقبلُ الترجمة" المنشورة عن دار ديار سنة 2019، وقصيدته – الكتاب "الخزّافُ النابليّ" المنشورة عن دار ميارة سنة 2020، ها هو يُدعّم تجربتهُ الإبداعيّة بهذا الكتاب الشعريّ الرّابع "الجنـرالُ الّذي أسقطت عرشهُ عربة" عن دار أركاديا للنشر.
بداية من العنوان، يدفعُنا هذا الكتاب إلى استحضار المرجع التاريخيّ الّذي يُحيل عليه، إذْ لا نحتاجُ إلى مجهود تأويليّ كبيـر كي نفهم أنّهُ يحيلُ على الانتفاضة الشعبيّة الّتي شهدتها تونس، والّتي انطلقت شرارتها الأولى من مدينة سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر 2010 عندما أقدم البائع المتجوّل الشّاب محمد البوعزيزي على إحراق نفسه، بعد مصادرة عربته من قبل الشرطة، قبل أن تتحوّل حركة الاحتجاج ضدّ الظلم والفساد والبطالة والتهميش إلى مظاهرات شعبيّة حاشدة مُطالِبة برحيل النظام، وتؤدّي إلى سقوط الجنرال زين العابدين بن علي يوم 14 جانفي 2011.
لكن، هل يعني هذا أنّنا أمام كتاب يضمُّ نصوصًا "تسـجيليّة" يسعى من خلالها الشاعر إلى "التأريخ" لوقائع الثورة التونسيّة؟
نعم، ولا.
نعم، لأنّهُ يُمثّلُ – فيما اطّلعنا – أوّل عمل شعريّ مُتكامل يُعالج موضوع الثورة التونسيّة من هذه الزاوية، أي من الزاوية الّتي يتحوّل فيها الحدثُ التاريخيُّ نفسه إلى حدث شعريّ – دراميّ، لا فقط لأنّ الثورة هي في حدّ ذاتها عملٌ إبداعيّ، وإنّما أيضًا لأنّ جانبًا هامًّا من تاريخ الشعر تأسّس على القدرة العجيبة الّتي يمتلكُها الشعراء في التقاط اللّحظات التاريخيّة الكبرى وتحويلها إلى عمل فنّي. وقد نجحَ صابر العبسيّ في هذا المستوى، بل ومن خلال هذا العنوان السهل الممتنع فحسب، أن يُكثّف وقائع الثورة برُمّتها في هذا التقابُل الدلاليّ الهائل بين صورة الجنرال وما تستدعيه من معان قمعيّة في مخيالنا الجمعيّ، وصورة العربة بكُلّ ما تحملهُ من مضامين اجتماعيّة وطبقيّة وتاريخيّة.
ولا، لأنّ الإحالة الفنيّة المباشرة على المرجع التاريخيّ تقفُ عند هذا الحدّ، ولأنّ الغاية من هذا الكتاب كما سنرى أكبر من أن تنحصر في كتابة مجرّد نصوص "سياسيّة" عن الثورة، وهو أمرٌ انكبّ عليه شعراء كثيرون في العقد الأخير دون أن ينجحوا في إعطاء هذا الحدث السياسيّ مضمونًا جماليًّا مناسبًا.
ينطلقُ هذا الكتابُ الشعريّ إذن من حدث اجتماعيّ – سياسي فارق في التاريخ التونسيّ والعربيّ المعاصر، ولكنّهُ لا يحملُ على عاتقه مسؤوليّة "التأريخ" لما حدث، بقدر ما يسعى إلى معالجة هذا الواقع التاريخيّ جماليًّا من خلال ثيمة "الجنرال"، وهي ثيمةٌ وإنْ كانت حاضرة في قصائد أخرى منشورة للشّاعر، فإنّها تحضرُ في هذا الكتاب بوصفها استعارة مركزيّة تمثّل خيطًا ناظمًا لجميع قصائده، الأمر الّذي يُسوّغ إدراج هذا العمل ضمن توجّه في الكتابة الشعريّة يتخيّرُ من خلاله الشّاعر موضوعًا تدور حوله جميع قصائد الكتاب، ولكن من "زوايا نظر" مُختلفة، وبتنويعات فنيّة متعدّدة. وهو توجّهٌ يزيدُ من صعوبة مهمّة الشاعر، ولكنّهُ يؤكّد من ناحية أخرى مدى رحابة الممارسة الشعريّة، وما تتيحه من ممكنات لا نهائيّة لمقاربة الموضوع الواحد بطرُق مختلفة.
غير أنّ هذا الإقرار بوحدة الموضوع وتعدّد المعالجات الفنيّة في هذا الكتاب، لا يعني أنّنا أمام فكرة رتيبة واحدة تتكرّر داخل "قوالب" فنيّة مختلفة، بقدر ما يعني حضور ثيمة الجنرال نفسها بوصفها قناعًا لعدد لا نهائيّ من الشخوص والمواضيع.
إنّ "الجنرال" في هذا الكتاب هو "مُفردٌ بصيغة الجمع"، كما أنّهُ ليسَ شـخصًا بقدر ما هو فكرة سكنت وما تزالُ تسكنُ الإنسانَ العربيّ. إنّهُ الأب الشرقيّ الصارمُ، والشُّرطيّ، والفقيه. إنّهُ الحذاءُ العسكريّ، والبنايات الصفراء، ومؤسّسات الرقابة. إنّهُ الرغبة المكبوتة، والأحلام المبتورة. إنّه غياب الفرد في أفقنا الحضاريّ، وانتصار الجماعة والإجماع، والفهم الواحد، والتأويل الأوحد، والأفكار الجاهزة. إنّهُ القطيع المُمتثل العاجز. إنّهُ قدرٌ تراجيديٌّ موحش يحيط به بهرج من الشعارات والتصفيق المستمرّ. إنّهُ "نعم" جماعيّة ذليلة قادرة على محق أيّ "لا" تحاول رفع رأسها بين الحشود، كما أنّهُ لا يقيمُ "خارجنا" فحسب، بل في دواخلنا أيضًا، فـ"كلٌّ منّا في داخله جنرالٌ مّا" يتأهّبُ للخروج في اللّحظة "المناسبة".
غير أنّ مأساة مَن يحملُ الجنرال في داخله، هي أنّه يحملُ بالضرورة نقيضهُ معهُ، فالجنرالُ الّذي يجعلُنا نستبدُّ ونقتُل، هو نفسه الجنرال الّذي يجعلُنا نُصفّق لمن يستبدُّ ويقتُل. وقد نجحَ صابر العبسيّ في تحويل هذا التناقض الدّاخليّ إلى أساس دراميّ لنصوص هذا الكتاب، حيثُ ينظرُ الجلّادُ إلى وجهه في المرآة، فلا يرى غير الضـحيّة، وتنظرُ الضـحيّة إلى وجهها في المرآة فلا ترى غير الجلّاد، وبالاعتماد على لُعبة المرايا هذه، نجحَ الشّاعرُ في تجاوز علاقات الصّراع النمطيّة والتقليديّة بين "الخير" و"الشرّ"، نحو أفق إبداعيّ يعالجُ مُشكلة الحريّة من منظور أكثر إنسانيّة. وقد تسنّى لهُ ذلك بالاعتماد على الجمع بين المأساة والملهاة، وعلى توظيف مُتقن لتقنيات السّرد وما يستتبعها من ممكنات إيقاعيّة، دون التخلّي عن نصيب من الغنائيّة (Lyrisme) الّتي لا تتأتّى ممّا تتلفّظ به "الأنا – الأصل" وإنّما من "أنوات" متعدّدة "تتكلّم بنفسها" داخل أفق حواريّ (Polyphonique) يسمحُ يتعدّد الأصوات داخل القصيدة الواحدة، ورُبّما سيكون من المفيد أن نتناول مختلف هذه الجوانب الأسلوبية بشكل أكثر دقّة واطّرادًا في دراسة نقديّة لا يتّسعُ لها مقامُ التقديم هذا.
صابر العبسيّ صوتٌ فريد في الشعر العربيّ الحديث.
رُبّما تُزعجُ هذه الجملة جنرالات كثيرين في مشهدنا الأدبيّ والنقديّ من أولئك الّذين لا يعترفون بالشعراء إلّا في جنازاتهم، ولكنّها تظلُّ مُعبّرة عن رأي خاصّ وذاتيّ أبديْتهُ وسأبديه دومًا إزاء شاعر وإنسان استثنائيّ وهب حياته لمشروعه الإبداعيّ، وإزاء تجربة تعكسُ جُهدًا ومكابدة يوميّة من أجل أن يظلَّ شعرنا العربيّ المعاصر جديرًا بالدرس والاهتمام.

ناظم بن إبراهيم
شاعر ومترجم تونسيّ وباحث مختصّ في الحضارة وتاريخ الأديان
أستاذ اللغة والآداب العربيّة (جامعة قرطاج).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...