عبدالمنعم الهراق - من هو ابو سلمى ؟؟🤔🤔

لسنوات طويلة، كنتُ مولعا بحل الكلمات المسهّمة التي تنشرها جريدة الاتحاد الاشتراكي.
لم تكن بالنسبة إليّ مجرد لعبة لتزجية الوقت؛ كانت درسا صغيرا في اللغة، يضعك أمام المترادفات والأضداد، ويقودك من كلمة إلى أخرى، حتى تجد نفسك مضطرا إلى فتح المعاجم والقواميس بحثا عن كلمة استعصت عليك.
في الأيام العادية، كنتُ أخرج منها منتصرا في الغالب، أما تلك التي كانت تنشر في عطلة نهاية الأسبوع والأعياد، فكانت شيئا آخر... ألغازا لغوية لا ترحم، كثيرا ما كنتُ أستسلم أمامها، وأترك بعض مربعاتها بيضاء، وفي نفسي شيء من الهزيمة.
وكانت تلك الشبكات تحمل توقيعا غامضا: أبو سلمى .
والغريب أنني، طوال تلك السنوات، لم أسأل نفسي سؤالا بسيطا كان ينبغي أن أسأله: من هو أبو سلمى؟
مرت السنوات، وبقي الاسم عالقا في الذاكرة، إلى أن عرفتُ أخيرا أن وراءه اسما حقيقيا، وأن "أبو سلمى " لم يكن مجرد توقيع عابر، لكنه كان يخفي وراءه شخصية أدبية وعلمية مدهشة: الدكتور عبد القادر وساط Abdelkader Ouassat Abousalma ؛ الشاعر والأديب والطبيب المتخصص في الأمراض العقلية.
وُلد بنواحي اليوسفية، وعشق الأدب، لكنه اختار دراسة الطب ؛ كتب الشعر، لكنه تهيّب من نشره، وكأن الشعر عنده ليس كلاما يُكتب فحسب، وإنما مسؤولية ثقيلة أمام اللغة وأمام نفسه.
ولعل أجمل ما في حكايته أن الاسم الذي اختاره لتوقيع شبكات الكلمات لم يكن اسما مستعارا بعيدا عنه؛ لقد أخذ اسم ابنته "سلمى"، وجعل منها جسرا بينه وبين القراء.
كان يشتغل على أكثر من جبهة: في الطب النفسي، وفي الأدب، وفي اللغة، وفي الترجمة، وترك آثارا في مجالات متعددة.
ومن الأعمال التي ارتبطت باسمه، إلى جانب مشاركاته في مشاريع موسوعية كبرى، مجموعة "عينان واسعتان"، و"النمر العاشب"، و"رأسي فندق للشعراء"، و"مستشفى مارتا"، و"الخيول لا تموت تحت السقف" بالاشتراك مع القاص أحمد بوزفور. كما أشرف، بمعية عدد من الكتاب والمبدعين المغاربة، على موسوعتي "المعارف الحديثة"والصفوة" للناشئة؛ وهي أعمال تكشف عن رجل لم يكن يرى المعرفة جزرا منفصلة، لكنه عالما واسعا تتجاور فيه الآداب والفنون والعلوم والتاريخ والطب واللغة.
بقي "أبو سلمى" بالنسبة إليّ، سنوات طويلة، مجرد رجل مجهول يملأ مربعات الجرائد بالكلمات ؛ ثم اكتشفت، بعد كل هذا الوقت، أنني كنتُ أتعلم منه اللغة دون أن أعرف اسمه.
يا لها من مفارقة جميلة ، كنتُ أبحث عن الكلمات في الشبكة،
بينما كان صاحب الشبكة نفسه مختبئا وراء كلمة واحدة: أبو سلمى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...