عبد علي حسن - * قول على قول...

( كل شاعر على وجه الأرض لاتتساوى قصائدهُ في القيمة والمستوىٰ ، كل شاعرٍ تتفاوت قصائدهُ )
الدكتور محمد حسين ٱل ياسين

* ينطوي القول السالف للدكتور ٱل ياسين على جانب كبير من الأهمية والواقعية أيضاً ، وغالباً مايتم تداوله في الأوساط الشعرية والنقدية ، ولا ضير في خوض غمار البحث والاستقصاء للوقوف على أسباب هذه الظاهرة على مستوى شعرية الكتابة ذاتها .
وأرى أن عدم تساوي قصائد الشاعر الواحد في القيمة ليس أمراً عرضياً، بل هو جزء من طبيعة الإبداع نفسه. فالشاعر لا يكتب دائماً من الدرجة نفسها من التوتر والرؤية والقدرة على تحويل التجربة إلى بنية شعرية. وقد نجد شاعرًا كبيرًا له قصائد لا ترقى إلى مستوى تجربته، كما نجد له قصيدة واحدة تتجاوز أحياناً معظم ما كتب.
والسبب، في رأيي، يمكن اختزاله في أن القيمة الشعرية تتولد من تآزر عدة شروط في لحظة الكتابة، ولا تتوافر هذه الشروط بالدرجة نفسها في كل قصيدة. فهناك أولاً درجة حضور التجربة: ليست كل التجارب التي يكتب عنها الشاعر عميقة أو ضاغطة بالقدر نفسه. وهناك درجة التوتر الشعري؛ إذ قد تكون الفكرة مهمة، لكن الطاقة الشعرية التي تصوغها تكون محدودة. ثم تأتي اللغة؛ فقد يمتلك الشاعر رؤية جيدة، لكنه لا يجد لها في بعض النصوص اللغة الأكثر كثافة وإيحاءً. وكذلك البناء: قد تبدأ القصيدة من نواة شعرية قوية ثم لا تستطيع المحافظة على توترها حتى النهاية، فتفقد شيئاً من قيمتها بسبب الترهل أو التكرار أو الاستطراد.
و أضيف سبباً أراه أكثر أهمية: أن الشاعر نفسه لا يكون حاضراً بالدرجة ذاتها في جميع قصائده. ففي القصيدة القوية يحدث نوع من التطابق النادر بين وعي الشاعر وتجربته ولغته وإيقاعه الداخلي، بحيث تبدو القصيدة وكأنها اكتشفت شكلها بنفسها. أما في القصيدة الضعيفة فقد يكون الشاعر هو الذي يقود اللغة بصورة واعية ومقصودة أكثر مما ينبغي، فتظهر الصنعة ولا تبلغ القصيدة ذلك المستوى من الضرورة.
ولهذا لا أظن أن شهرة الشاعر أو نضج تجربته يضمنان قوة كل قصائده؛ لأن الشعر ليس حصيلة مستوى ثابت، وإنما هو لحظة إبداعية متغيرة. وربما لهذا السبب تحديداً يكون الحكم على الشاعر من خلال أفضل قصائده أكثر إنصافاً من الحكم عليه من خلال متوسط إنتاجه.
إذ لا تتحدد قيمة الشاعر بمستوى تجربته الكلية، وإنما بمقدار ما تنجح كل قصيدة في تحقيقه من التقاء التجربة بالرؤية واللغة والبناء؛ ولذلك قد يكون للشاعر الواحد شعر عظيم، وشعر عابر، لأن الشعرية ليست صفة ثابتة في الشاعر، بل حالة تتشكل داخل النص.

عبد علي حسن

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...