الانتخابات الفلسطينية بين استحقاق الشعب وحسابات التأجيل

الانتخابات الفلسطينية بين استحقاق الشعب وحسابات التأجيل

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

تتزايد في الأوساط الفلسطينية الأسئلة حول مصير الانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وسط حديث متصاعد عن احتمال تأجيلها، في وقت تواصل فيه لجنة الانتخابات المركزية استعداداتها المهنية والقانونية واللوجستية لإنجاز الاستحقاق في موعده.

ومن الضروري هنا التمييز بين المعلومات المؤكدة والتقديرات السياسية والتسريبات الإعلامية. فلا يجوز الجزم بأن قرار التأجيل قد اتُّخذ ما لم يصدر قرار رسمي، لكن من حق الرأي العام أن يناقش بجدية تداعيات أي خطوة من هذا النوع، وأن يسأل: من يملك قرار التأجيل؟ وما أسبابه؟ وما البديل؟ ومتى تعود العملية الانتخابية إلى مسارها؟

في المقابل، تستحق لجنة الانتخابات المركزية الإشادة بجهودها المتواصلة للتحضير للعملية الانتخابية، وبالتزامها الحياد والاستقلالية المهنية. فاللجنة ليست طرفاً سياسياً، ولا ينبغي تحميلها مسؤولية الخلافات السياسية أو تحويلها إلى غطاء لأي قرار سياسي. مهمتها إدارة الانتخابات وفق القانون وبأعلى درجات النزاهة والشفافية، وعلى القوى السياسية أن تحترم استقلالها وأن تترك لها المجال للقيام بواجبها بعيداً عن الضغوط والتجاذبات.

التأجيل ليس مجرد قرار إداري

إن الانتخابات ليست مجرد استحقاق لاختيار أعضاء مجلس تشريعي، وإنما مدخل لإعادة بناء الشرعية وتجديد المؤسسات واستعادة ثقة المواطن.

ومن هنا، فإن أي تأجيل، إذا أصبح ضرورة قاهرة، يجب ألا يتحول إلى تأجيل مفتوح، ولا إلى قرار منفرد يفتقر إلى التوافق الوطني. المطلوب أن تكون أسبابه واضحة ومعلنة، وأن يستند إلى أساس قانوني، وأن يحدد موعداً بديلاً قريباً وملزماً.

أما استخدام عقبات فنية أو سياسية لتبرير قرار لم يُتخذ على أساس مهني، فسيكون من شأنه الإضرار بثقة المواطن بالمؤسسات وبالعملية الديمقراطية.

الاحتلال لا ينبغي أن يقرر مستقبل الديمقراطية الفلسطينية

لا يمكن تجاهل أن الاحتلال الإسرائيلي قادر على عرقلة الانتخابات، خصوصاً في القدس، كما يمكن أن تواجه العملية الانتخابية قيوداً على الحركة واعتداءات من المستوطنين وظروفاً استثنائية في قطاع غزة.

لكن السؤال الجوهري هو: هل نسمح للاحتلال بأن يقرر متى ينتخب الفلسطينيون ومتى لا ينتخبون؟

إذا منع الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس، فالمطلوب تحويل ذلك إلى معركة سياسية وقانونية ودبلوماسية دولية من أجل حق المقدسيين في المشاركة، لا إلى مبرر لتعليق حق ملايين الفلسطينيين في انتخاب ممثليهم.

وإذا وقعت اعتداءات أو عراقيل، فيجب توثيقها ورفعها إلى المجتمع الدولي وتحميل الاحتلال المسؤولية عنها، لا مكافأة من يحاول تعطيل العملية بإلغاء الانتخابات.

هل المشكلة في الانتخابات أم في نتائجها؟

هنا يجب أن يكون النقاش أكثر صراحة.

الانتخابات الحرة تعني أن النتائج ليست مضمونة مسبقاً، وأن الناخب يمتلك حق المكافأة والمحاسبة والتغيير. ومن الطبيعي أن تختلف التوقعات بين القوى السياسية، لكن الديمقراطية تفقد معناها إذا أصبح القبول بها مرتبطاً بنتائج الصندوق.

وعلى حركة فتح، باعتبارها حركة وطنية تاريخية، أن تنظر إلى الانتخابات باعتبارها فرصة للمراجعة والتجديد واستعادة الثقة، لا باعتبارها تهديداً. وإذا ظهرت قوائم أو شخصيات تحمل رؤى مختلفة، فإن الإجابة الأفضل ليست الإقصاء أو التخوين، وإنما الحوار والنقد الذاتي ومعالجة أسباب التباين.

فالقيادة السياسية القوية هي التي تستطيع أن تسمع النقد، وتستوعب الاختلاف، وتحترم إرادة الناخب.

الرئاسة ومسؤولية القرار

إذا أصبح التأجيل مطروحاً بصورة جدية، فإن المسؤولية السياسية تقع على صاحب القرار، وليس على لجنة الانتخابات المركزية.

فاللجنة مؤسسة مهنية مستقلة، ومهمتها أن تنفذ القانون وتوفر الظروف الفنية لإجراء الانتخابات، بينما القرار السياسي المتعلق بالتأجيل يجب أن يتحمل مسؤوليته من يتخذه، مع تقديم أسبابه للرأي العام والقوى السياسية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الشفافية: لا يجوز أن تتحول المؤسسات المهنية إلى واجهة لقرار سياسي، ولا أن يتحول الاحتلال إلى ذريعة لتعليق الحياة الديمقراطية الفلسطينية.

الشعب هو مصدر الشرعية

إن فلسطين أكبر من أي فصيل، وأكبر من فتح وحماس، وأكبر من أي قائمة أو شخص.

وإذا كان ثمة ظرف قاهر يمنع إجراء الانتخابات في موعدها، فليكن ذلك موضع حوار وطني واسع، وبقرار معلن، وضمن مدة زمنية محددة.

أما إذا كانت المخاوف تتعلق بنتائج الصندوق، فالحل ليس بتأجيل الصندوق، وإنما باحترام إرادة الشعب.

فالشرعية لا تُمدد بالتأجيل، ولا تُصنع بالتعيين، ولا تُستعاد بإعادة توزيع المواقع؛ وإنما تتجدد بثقة الناس.

ولهذا، فإن الأولوية اليوم يجب أن تكون دعم لجنة الانتخابات المركزية وتمكينها من أداء مهمتها بحياد واستقلال، والاستعداد لإجراء الانتخابات في موعدها، ومعالجة العقبات الحقيقية بالحوار والقانون، وتحويل أي تدخل أو تعطيل إسرائيلي إلى قضية دولية.

فالشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل الحرية والاستقلال لا ينبغي أن يُطلب منه أن يتنازل عن حقه في اختيار ممثليه. والانتخابات، في هذه المرحلة، ليست مجرد صناديق اقتراع؛ إنها اختبار حقيقي لاحترام إرادة الشعب وتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية ووطنية جامعة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...