لم تكن الحرب السورية بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين عاشوا في سوريا منذ النكبة حرباً تخصهم وحدهم، لكنها أصبحت، شيئاً فشيئاً، حرباً تخص مصيرهم مباشرة. دخل الفلسطيني السوري إلى عام 2011 وهو يحمل تاريخاً مختلفاً عن تاريخ الحرب التي ستندلع من حوله. جاء أبوه أو جده إلى سوريا لاجئاً من فلسطين عام 1948، أو جاء هو نفسه في موجة اللجوء الثانية بعد 1967، ثم نشأ في مخيمات ومدن لم تعد بالنسبة إليه مجرد أماكن إقامة مؤقتة، بل تحولت، على امتداد أكثر من سبعة عقود، إلى فضاءات للحياة: بيوت، ومدارس، ومهن، وأحياء، وأسواق، ومقابر، وصداقات، ومصاهرات، وذكريات، وأجيال كاملة ولدت ولم تعرف فلسطين إلا من خلال رواية الآباء وصور البيوت والمفاتيح والقرى التي تركوها خلف الحدود. وقبل اندلاع الحرب السورية، كان في سوريا أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني مسجل لدى الأونروا، موزعين على مخيمات وتجمعات مختلفة، وكان اليرموك وحده موطناً لنحو 160 ألف فلسطيني، وتحول من مخيم للاجئين إلى مركز اجتماعي واقتصادي وثقافي بالغ الأهمية، حتى صار يُعرف على نطاق واسع بأنه «عاصمة اللاجئين الفلسطينيين» في سوريا. لكن الفلسطيني السوري دخل الحرب وهو يحمل عبئاً إضافياً لا يحمله السوري وحده: أنه لاجئ في بلد أصبح وطن حياته، من دون أن يصبح وطنه الأصلي. وهذه ليست مفارقة لغوية. إنها جوهر المسألة كلها.
ربما يكون أول ما ينبغي تصحيحه في قراءة التجربة الفلسطينية في سوريا هو الطريقة التي تُطرح بها مسألة الجنسية. فالفلسطينيون في سوريا لم يجعلوا من الحصول على الجنسية السورية مطلباً سياسياً تاريخياً. لم تكن قضيتهم أن يُمنحوا جنسية لم يطلبوها، ولا أن يتحولوا من فلسطينيين إلى سوريين، ولا أن يُغلق ملف فلسطين بالنسبة إليهم باسم الاندماج أو الاستقرار. كان المطلوب شيئاً آخر تماماً: أن يعيش الفلسطيني في سوريا حياة عادلة وكريمة، من دون أن يُطلب منه أن يدفع ثمنها من هويته أو حقه في فلسطين. كان يريد أن يكون فلسطينياً في الهوية والتاريخ والحق، وسورياً في الحياة اليومية بالقدر الذي يجعل البيت بيتاً، والمدرسة مدرسة، والعمل عملاً، والحي حياً، والجيرة جيرة، والكرامة كرامة. كان يريد عدالة الوجود. وهذه العبارة، في تقديري، أكثر دقة من الحديث عن «نقص المواطنة» أو «حرمان الجنسية». لقد نشأت في سوريا معادلة شديدة الخصوصية: حقوق مدنية واجتماعية واسعة للفلسطينيين، مع بقاء الصفة الفلسطينية وعدم التحول إلى مواطنين سوريين. وكان الإطار القانوني والسياسي لهذا الوجود مختلفاً عن مجرد «إقامة مؤقتة»، فقد عاش الفلسطينيون في سوريا لعقود داخل المجتمع السوري مع الحفاظ على صفتهم كلاجئين فلسطينيين. لكن المسألة الفلسطينية لم تكن في جوهرها رغبة في الانتقال من خانة «الفلسطيني» إلى خانة «السوري». كانت المسألة أن لا يتحول عدم امتلاك الجنسية إلى ذريعة لانتقاص الكرامة، وأن لا يتحول التمسك بفلسطين إلى سبب للحرمان من الحياة. كان الفلسطيني يريد أن يقول، من خلال وجوده: أنا فلسطيني، ولذلك لا أريد أن أصبح سورياً بديلاً عن فلسطين؛ لكنني أعيش في سوريا، ولذلك لا أريد أن أُعامل كغريب فيها. وهذه هي معادلة عدالة الوجود. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا لم يصبح الفلسطيني سورياً؟ بل: هل استطاعت سوريا أن تمنح الفلسطيني عدالة وجوده طوال عقود اللجوء، من دون أن تطلب منه التخلي عن فلسطين؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً عندما نقرأ كل ما حدث بعد 2011.
وثمة خطأ آخر في قراءة التجربة الفلسطينية في سوريا، وهو اختزالها في المخيم. فالمخيم لم يكن بالنسبة إلى الفلسطيني السوري مجرد مساحة سكنية أنشأتها وكالة غوث اللاجئين. ومع مرور العقود، تشكل مجتمع فلسطيني كامل حول المخيمات وفي المدن وخارجها. لم يعد اليرموك مجرد مخيم. ولم يعد النيرب مجرد مخيم. ولم تعد خان الشيح أو درعا أو حمص أو حندرات أو سبينة أو عين التل مجرد عناوين في سجلات الأونروا. لقد أصبحت هذه الأمكنة خرائط لحياة فلسطينية تشكلت داخل سوريا. وفي اليرموك خصوصاً، نشأ عالم اجتماعي كامل. كانت الفصائل موجودة، والمدارس موجودة، والمهن والأسواق موجودة، والجامعات قريبة، والعلاقات مع دمشق ومحيطها شديدة الكثافة. وتكشف شهادات من داخل المخيم أن الانتماءات الفصائلية نفسها كانت، قبل الحرب، متجاورة إلى حد كبير، وأن العلاقات الشخصية والاجتماعية تجاوزت الانقسامات السياسية. فحتى مع وجود فصائل شديدة القرب من النظام، كانت العلاقات اليومية بين أتباع الفصائل المختلفة ودية في أحيان كثيرة قبل الانتفاضة. هذه النقطة شديدة الأهمية. لأن من يتعامل مع الفلسطينيين في سوريا باعتبارهم «فصائل» فقط، يخطئ في تعريف المجتمع الذي دخل الحرب. كان هناك فلسطيني فتحاوي، وحمساوي، وشيوعي، ويساري، وإسلامي، وموالٍ للنظام، ومعارض للنظام، ومستقل، وغير مسيّس، وشخص لا يريد أن يعرف شيئاً عن السياسة أصلاً. وكان هناك، قبل كل ذلك، الفلسطيني الذي يريد أن يعيش. وهذا الأخير هو الذي يجب ألا يختفي خلف خرائط الفصائل.
عندما اندلعت الاحتجاجات السورية عام 2011، لم يكن الموقف الفلسطيني واحداً، لكن المفارقة أن الموقف الأول الغالب كان أقرب إلى الابتعاد عن الصراع. لم يكن ذلك حباً في النظام بالضرورة، كما أنه لم يكن رفضاً للثورة بالضرورة. كان الخوف من شيء آخر. كان الفلسطينيون يعرفون من تجارب لبنان والكويت والعراق أن دخول الفلسطيني في صراعات البلدان التي تستضيفه قد يؤدي إلى كارثة تتجاوز قدرته على الاحتمال. وكانت الذاكرة الفلسطينية مثقلة بما يكفي: صبرا وشاتيلا، تل الزعتر، حرب المخيمات، مأساة الكويت، ثم مأساة الفلسطينيين في العراق. لهذا نشأ داخل مخيمات سوريا، وفي اليرموك بصورة خاصة، توافق واسع على ضرورة إبقاء المخيمات خارج الصراع السوري. وتؤكد شهادة نضال بيتاري المنشورة في «مجلة الدراسات الفلسطينية» أن الغالبية العظمى من الفلسطينيين في البلاد، أفراداً وفصائل، كانت في بداية الانتفاضة مصممة على الحياد، وأن هذا الموقف كان مدفوعاً بذاكرة التجارب الفلسطينية السابقة والخوف من أن يؤدي الانخراط إلى كارثة جديدة. كان المنطق بسيطاً: إذا دخلت الحرب إلى المخيم، فلن يبقى المخيم. لكن هذه الفكرة اصطدمت بحقيقة أكثر قسوة: المخيم يستطيع أن يقرر الحياد، لكنه لا يستطيع أن يفرضه على الأطراف المسلحة.
وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة لا يجوز القفز فوقها. لم يكن الفلسطينيون في سوريا كتلة سياسية واحدة. بعض الفصائل اختار الوقوف إلى جانب النظام، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين–القيادة العامة، وفصائل أخرى مرتبطة بدمشق. وفي المقابل، اتخذت حماس موقفاً مختلفاً مع تطور الأحداث، وانخرط فلسطينيون أفراد في الاحتجاجات والثورة، بينما اختارت فصائل أخرى الحياد. وهناك فلسطينيون قاتلوا. وهناك من عمل في أجهزة النظام. وهناك من شارك في الدفاع عن المخيمات. وهناك من وقف إلى جانب المعارضة. وهناك من لم يفعل شيئاً سوى محاولة حماية أسرته. وهناك من أغلق الباب على نفسه. وهناك من هرب. وهناك من لم يستطع الهرب. وهناك من مات. وهنا يجب أن نضع فاصلاً أخلاقياً ومنهجياً حاسماً: المسؤولية يجب أن تتبع الفعل، لا الهوية. من شارك في القمع يتحمل مسؤوليته. ومن شارك في التعذيب يتحمل مسؤوليته. ومن قاتل إلى جانب النظام يتحمل مسؤوليته. ومن ارتكب انتهاكات في صفوف المعارضة يتحمل مسؤوليته. ومن ارتكب جرائم باسم الإسلام أو الثورة أو فلسطين يتحمل مسؤوليته. لكن لا توجد قاعدة أخلاقية أو تاريخية تسمح بتحويل مسؤولية الأفراد أو الفصائل إلى مسؤولية جماعة فلسطينية بأكملها. وهذه ليست محاولة لتبرئة أحد. بل هي محاولة لمنع الكذب على التاريخ. فالمصادر التي تناولت اليرموك من الداخل تظهر بوضوح أن الغالبية الفلسطينية كانت ترى في الحياد ضرورة لحماية المجتمع، وأن القوى التي اختارت الاصطفاف كانت تمثل مواقف محددة داخل مجتمع أوسع وأكثر تنوعاً.
الحياد في الحروب لا يحمي صاحبه دائماً. بل قد يصبح، في بعض اللحظات، أكثر المواقف خطراً. فالنظام كان يريد من المخيمات أن تثبت ولاءها. والمعارضة كانت تريد أن تدخلها وتستفيد من موقعها. والفصائل الفلسطينية كانت تريد، بدرجات متفاوتة، الحفاظ على مواقعها. أما المدني الفلسطيني فكان يريد شيئاً أبسط: أن لا تتحول شوارع المخيم إلى جبهة. لكن المخيم لم يعد يملك قرار نفسه. وتكشف الشهادات الداخلية أن السلاح بدأ يدخل إلى اليرموك من قوى موالية للنظام، وأن مجموعات معارضة سعت بدورها إلى استقطاب الفلسطينيين والدخول إلى المخيم، فيما أخذت قدرة المبادرات الفلسطينية على فرض الحياد بالتآكل. وتشير شهادة بيتاري إلى أن ائتلافاً شبابياً فلسطينياً حاول الحفاظ على حياد اليرموك، لكنه انهار في النهاية لأنه لم يمتلك الوسائل لحماية القرار الذي اتخذه. وهنا وقع الانقلاب: من كان يريد البقاء خارج الحرب أصبح متهماً بأنه مع هذا الطرف أو ذاك. ومن حاول أن يحمي المخيم من دخول السلاح وجد نفسه أمام السلاح. ومن رفض القتال وجد أن القتال دخل بيته. ومن حاول أن يغادر وجد الطريق مغلقاً. ومن بقي أصبح محاصراً. ومن نجا من الحصار أصبح نازحاً.
في ديسمبر/كانون الأول 2012، انفجرت المعارك في اليرموك بصورة واسعة. كان في المنطقة نحو 160 ألف لاجئ فلسطيني. وخلال فترة قصيرة، أدت المعارك والقصف واستخدام الأسلحة الثقيلة إلى نزوح جماعي من اليرموك، ثم دخل المخيم لاحقاً في واحدة من أكثر مراحل الحصار قسوة في الحرب السورية. وتؤكد الأونروا أن اليرموك، الذي كان قبل الحرب أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، تعرض لدمار واسع ونزوح جماعي، وأن 72 في المئة من المساكن تضررت خلال الحرب. هنا لم يعد الفلسطيني السوري يعيش فقط آثار النكبة الأولى. لقد دخل النكبة الثانية داخل اللجوء نفسه. هذه العبارة ليست مبالغة شعرية. لأن الإنسان الذي خرج من فلسطين عام 1948 لم يكن يتصور أن المكان الذي لجأ إليه سيصبح بعد ستة عقود ونصف مكاناً آخر يضطر فيه إلى حمل أطفاله والبحث عن مأوى جديد. كان اللاجئ الفلسطيني قد غادر فلسطين لأنه فقد البيت. ثم اضطر في سوريا إلى مغادرة البيت الذي بناه بعد النكبة. ولهذا فإن النزوح السوري للفلسطيني ليس مجرد «نزوح داخلي». إنه نزوح فوق نزوح. ومنفى فوق منفى. وذاكرة اقتلاع تُضاف إليها ذاكرة اقتلاع جديدة.
ربما يكون من السهل أن نحصي البيوت المهدمة. لكن الأصعب أن نحسب ما لا يظهر في الإحصاءات. كم زواجاً تشكل في اليرموك؟ كم عائلة؟ كم صداقة؟ كم مكتبة؟ كم صورة؟ كم وثيقة؟ كم حكاية عن فلسطين؟ كم طفلاً حفظ اسم قريته الفلسطينية من جده في شارع من شوارع اليرموك؟ كم مقبرة؟ كم دكاناً؟ كم مهنة؟ كم حياة عادية؟ حين دُمّر اليرموك لم يُدمّر عمران فقط. دُمّرت قابلية مجتمع فلسطيني على الاستمرار في المكان. ولهذا فإن صورة اليرموك المدمرة ليست صورة حرب سورية فقط. إنها صورة عن هشاشة كل استقرار فلسطيني خارج فلسطين. فاللاجئ يستطيع أن يبني حياة كاملة، لكنه يظل معرضاً لأن تتحول هذه الحياة، في لحظة تاريخية واحدة، إلى أنقاض. وقد وثقت الأونروا أن 72 في المئة من مساكن اليرموك تضررت، وأن منشآتها تعرضت لأضرار واسعة، بينما تحولت عملية إعادة الخدمات إلى مسار طويل ومتدرج. وهنا تصبح المسألة أكبر من إعادة إعمار. لأن إعادة بناء الجدار لا تعيد بالضرورة بناء المجتمع.
وليست مأساة اليرموك وحدها. ومن الأخطاء أن نختزل الفلسطينيين في سوريا باليرموك، رغم مركزية اليرموك. فقد تعرضت مخيمات أخرى إلى الحرب والنزوح والدمار، من عين التل وحندرات ومخيم النيرب في حلب إلى درعا وخان الشيح وسبينة وغيرها. وفي عين التل، مثلاً، تعرض آلاف الفلسطينيين للنزوح. وفي درعا، تحولت بيئة المخيم إلى واحدة من أكثر البيئات تضرراً. وفي خان الشيح، عاش السكان سنوات من القصف والحصار والضغط العسكري. وفي سبينة، فقد الفلسطينيون القدرة على الوصول إلى المخيم والخدمات لفترات طويلة. وهكذا لم تكن الحرب حادثة أصابت مخيماً واحداً. كانت إعادة توزيع قسرية للجغرافيا الفلسطينية داخل سوريا وخارجها. وتؤكد الأونروا أن اليرموك وعين التل ودرعا كانت من أكثر التجمعات الفلسطينية تضرراً، وأن النزوح شبه الكامل من هذه المناطق، إلى جانب الدمار الواسع في المساكن والبنية التحتية، ما زال عائقاً أمام العودة المستدامة.
النيرب: مخيم الذاكرة في قلب العاصفة
ولعل مخيم النيرب في حلب يختصر، بصورة قاسية، جانباً عميقاً من المأساة الفلسطينية في سوريا. فالنيرب لم يكن مجرد تجمع للاجئين، بل مجتمعاً فلسطينياً تشكل منذ النكبة، يحمل ذاكرته الوطنية، ويضم عائلات وأجيالاً ومناضلين، ونسج طوال عقود علاقات عميقة مع محيطه السوري، وتقاسم معه الحياة والعمل والهموم. لكنه كان، قبل الحرب بوقت طويل، يعيش تحت عين أمنية كثيفة: مكاتب للأجهزة الأمنية، ورقابة، وإرهاب فكري وجسدي، واعتقالات طالت كثيراً من أبنائه. ومن هنا لا يمكن فهم ما جرى له أثناء الحرب من دون فهم ذلك التاريخ الذي سبقها.
ومع بداية الأزمة السورية، حاول أهل النيرب أن يفعلوا ما يستطيعون لحماية مخيمهم من الانجرار إلى الحرب. تشكلت لجان أهلية لتأمين الغذاء وتنظيم الحياة وحماية الناس، ولإقامة حسن الجوار مع القرى المحيطة، بل فتح المخيم أبوابه لعائلات سورية مهجّرة من محيطه، واستقبلها في مدارسه ومرافقه. كان ذلك، في جوهره، محاولة مجتمع صغير لأن يقول: نحن جزء من هذا المكان، لكننا لا نريد أن نكون جزءاً من الحرب. غير أن تحييد المخيم لم يكن مرغوباً من أطراف الصراع؛ ومع تصاعد التوتر في محيطه، ووقوع حوادث دامية استُخدمت لتأجيج الخوف والخصومة، بدأ هذا الحياد يتآكل، وأصبح المخيم نفسه جزءاً من الصراع على المنطقة ومطار النيرب الملاصق له.
ثم جاءت الحرب إلى البيوت مباشرة. فموقع المخيم جعل منه واقعاً بين جبهات القتال ومحاولات السيطرة على المطار، فسقطت القذائف فوق البيوت، وسقط ضحايا من أبنائه وأطفاله، وشهد المخيم حادثة سقوط الطائرة فوق تجمع سكني. وبعد ذلك عاش حصاراً طويلاً من الجهات المحيطة به، حتى نفدت المؤن، ولم تعد العائلات تجد ما يكفيها من الطعام. وأنا، الذي عشت في النيرب خمس سنوات خلال سنوات الأزمة والحرب، أعرف معنى أن تمر أيام وشهور لا تكون فيها للعائلة سوى وجبة واحدة؛ ليس بوصفه رقماً في تقرير، وإنما كتجربة يومية عاشها الناس تحت الحصار والخوف وانتظار المجهول.
والأكثر إيلاماً أن الذين حاولوا في البداية حماية الحياد والسلم الأهلي وجدوا أنفسهم لاحقاً تحت الضغط والاعتقال والملاحقة؛ فمنهم من فرّ، ومنهم من سُجن، ومنهم من انتهى مصيره إلى الاستشهاد. وهكذا لم تكن مأساة النيرب أن الفلسطينيين اختلفوا حول الحرب فحسب؛ بل أن مجتمعاً صغيراً حاول أن يحمي نفسه من الحرب، فلم يُسمح له بأن يبقى محايداً، ثم حُوّلت هويته الفلسطينية نفسها إلى مادة في الصراع.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل كان النيرب مع النظام أم مع الثورة؟ بل: كيف استطاع نظام أمني أخضع هذا المخيم لعقود أن يستثمر موقعه الاستراتيجي، وخوفه، وانقساماته، واسم فلسطين، ليمنع مجتمعاً صغيراً من امتلاك حقه في الحياد؟
ولم يكن كتلة سياسية واحدة؛ كان شعباً وذاكرة وبيوتاً وأطفالاً ولجاناً أهلية حاولت أن تبقي الحياة ممكنة. وما جرى له يذكّرنا بأن الفلسطيني في سوريا لم يكن يملك دائماً حتى الحق في أن يبقى بعيداً عن الحرب، لأن غياب الحامل الوطني القادر على حماية هذا الحياد تركه مكشوفاً أمام من يملك السلاح والقرار.
فالمخيم بالنسبة إلى الفلسطيني لم يكن مجرد مكان يذكّره بفلسطين. كان أيضاً المكان الذي أعاد فيه إنتاج فلسطين. في المدرسة، في الأغنية، في أسماء الشوارع، في صور الشهداء، في الأعراس، في الحكايات، في الطعام، في التطريز، في أسماء القرى، وفي الذاكرة العائلية. وحين تهجّر الفلسطيني من المخيم، لم يكن يحمل معه أثاث البيت فقط. كان يحمل معه أجزاء من أرشيف فلسطين. لكن الأرشيف نفسه كان مهدداً. لأن النزوح المتكرر لا يسرق المكان فقط. إنه يهدد القدرة على نقل الذاكرة. وهذا يفسر لماذا لا ينبغي النظر إلى تدمير المخيمات الفلسطينية بوصفه نتيجة إنسانية للحرب فحسب. لقد أصاب الحرب البنية المكانية للذاكرة الفلسطينية. وهذا ما يجعلها أكثر من مجرد كارثة عمرانية.
يجب هنا أن نكون صريحين أكثر. لا يمكن كتابة تاريخ الفلسطينيين في سوريا بعد 2011 بطريقة تجعل كل فلسطيني ضحية بريئة لكل شيء. هذا غير صحيح. كما أنه ليس مطلوباً. فقد شارك فلسطينيون، أفراداً وفصائل، إلى جانب النظام. وكان لبعض الفصائل دور مباشر في القتال وفي السيطرة الأمنية داخل المخيمات. وهذا جزء من التاريخ، ويجب ألا يُمحى خوفاً من استغلاله ضد الفلسطينيين. لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول هذه الحقيقة إلى صيغة: «الفلسطينيون كانوا مع النظام». فهذه الجملة خاطئة تاريخياً. مثلما أن الجملة المقابلة: «الفلسطينيون كانوا جميعاً مع الثورة». خاطئة أيضاً. والحقيقة أكثر تعقيداً. كانت هناك غالبية كبيرة أرادت الحياد في البداية. وكان هناك من رأى في الثورة السورية امتداداً طبيعياً لحق السوريين في الحرية. وكان هناك من خاف من انهيار الدولة. وكان هناك من رأى في النظام حماية للقضية الفلسطينية. وكان هناك من رفض النظام منذ البداية. وكان هناك من لم يثق بالمعارضة. وكان هناك من لم يثق بالنظام. وكان هناك من لم يثق بأحد. وهناك من كان كل ما يعنيه أن يبقى أطفاله أحياء. هذه هي الحقيقة الاجتماعية. أما تحويلها إلى موقف واحد، فهو صناعة لاحقة للذاكرة.
وهنا نصل إلى الجرح الفلسطيني نفسه. فماذا فعلت منظمة التحرير؟ وماذا فعلت السلطة؟ وماذا فعلت الفصائل؟ وماذا كان بإمكانها أن تفعل؟ الجواب يجب ألا يكون تبسيطياً. فمنظمة التحرير لم تكن تملك دولة ذات سيادة تستطيع إرسال جيش لحماية اليرموك. والسلطة الفلسطينية لم تكن تملك الأدوات التي تجعلها قادرة على حماية فلسطيني يعيش خارج نطاق سيطرتها الجغرافية. لكن هذه الحقيقة لا تعفي القيادة الفلسطينية من سؤال آخر: ماذا يعني التمثيل إذا لم يستطع حماية الإنسان الفلسطيني في اللحظة التي يصبح فيها وجوده مهدداً؟ لقد دعت القيادة الفلسطينية إلى عدم جر المخيمات الفلسطينية إلى الصراع السوري، لكن الحياد السياسي، من دون قوة سياسية قادرة على حمايته، بقي في كثير من الأحيان موقفاً أخلاقياً لا يمتلك أدوات تنفيذه. وتكشف الشهادة الداخلية المنشورة في «مجلة الدراسات الفلسطينية» نقداً حاداً لفشل البنية الوطنية الفلسطينية في حماية حياد المخيمات، مع الإقرار في الوقت نفسه بضعف الفصائل وانقسامها وخوفها من النظام. وهنا يظهر أحد أعمق دروس التجربة السورية: الفلسطيني كان يمتلك تمثيلاً سياسياً باسم فلسطين، لكنه لم يكن يمتلك حاملاً وطنياً قادراً على حماية الفلسطيني حين يصبح في خطر.
وهذه ليست مشكلة سوريا وحدها. إنها مشكلة فلسطينية بنيوية. لقد ظل الفلسطيني في سوريا يحمل بطاقة لاجئ، لكنه لم يحمل دولة. وظل يحمل منظمة تحرير، لكنها لم تكن دولة. وظل يحمل سلطة فلسطينية، لكنها لا تملك سلطة عليه ولا على مكان وجوده. وظل يحمل قضية تحظى بالتعاطف العالمي، لكن التعاطف لم يتحول إلى آلية حماية. فماذا يفعل الإنسان عندما تتعدد رموز تمثيله بينما تغيب قدرته الفعلية على الحماية؟ هنا يصبح الحامل الوطني سؤالاً لا يمكن تأجيله.
كان الفلسطيني في سوريا يحتاج إلى حماية سياسية. لكن المؤسسة الفلسطينية الرسمية كانت، بحكم طبيعة النظام الدولي والإقليمي، محدودة القدرة. وهذه الحقيقة لا تعني إسقاط المسؤولية السياسية، بل تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل تستطيع الحركة الوطنية أن تكون حاملاً فعلياً للفلسطينيين في الشتات، أم أن الشتات ظل ملفاً سياسياً عند الضرورة وملفاً إغاثياً عند الأزمة؟ الحرب السورية كشفت هذه الفجوة بصورة قاسية. فالأونروا تستطيع أن تقدم الغذاء والتعليم والصحة والمساعدة النقدية، لكنها ليست دولة حماية. والأمم المتحدة تستطيع أن توثق وتناشد، لكنها لا تستطيع أن تعيد بيتاً إلى مكانه. وهكذا وجد الفلسطيني السوري نفسه في فراغ نادر: هو صاحب قضية دولية، لكنه بلا قوة دولية تحميه؛ وصاحب هوية وطنية، لكنه بلا دولة تحمي حامل هذه الهوية؛ وصاحب حق في العودة، لكنه يعيش في بلد آخر يحتاج فيه إلى حماية لا يستطيع وطنه الأصلي توفيرها.
كان المجتمع الفلسطيني في سوريا قبل الحرب يتجاوز نصف مليون شخص. وبعد عقد من الحرب، تعرض أكثر من نصف اللاجئين الفلسطينيين للنزوح مرة واحدة على الأقل، واضطر عشرات الآلاف إلى مغادرة سوريا. ومع استمرار الأزمة، أصبح الفلسطينيون من أكثر فئات المجتمع السوري هشاشة؛ وتقول الأونروا إن نحو 438 ألف لاجئ فلسطيني كانوا ما زالوا مسجلين في سوريا وفق بيانات 2024، وأن نحو 40 في المئة منهم كانوا في حالة نزوح، فيما كان أكثر من 90 في المئة يعيشون تحت خط الفقر. وفي 2025 ارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي بين اللاجئين الفلسطينيين إلى 92 في المئة وفق أحدث بيانات الأونروا. أي أن الحرب انتهت عسكرياً بالنسبة إلى كثيرين، لكنها لم تنتهِ اجتماعياً. قد تتوقف الجبهة. لكن لا يعود البيت. ولا تعود الوظيفة. ولا يعود الابن الذي هاجر. ولا تعود المدرسة. ولا تعود شبكة العلاقات. ولا يعود الشعور بالأمان. الحرب تنتهي سياسياً قبل أن تنتهي في حياة الناس بسنوات طويلة.
هنا ظهرت عبارة «المنفى المزدوج». لكنها، رغم دقتها، قد لا تكون كافية. لأن الفلسطيني السوري لم يخرج من فلسطين إلى سوريا ثم من سوريا إلى مكان واحد. لقد دخل في سلسلة من المنافي. فلسطين → سوريا. ثم اليرموك → دمشق أو الريف. ثم سوريا → لبنان. أو سوريا → الأردن. أو سوريا → تركيا. أو سوريا → أوروبا. ثم يبدأ السؤال من جديد: أين الوطن؟ وأين العودة؟ وأي عودة؟ إلى فلسطين؟ إلى سوريا؟ إلى المخيم؟ إلى البيت القديم؟ إلى المكان الذي دمرته الحرب؟ إلى مكان لم يعد موجوداً كما كان؟ لهذا فإن المنفى الفلسطيني في سوريا لم يعد مجرد انتقال جغرافي. إنه تفكك متسلسل لمعنى المكان.
وكان سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 لحظة فاصلة في تاريخ سوريا. لكن بالنسبة إلى الفلسطينيين، لم يكن سقوط النظام يعني انتهاء المشكلة. فقد كان السؤال التالي أكثر صعوبة: ماذا سيحدث للفلسطيني الذي عاش سبعة عقود داخل سوريا، وكان النظام السابق قد استخدم فلسطين سياسياً لعقود، ثم أصبح هذا الاستخدام نفسه جزءاً من ذاكرة المرحلة السابقة؟ هنا تبدأ مرحلة جديدة. في المرحلة الأولى، كان الخطر أن يُختزل الفلسطيني في «حليف للنظام». وفي المرحلة الجديدة، يصبح الخطر أن يتحول إلى رمز من رموز النظام القديم. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية حساسة للغاية. لأن الفلسطيني الذي لم يختر النظام قد يدفع ثمن رمزية نظام لم يختره. والفلسطيني الذي قاوم النظام قد يُحاسب اجتماعياً على أفعال فصيل لم يكن عضواً فيه. والفلسطيني الذي كان مع الثورة قد يجد نفسه في النقاش نفسه مع الفلسطيني الذي وقف مع النظام. وهكذا يصبح المجتمع الفلسطيني كله أمام محكمة ذاكرة لا تعترف بالفروق.
في المجتمعات الخارجة من الحروب، تظهر حاجة نفسية وسياسية إلى تفسير الماضي. من فعل بنا ذلك؟ من خان؟ من كان مع النظام؟ من كان مع الثورة؟ من كان عميلاً؟ من كان متواطئاً؟ من كان صامتاً؟ وهذه الأسئلة مشروعة. لكنها تصبح خطرة عندما تنتقل من البحث في الأفعال إلى البحث في الهويات. وعندها يصبح الفلسطيني هدفاً سهلاً. فهو جماعة واضحة، له تاريخ مرتبط بالنظام السابق من جهة، وبالفصائل الفلسطينية من جهة ثانية، وبالقضية الفلسطينية التي استخدمها النظام طويلاً من جهة ثالثة. وهكذا يمكن أن يحدث شيء شديد الخطورة: أن يُحاسَب الفلسطيني ليس على ما فعله، بل على المعنى الذي أُلصق به.
وهذه هي النقطة التي كتبت عنها سابقاً: بعد سقوط النظام، قد تنتقل فلسطين من كونها مصدر شرعية للنظام إلى أن تصبح، في نظر بعض الخطابات، جزءاً من إرثه الذي ينبغي التخلص منه. لكن الفلسطيني ليس النظام. والفصيل ليس المجتمع. وفلسطين ليست حزباً سورياً. واللاجئ ليس مسؤولاً عن خطاب السلطة التي استضافته.
ثمة مفارقة تاريخية لا يجوز تجاهلها. النظام السوري استخدم القضية الفلسطينية بوصفها جزءاً من شرعيته القومية. لكن الفلسطينيين أنفسهم دفعوا ثمناً باهظاً عندما دخلت سوريا الحرب. أي أن القضية التي قيل إنها مصدر قوة للفلسطيني تحولت، في لحظة الانهيار، إلى أحد أسباب هشاشته. وهذه واحدة من أقسى مفارقات التجربة. لقد عاش الفلسطيني في سوريا داخل دولة تقول إن فلسطين قضيتها المركزية، لكنه اكتشف في الحرب أن الشعار لا يحمي الإنسان عندما تنهار الدولة. وهنا لا يعود السؤال عن النظام وحده، بل عن العلاقة بين القضية والسلطة. ماذا يحدث عندما تتحول القضية العادلة إلى مورد للشرعية؟ ومن يدفع ثمن ذلك عندما تتغير السلطة؟ في الحالة السورية، كان الجواب المؤلم هو: الفلسطيني نفسه.
المخيم في الوعي الفلسطيني هو المكان الذي يحمي الذاكرة من الذوبان. لكن الحرب السورية قلبت المعنى. المخيم أصبح مكاناً مكشوفاً. مكاناً يمكن أن تدخله القوات، وتقاتل فيه الفصائل، وتحاصره، وتقصفه، وتمنع عنه الغذاء، ثم تترك سكانه أمام خيارين: الموت في المكان، أو النجاة من المكان. وهذه ليست مفارقة صغيرة. إنها انقلاب في وظيفة المخيم. فالمخيم الذي أنشئ بوصفه مكاناً مؤقتاً لحماية اللاجئ أصبح، بعد عقود، أحد الأماكن الأكثر تعرضاً للنزوح. اليرموك مثال صارخ. فقبل الحرب كان يضم نحو 160 ألف لاجئ فلسطيني، وبعد سنوات الحرب والحصار والقتال أصبح مجتمعاً مدمراً ومهجراً، قبل أن تبدأ عودة تدريجية منذ السنوات الأخيرة. وتقول الأونروا إن عدد الفلسطينيين العائدين والمسجلين في اليرموك ازداد بعد سقوط النظام السابق، ووصل عدد الموجودين في المنطقة إلى نحو 15,300 شخص في فبراير/شباط 2025، كان 80 في المئة منهم من اللاجئين الفلسطينيين. لكن السؤال هنا ليس فقط: كم شخصاً عاد؟ بل: إلى ماذا عاد؟
العودة إلى المخيم لا تعني بالضرورة أن المخيم عاد. فحين يكون البيت مهدماً، والماء والكهرباء والصرف الصحي غير مستقرين، والخدمات محدودة، والعمل غائباً، والاقتصاد منهاراً، فإن العودة قد تكون اختياراً عاطفياً، لكنها قد تكون أيضاً اضطراراً اقتصادياً. وتشير الأونروا إلى أن عجز اللاجئين عن دفع الإيجارات في أماكن النزوح، والرغبة في لمّ شمل الأسر، كانا من أهم دوافع العودة إلى سوريا وفي داخلها، حتى إلى مناطق ما زالت البيوت فيها متضررة والبنية التحتية مدمرة. وفي النصف الأول من 2025 تجاوز عدد حركات عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى سوريا وداخلها 29 ألفاً، أي أكثر من ضعف العدد المسجل خلال السنوات الخمس السابقة مجتمعة. إذن علينا أن نفرق بين العودة إلى المكان واستعادة الحياة في المكان. الأولى حركة جغرافية. والثانية عملية تاريخية طويلة.
وهنا يظهر سؤال لم يُطرح بما يكفي: من سيعيد بناء الفلسطيني؟ الحرب السورية دمرت البيوت. لكن من سيعيد بناء المجتمع؟ من سيعيد المدارس؟ من سيعيد شبكات الرعاية؟ من سيعيد أرشيف العائلات؟ من سيعيد العلاقات التي تشتتت في لبنان والأردن وأوروبا وتركيا؟ من سيعيد الذين ماتوا؟ من يعيد أبناء اليرموك الذين أصبحوا اليوم مواطنين في بلدان أخرى؟ من يعيد الطالب الذي بدأ حياته من جديد في بلد أوروبي؟ من يعيد المرأة التي دفعت ثمن النزوح؟ ومن يعيد إلى الطفل الفلسطيني السوري حقه في أن يكبر في مكان واحد دون أن يصبح خبيراً في خرائط الحدود والمخيمات؟ هذه أسئلة لا تستطيع إعادة الإعمار الهندسية الإجابة عنها. لأن المجتمع ليس إسمنتاً.
كان الفلسطيني في سوريا يحتاج إلى حماية سياسية، لكن المؤسسة الفلسطينية الرسمية كانت محدودة القدرة. وكان هذا أحد أوجه المأساة التي يجب ألا نخفيها. فالسلطة الفلسطينية لم تكن تملك السيادة على الفلسطينيين في سوريا. ومنظمة التحرير لم تعد تملك القوة التي تجعل موقفها من حياد المخيمات قراراً قابلاً للتنفيذ. والفصائل نفسها كانت منقسمة أو مرتبطة بأطراف إقليمية مختلفة. والأونروا تستطيع أن تقدم الغذاء والتعليم والصحة، لكنها ليست دولة حماية. والأمم المتحدة تستطيع أن تصدر البيانات، لكنها لا تستطيع أن تعيد بيتاً إلى مكانه. وهكذا وجد الفلسطيني السوري نفسه في فراغ نادر: هو صاحب قضية دولية، لكنه بلا قوة دولية تحميه؛ وصاحب هوية وطنية، لكنه بلا دولة تحمي حامل هذه الهوية؛ وصاحب حق في العودة، لكنه يعيش في بلد آخر يحتاج فيه إلى حماية لا يستطيع وطنه الأصلي توفيرها.
وربما آن الأوان أيضاً للتخلص من لغة «الضيف». الفلسطيني الذي عاش في سوريا سبعين عاماً لا يمكن اختزاله في صورة الضيف. الضيف يغادر. أما الفلسطيني السوري فقد ولد ومات في سوريا. دفن والده فيها. تزوج فيها. درس فيها. عمل فيها. أنجب أولاده فيها. وبنى بيته فيها. وحمل معه في الوقت نفسه اسم قرية فلسطينية لم يرها. إنه ليس ضيفاً بالمعنى الاجتماعي. لكنه ليس مواطناً سورياً بالمعنى القانوني. وهذه المسافة هي التي يجب أن نفهمها. إنها ليست نقصاً ينبغي أن يُمحى بالجنسية. بل وضع تاريخي ينبغي أن يُدار بالعدالة. عدالة الوجود.
أن تكون فلسطينياً في سوريا دون أن تُعاقب على ذلك. هذا هو الحد الأدنى الذي ينبغي أن يكون واضحاً في أي حديث عن مستقبل الفلسطينيين في سوريا. لا نريد توطيناً. ولا نريد محواً للصفة الفلسطينية. ولا نريد أن يصبح الفلسطيني «أجنبياً» في الوثائق. ولا نريد أن تتحول هويته إلى عبء أمني. ولا نريد امتيازاً فوق السوريين. نريد شيئاً أبسط وأكثر عدلاً: أن يكون للفلسطيني حقه في الحياة الكريمة. أن يعمل. أن يتعلم. أن يسكن. أن يمتلك شروط الاستقرار المشروع. أن يحصل على الوثائق التي تثبت وجوده وهويته. أن يحظى بالحماية القانونية. أن لا يُعاقب على أصل لم يختره. وأن يبقى فلسطينياً دون أن يتحول ذلك إلى تهمة. وهذا هو جوهر عدالة الوجود.
وهنا يجب أن نكون واضحين أيضاً. إن أفضل مستقبل للفلسطيني في سوريا ليس أن يُطلب منه أن يصبح سورياً حتى يُقبل. بل أن يُقبل وهو فلسطيني. كما أن أفضل مستقبل لسوريا ليس أن تبحث عن هوية نقية مغلقة، بل أن تبني دولة قادرة على التعامل مع الذين يعيشون فيها باعتبارهم بشراً وذوي حقوق، مع احترام خصوصية وضع اللاجئ الفلسطيني وحقه في فلسطين. فالمواطنة ليست الشكل الوحيد للعدالة. والجنسية ليست الشكل الوحيد للانتماء. والعيش المشترك لا يحتاج دائماً إلى محو الاختلاف. يمكن للإنسان أن يكون فلسطينياً وأن يكون جزءاً أصيلاً من المجتمع السوري في الوقت نفسه.
ولأن الحديث عن سوريا كثيراً ما يختصر الفلسطينيين بدمشق واليرموك، يجب ألا ننسى الشمال. النيرب في حلب، وحندرات، ومجتمعات الفلسطينيين في الشمال السوري، تحمل تاريخاً مختلفاً لكنه متصل. وفي النيرب تحديداً، تشكلت حياة فلسطينية كاملة منذ وصول اللاجئين بعد النكبة، ثم جاءت الحرب لتضيف إلى تاريخ اللجوء طبقة جديدة من النزوح. وهنا تصبح المسألة شخصية وجماعية في الوقت نفسه. فالفلسطيني الذي عاش في النيرب أو اليرموك أو حندرات لم يكن يضع في ذهنه أنه يعيش «خارج وطنه» كل صباح. كان يذهب إلى العمل. يعود إلى البيت. يزور الجيران. يربي أبناءه. ويحفظ في ذاكرته فلسطين. هذه هي الحياة التي يجب ألا تختفي عندما نكتب تاريخ الحرب. لأن التاريخ الذي لا يرى الإنسان العادي يترك الحقيقة للفصائل والجيوش.
السؤال مشروع: ماذا فعل الفلسطينيون في الحرب؟ لكن يجب أن يُطرح بطريقة مختلفة. لا نسأل: ماذا فعل الفلسطينيون؟ بل: ماذا فعل الفلسطينيون، كل بحسب موقعه، وكيف أثرت تلك الأفعال في مجتمعهم؟ هناك من اختار النظام. هناك من اختار الثورة. هناك من اختار الحياد. هناك من اختار المقاومة المدنية. هناك من حمل السلاح. هناك من هرب. هناك من بقي. وهناك من لم تكن لديه القدرة أصلاً على الاختيار. كل هؤلاء فلسطينيون. ولا يجوز أن يمحو أحدهم الآخر. بل يجب أن تُكتب هذه التعددية نفسها بوصفها جزءاً من تاريخ الفلسطينيين في سوريا.
نحن بحاجة إلى موقف أخلاقي واضح. لا نريد تبرئة الفلسطينيين من كل شيء. ولا نريد جلد الفلسطينيين بسبب كل شيء. الأول تزوير. والثاني ظلم. نريد الحقيقة. ومن يريد الحقيقة يجب أن يقبل أن بعض الفلسطينيين أخطأوا، وأن بعض الفصائل ارتكبت أخطاء وانتهاكات، وأن بعض القيادات اتخذت قرارات كارثية. لكن الحقيقة نفسها تقول إن مئات الآلاف من الفلسطينيين لم يكونوا أعضاء في هذه الفصائل، ولم يصنعوا تلك القرارات، ولم يملكوا السلاح، ولم يشاركوا في القتال. كانوا فقط سكاناً لمخيمات ومدن دخلت الحرب. ولهذا لا يجوز أن يتحول النقد المشروع إلى عقوبة جماعية مؤجلة.
إذا كانت سوريا الجديدة تريد بناء ذاكرة عادلة، فعليها أن تفتح ملفات كل من ارتكب الجرائم، بغض النظر عن هويته السياسية أو القومية. ويجب أن تشمل هذه الملفات الانتهاكات التي تعرض لها الفلسطينيون. لا لأن الفلسطينيين «أفضل» من غيرهم، بل لأنهم كانوا جزءاً من المجتمع الذي دُفع ثمن الحرب فيه. اليرموك يحتاج إلى ذاكرة. وحندرات يحتاج إلى ذاكرة. وعين التل يحتاج إلى ذاكرة. والتسرب يحتاج إلى ذاكرة . ودرعا يحتاج إلى ذاكرة. وخان الشيح يحتاج إلى ذاكرة. وكل بيت فلسطيني فقد شخصاً أو بيتاً أو وظيفة أو مستقبلاً يحتاج إلى أن يُرى في التاريخ. فإذا اختفت هذه الذاكرة، ستنشأ رواية جديدة تقوم على التعميم. والتعميم هو أول الطريق إلى الظلم.
وإذا كانت العدالة الانتقالية تعني شيئاً، فهي أن تُحاكم الأفعال لا الهويات. إذا ارتكب فلسطيني جريمة، يحاسب. إذا ارتكب سوري جريمة، يحاسب. إذا ارتكب فصيل فلسطيني جريمة، يحاسب. إذا ارتكبت مؤسسة من مؤسسات الدولة جريمة، تحاسب. لكن لا تُحاكم الهوية. ولا يُحاكم المخيم. ولا يُحاكم اللاجئ بسبب كونه لاجئاً. وهذه ليست مثالية أخلاقية. إنها شرط للعدالة الانتقالية نفسها.
لقد كشفت الحرب السورية هشاشة فكرة طالما اعتدنا عليها: أن الفلسطيني يستطيع أن يعيش في الشتات ما دام بعيداً عن السياسة. فالمشكلة ليست دائماً في أن تدخل السياسة. أحياناً السياسة تدخل إليك. وتدخل بيتك. وتدخل المخيم. وتقتل أبناءك. وتدمر مدرستك. ثم تسألك بعد ذلك: لماذا لم تكن محايداً؟ هذه هي مفارقة الفلسطيني السوري. لقد طُلب منه الحياد، لكنه لم يُمنح شروط الحياد. وطُلب منه ألا يتدخل، لكن الآخرين تدخلوا في مخيمه. وطُلب منه ألا يحمل السلاح، لكن السلاح دخل إلى شارعه. وطُلب منه أن يحافظ على فلسطين، بينما كان عليه في الوقت نفسه أن يحافظ على حياته. وهذه معادلة يستحيل على الإنسان العادي حلها.
السؤال اليوم ليس فقط كيف نقرأ الماضي، بل كيف نمنع الماضي من أن يتحول إلى مستقبل. الفلسطيني السوري يحتاج إلى العودة، ولكن العودة ليست فقط إلى الجغرافيا. يحتاج إلى استعادة الأمان. وإلى استعادة الوثائق. وإلى إعادة بناء التعليم. وإلى العمل. وإلى السكن. وإلى حماية قانونية واضحة. وإلى عدم التمييز. وإلى اعتراف صريح بأن وجوده في سوريا ليس امتيازاً ولا منّة. وأن صفته الفلسطينية ليست مشكلة أمنية. وأن المخيمات ليست خزانات بشرية مؤقتة يمكن أن تُترك لمصيرها عند كل أزمة. وفي الوقت نفسه، يحتاج إلى أن تبقى فلسطين حاضرة في وعيه لا بوصفها شعاراً تستخدمه الفصائل، بل بوصفها حقاً تاريخياً وسياسياً. وهنا يمكن أن تلتقي عدالة الوجود مع حق العودة بدلاً من أن تتعارضا.
أن يعيش الفلسطيني في سوريا بكرامة ليس توطيناً. أن يحصل على حقوقه المدنية ليس إسقاطاً لحق العودة. أن يمتلك بيتاً أو يعمل أو يتعلم أو يبني مستقبله ليس تنازلاً عن فلسطين. بل العكس. إن الإنسان الذي يعيش بكرامة هو الأقدر على حفظ ذاكرته. أما الإنسان الذي يُدفع باستمرار إلى الهامش، فقد تتحول الهوية عنده إلى عبء بدلاً من أن تكون مصدر قوة. لذلك فإن عدالة الوجود لا تعني التخلي عن فلسطين. إنها تعني أن لا يصبح الدفاع عن فلسطين سبباً لقبول الظلم في مكان آخر.
سبعة عقود وأكثر من اللجوء الفلسطيني في سوريا يمكن قراءتها باعتبارها تاريخاً من إعادة البناء. بعد 1948، بنى الفلسطيني حياة جديدة. بعد 1967، أعاد بعضهم بناء حياته مرة أخرى. بعد الحرب السورية، أعاد بناءها مرة ثالثة. وفي كل مرة كان يحمل معه الشيء نفسه: الاسم، والذاكرة، والمفتاح، وصورة القرية، وحكاية الجد. لكن الحرب السورية أضافت شيئاً لم يكن في الحسبان: أن يصبح الفلسطيني نفسه نازحاً داخل المنفى. وهنا ربما تكمن المفارقة الأشد قسوة في التجربة كلها. فقد كان الفلسطيني يظن أن سوريا هي المكان الذي يحميه من تكرار النكبة. ثم جاءت الحرب لتثبت أن المنفى نفسه ليس محصناً من النكبات.
لذلك، فإن ما يجري اليوم من محاولات الاصطياد في العتمة، وتحميل الفلسطيني السوري ما لا يحتمل، يجب ألا يُواجَه بالصمت. لكن لا ينبغي مواجهته أيضاً بالتعمية. لا نريد أن نقول: لم يفعل فلسطيني شيئاً. لأن هذا غير صحيح. نريد أن نقول شيئاً أكثر صعوبة: فعل بعض الفلسطينيين، ولم يفعل بعضهم، وعارض بعضهم، وساند بعضهم، وصمت بعضهم، ونجا بعضهم، ومات بعضهم؛ وهذه هي طبيعة المجتمعات البشرية في الحروب. أما تحويل هذه التفاصيل كلها إلى حكم على شعب كامل، فهو ليس تاريخاً. إنه إنتاج جديد للظلم.
لا ينبغي تحميل الفلسطيني مسؤولية خيارات النظام السوري. ولا مسؤولية سياسات الدول العربية. ولا مسؤولية الفصائل التي ارتبطت بهذه الدولة أو تلك. ولا مسؤولية منظمة التحرير عن كل تاريخها، كما لا يمكن تحميله مسؤولية السلطة الفلسطينية. الفلسطيني السوري فرد ومجتمع. وله حق في أن يُقرأ ضمن هذه الحدود. وإذا أردنا أن نكون منصفين، علينا أن نرفض كل محاولة لتحويله إلى وكيل عن جهة أخرى. لا هو وكيل للنظام السوري. ولا هو وكيل لمنظمة التحرير. ولا هو وكيل لحماس. ولا هو وكيل للمعارضة. ولا هو وكيل لحزب أو دولة. هو إنسان فلسطيني عاش في سوريا. وهذا يجب أن يكون كافياً لبدء الحديث.
ربما لم تنتهِ القصة بعد. فالأونروا تشير إلى عودة متزايدة إلى المخيمات، وإلى أن عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين عادوا إلى مخيمات كانت قد أفرغت تقريباً من سكانها خلال الحرب، لكن هذه العودة تجري وسط دمار واسع، وفقر شديد، ومخاطر الذخائر غير المنفجرة، وضعف الخدمات. وتشير أحدث بيانات الأونروا إلى أن أكثر من 42 ألف لاجئ فلسطيني عادوا إلى مخيمات اليرموك وعين التل ودرعا، مقارنة بنحو 12,638 في ديسمبر/كانون الأول 2024، في حين ما زالت تلك المناطق تواجه عوائق كبيرة أمام العودة المستدامة. وهذا يعني أن المستقبل لا يزال مفتوحاً. يمكن لسوريا أن تختار أن يكون الفلسطيني جزءاً من إعادة بناء المجتمع. ويمكنها، إن أخطأت، أن تجعل منه ضحية جديدة لذاكرة الحرب. ويمكن للفلسطينيين أيضاً أن يختاروا بين إعادة إنتاج الفصائلية القديمة أو إعادة بناء حضور سياسي واجتماعي أكثر استقلالاً. ويمكن لمنظمة التحرير أن تستمر في إدارة الشتات بوصفه ملفاً إغاثياً، أو أن تعيد التفكير فيه بوصفه جزءاً أصيلاً من الحامل الوطني.
وهنا يعود السؤال إلى مكانه الأول: ما معنى أن يكون للفلسطيني تمثيل إذا لم يكن لهذا التمثيل أثر في حماية وجوده؟
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأبعد. ليس المطلوب أن يصبح الفلسطيني أقل فلسطينية كي يعيش في سوريا. وليس المطلوب أن يصبح أكثر انعزالاً كي يحافظ على هويته. وليس المطلوب أن يختار بين فلسطين وسوريا. المطلوب هو صياغة علاقة عادلة: فلسطيني في هويته وحقه، وجزء من المجتمع السوري في حياته وكرامته، ولا يكون أحد الأمرين نقيضاً للآخر. هذه هي عدالة الوجود. وهي ليست بديلاً عن حق العودة. وليست توطيناً. وليست امتيازاً. إنها ببساطة الاعتراف بأن الإنسان الذي عاش سبعين عاماً في مكان ما، وبنى فيه حياته، لا يجوز أن يُطلب منه أن يثبت كل يوم أنه يستحق أن يعيش فيه.
وربما تكون أكثر صور المأساة الفلسطينية في سوريا اختزالاً أن الفلسطيني الذي نجا من النكبة، وبنى حياته في المنفى، ثم عاش الحرب السورية، وجد نفسه بعد كل ذلك مطالباً بأن يجيب عن سؤال: أين كنت؟ ومع من كنت؟ وماذا فعلت؟ وهو سؤال مشروع إذا وُجّه إلى فرد متهم بفعل محدد. لكنه يتحول إلى ظلم عندما يُوجّه إلى شعب كامل. فالفلسطيني السوري ليس طرفاً واحداً. ليس فصيلاً. ليس نظاماً. ليس معارضة. ليس قيادة. ليس مخيماً. إنه مجتمع. مجتمع عاش سبعة عقود في سوريا، وشارك في حياتها، وتأثر بتحولاتها، واختلف أفراده في السياسة كما يختلف السوريون أنفسهم، ثم دفع، في كثير من الأحيان، ثمناً أكبر من قدرته على الاحتمال. منهم من أخطأ. ومنهم من قاوم. ومنهم من صمت. ومنهم من قاتل. ومنهم من قتل. ومنهم من قُتل. ومنهم من هرب. ومنهم من بقي. ومنهم من عاد. ومنهم من لم يعد. هذه هي الحقيقة.
ولأنها الحقيقة، فهي لا تحتاج إلى تبرئة جماعية. كما أنها لا تحتاج إلى إدانة جماعية. تحتاج فقط إلى عدالة. عدالة تلاحق من ارتكب الجريمة، لا من حمل الهوية. عدالة تعيد للبيت مكانه، وللمخيم ذاكرته، وللنازح حقه في العودة، وللطفل حقه في المستقبل. عدالة تعترف بأن الفلسطيني لم يطلب يوماً أن يصبح سورياً كي يعيش في سوريا، كما أنه لم يطلب أن يبقى غريباً فيها كي يحافظ على فلسطين. لقد طلب شيئاً أكثر بساطة وأشد عمقاً: أن يكون فلسطينياً من دون أن يُعاقب على فلسطينيته، وأن يعيش في سوريا من دون أن يُطلب منه أن يتخلى عن فلسطين.
تلك هي عدالة الوجود.
وحين ننظر إلى اليرموك، والنيرب، وحندرات، وخان الشيح، ودرعا، وعين التل، وسبينة، وسائر الأمكنة التي حملت الفلسطيني السوري لعقود، لا ينبغي أن نسأل فقط: من دمّرها؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: كيف سمحنا بأن يصبح شعبٌ لجأ إلى مكان كي ينجو من النكبة، محتاجاً بعد سبعين عاماً إلى أن يثبت أنه ليس مسؤولاً عن الحرب التي هدمت ملجأه؟
ربما هنا تكمن المأساة كلها. فالمشكلة ليست فقط أن الفلسطيني فقد المكان. المشكلة أن المكان نفسه أصبح يطالبه، بعد أن فقده، بأن يبرهن على حقه في أن يكون قد عاش فيه.
لكن الفلسطيني السوري لا يحتاج إلى شهادة براءة جماعية. ولا يحتاج إلى منّة. ولا يحتاج إلى أن يُمنح حقاً جديداً. إنه يحتاج فقط إلى أن يُرى كما هو: إنساناً فلسطينياً عاش في سوريا، وبنى فيها حياة، وفقد فيها حياة، ونجا من حرب لم يصنعها وحده، ولا يجوز أن يحمل وزرها وحده.
وإذا كانت سوريا الجديدة تريد حقاً أن تطوي صفحة الماضي، فإن أول اختبار لذلك ليس في كيفية تعاملها مع الأقوياء، بل في كيفية تعاملها مع من لا يملك إلا اسمه وذاكرته وحقه في أن يبقى.
أما الفلسطيني، فعليه أن يقرأ هذه التجربة أيضاً بوصفها درساً قاسياً في معنى التمثيل والحماية والحامل الوطني. فلا يكفي أن تكون القضية حاضرة في الخطب. ولا يكفي أن تكون فلسطين عنواناً للشرعية. ولا يكفي أن يكون للفلسطيني علم ومنظمة وذاكرة. حين يتهدد الإنسان، يجب أن يجد وراء هويته حاملاً يحمي وجوده. وإلا بقي الفلسطيني، مرة أخرى، وحيداً أمام التاريخ.
وكأن النكبة لا تنتهي.
وكأن المنفى لا يكتفي بمنفى واحد.
وكأن السؤال الذي بدأ عام 1948 ما زال مفتوحاً:
كيف نحمي الفلسطيني من أن يتحول كل مكان يلجأ إليه إلى مكان آخر لفقدان الوطن؟
ربما يكون أول ما ينبغي تصحيحه في قراءة التجربة الفلسطينية في سوريا هو الطريقة التي تُطرح بها مسألة الجنسية. فالفلسطينيون في سوريا لم يجعلوا من الحصول على الجنسية السورية مطلباً سياسياً تاريخياً. لم تكن قضيتهم أن يُمنحوا جنسية لم يطلبوها، ولا أن يتحولوا من فلسطينيين إلى سوريين، ولا أن يُغلق ملف فلسطين بالنسبة إليهم باسم الاندماج أو الاستقرار. كان المطلوب شيئاً آخر تماماً: أن يعيش الفلسطيني في سوريا حياة عادلة وكريمة، من دون أن يُطلب منه أن يدفع ثمنها من هويته أو حقه في فلسطين. كان يريد أن يكون فلسطينياً في الهوية والتاريخ والحق، وسورياً في الحياة اليومية بالقدر الذي يجعل البيت بيتاً، والمدرسة مدرسة، والعمل عملاً، والحي حياً، والجيرة جيرة، والكرامة كرامة. كان يريد عدالة الوجود. وهذه العبارة، في تقديري، أكثر دقة من الحديث عن «نقص المواطنة» أو «حرمان الجنسية». لقد نشأت في سوريا معادلة شديدة الخصوصية: حقوق مدنية واجتماعية واسعة للفلسطينيين، مع بقاء الصفة الفلسطينية وعدم التحول إلى مواطنين سوريين. وكان الإطار القانوني والسياسي لهذا الوجود مختلفاً عن مجرد «إقامة مؤقتة»، فقد عاش الفلسطينيون في سوريا لعقود داخل المجتمع السوري مع الحفاظ على صفتهم كلاجئين فلسطينيين. لكن المسألة الفلسطينية لم تكن في جوهرها رغبة في الانتقال من خانة «الفلسطيني» إلى خانة «السوري». كانت المسألة أن لا يتحول عدم امتلاك الجنسية إلى ذريعة لانتقاص الكرامة، وأن لا يتحول التمسك بفلسطين إلى سبب للحرمان من الحياة. كان الفلسطيني يريد أن يقول، من خلال وجوده: أنا فلسطيني، ولذلك لا أريد أن أصبح سورياً بديلاً عن فلسطين؛ لكنني أعيش في سوريا، ولذلك لا أريد أن أُعامل كغريب فيها. وهذه هي معادلة عدالة الوجود. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا لم يصبح الفلسطيني سورياً؟ بل: هل استطاعت سوريا أن تمنح الفلسطيني عدالة وجوده طوال عقود اللجوء، من دون أن تطلب منه التخلي عن فلسطين؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً عندما نقرأ كل ما حدث بعد 2011.
وثمة خطأ آخر في قراءة التجربة الفلسطينية في سوريا، وهو اختزالها في المخيم. فالمخيم لم يكن بالنسبة إلى الفلسطيني السوري مجرد مساحة سكنية أنشأتها وكالة غوث اللاجئين. ومع مرور العقود، تشكل مجتمع فلسطيني كامل حول المخيمات وفي المدن وخارجها. لم يعد اليرموك مجرد مخيم. ولم يعد النيرب مجرد مخيم. ولم تعد خان الشيح أو درعا أو حمص أو حندرات أو سبينة أو عين التل مجرد عناوين في سجلات الأونروا. لقد أصبحت هذه الأمكنة خرائط لحياة فلسطينية تشكلت داخل سوريا. وفي اليرموك خصوصاً، نشأ عالم اجتماعي كامل. كانت الفصائل موجودة، والمدارس موجودة، والمهن والأسواق موجودة، والجامعات قريبة، والعلاقات مع دمشق ومحيطها شديدة الكثافة. وتكشف شهادات من داخل المخيم أن الانتماءات الفصائلية نفسها كانت، قبل الحرب، متجاورة إلى حد كبير، وأن العلاقات الشخصية والاجتماعية تجاوزت الانقسامات السياسية. فحتى مع وجود فصائل شديدة القرب من النظام، كانت العلاقات اليومية بين أتباع الفصائل المختلفة ودية في أحيان كثيرة قبل الانتفاضة. هذه النقطة شديدة الأهمية. لأن من يتعامل مع الفلسطينيين في سوريا باعتبارهم «فصائل» فقط، يخطئ في تعريف المجتمع الذي دخل الحرب. كان هناك فلسطيني فتحاوي، وحمساوي، وشيوعي، ويساري، وإسلامي، وموالٍ للنظام، ومعارض للنظام، ومستقل، وغير مسيّس، وشخص لا يريد أن يعرف شيئاً عن السياسة أصلاً. وكان هناك، قبل كل ذلك، الفلسطيني الذي يريد أن يعيش. وهذا الأخير هو الذي يجب ألا يختفي خلف خرائط الفصائل.
عندما اندلعت الاحتجاجات السورية عام 2011، لم يكن الموقف الفلسطيني واحداً، لكن المفارقة أن الموقف الأول الغالب كان أقرب إلى الابتعاد عن الصراع. لم يكن ذلك حباً في النظام بالضرورة، كما أنه لم يكن رفضاً للثورة بالضرورة. كان الخوف من شيء آخر. كان الفلسطينيون يعرفون من تجارب لبنان والكويت والعراق أن دخول الفلسطيني في صراعات البلدان التي تستضيفه قد يؤدي إلى كارثة تتجاوز قدرته على الاحتمال. وكانت الذاكرة الفلسطينية مثقلة بما يكفي: صبرا وشاتيلا، تل الزعتر، حرب المخيمات، مأساة الكويت، ثم مأساة الفلسطينيين في العراق. لهذا نشأ داخل مخيمات سوريا، وفي اليرموك بصورة خاصة، توافق واسع على ضرورة إبقاء المخيمات خارج الصراع السوري. وتؤكد شهادة نضال بيتاري المنشورة في «مجلة الدراسات الفلسطينية» أن الغالبية العظمى من الفلسطينيين في البلاد، أفراداً وفصائل، كانت في بداية الانتفاضة مصممة على الحياد، وأن هذا الموقف كان مدفوعاً بذاكرة التجارب الفلسطينية السابقة والخوف من أن يؤدي الانخراط إلى كارثة جديدة. كان المنطق بسيطاً: إذا دخلت الحرب إلى المخيم، فلن يبقى المخيم. لكن هذه الفكرة اصطدمت بحقيقة أكثر قسوة: المخيم يستطيع أن يقرر الحياد، لكنه لا يستطيع أن يفرضه على الأطراف المسلحة.
وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة لا يجوز القفز فوقها. لم يكن الفلسطينيون في سوريا كتلة سياسية واحدة. بعض الفصائل اختار الوقوف إلى جانب النظام، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين–القيادة العامة، وفصائل أخرى مرتبطة بدمشق. وفي المقابل، اتخذت حماس موقفاً مختلفاً مع تطور الأحداث، وانخرط فلسطينيون أفراد في الاحتجاجات والثورة، بينما اختارت فصائل أخرى الحياد. وهناك فلسطينيون قاتلوا. وهناك من عمل في أجهزة النظام. وهناك من شارك في الدفاع عن المخيمات. وهناك من وقف إلى جانب المعارضة. وهناك من لم يفعل شيئاً سوى محاولة حماية أسرته. وهناك من أغلق الباب على نفسه. وهناك من هرب. وهناك من لم يستطع الهرب. وهناك من مات. وهنا يجب أن نضع فاصلاً أخلاقياً ومنهجياً حاسماً: المسؤولية يجب أن تتبع الفعل، لا الهوية. من شارك في القمع يتحمل مسؤوليته. ومن شارك في التعذيب يتحمل مسؤوليته. ومن قاتل إلى جانب النظام يتحمل مسؤوليته. ومن ارتكب انتهاكات في صفوف المعارضة يتحمل مسؤوليته. ومن ارتكب جرائم باسم الإسلام أو الثورة أو فلسطين يتحمل مسؤوليته. لكن لا توجد قاعدة أخلاقية أو تاريخية تسمح بتحويل مسؤولية الأفراد أو الفصائل إلى مسؤولية جماعة فلسطينية بأكملها. وهذه ليست محاولة لتبرئة أحد. بل هي محاولة لمنع الكذب على التاريخ. فالمصادر التي تناولت اليرموك من الداخل تظهر بوضوح أن الغالبية الفلسطينية كانت ترى في الحياد ضرورة لحماية المجتمع، وأن القوى التي اختارت الاصطفاف كانت تمثل مواقف محددة داخل مجتمع أوسع وأكثر تنوعاً.
الحياد في الحروب لا يحمي صاحبه دائماً. بل قد يصبح، في بعض اللحظات، أكثر المواقف خطراً. فالنظام كان يريد من المخيمات أن تثبت ولاءها. والمعارضة كانت تريد أن تدخلها وتستفيد من موقعها. والفصائل الفلسطينية كانت تريد، بدرجات متفاوتة، الحفاظ على مواقعها. أما المدني الفلسطيني فكان يريد شيئاً أبسط: أن لا تتحول شوارع المخيم إلى جبهة. لكن المخيم لم يعد يملك قرار نفسه. وتكشف الشهادات الداخلية أن السلاح بدأ يدخل إلى اليرموك من قوى موالية للنظام، وأن مجموعات معارضة سعت بدورها إلى استقطاب الفلسطينيين والدخول إلى المخيم، فيما أخذت قدرة المبادرات الفلسطينية على فرض الحياد بالتآكل. وتشير شهادة بيتاري إلى أن ائتلافاً شبابياً فلسطينياً حاول الحفاظ على حياد اليرموك، لكنه انهار في النهاية لأنه لم يمتلك الوسائل لحماية القرار الذي اتخذه. وهنا وقع الانقلاب: من كان يريد البقاء خارج الحرب أصبح متهماً بأنه مع هذا الطرف أو ذاك. ومن حاول أن يحمي المخيم من دخول السلاح وجد نفسه أمام السلاح. ومن رفض القتال وجد أن القتال دخل بيته. ومن حاول أن يغادر وجد الطريق مغلقاً. ومن بقي أصبح محاصراً. ومن نجا من الحصار أصبح نازحاً.
في ديسمبر/كانون الأول 2012، انفجرت المعارك في اليرموك بصورة واسعة. كان في المنطقة نحو 160 ألف لاجئ فلسطيني. وخلال فترة قصيرة، أدت المعارك والقصف واستخدام الأسلحة الثقيلة إلى نزوح جماعي من اليرموك، ثم دخل المخيم لاحقاً في واحدة من أكثر مراحل الحصار قسوة في الحرب السورية. وتؤكد الأونروا أن اليرموك، الذي كان قبل الحرب أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، تعرض لدمار واسع ونزوح جماعي، وأن 72 في المئة من المساكن تضررت خلال الحرب. هنا لم يعد الفلسطيني السوري يعيش فقط آثار النكبة الأولى. لقد دخل النكبة الثانية داخل اللجوء نفسه. هذه العبارة ليست مبالغة شعرية. لأن الإنسان الذي خرج من فلسطين عام 1948 لم يكن يتصور أن المكان الذي لجأ إليه سيصبح بعد ستة عقود ونصف مكاناً آخر يضطر فيه إلى حمل أطفاله والبحث عن مأوى جديد. كان اللاجئ الفلسطيني قد غادر فلسطين لأنه فقد البيت. ثم اضطر في سوريا إلى مغادرة البيت الذي بناه بعد النكبة. ولهذا فإن النزوح السوري للفلسطيني ليس مجرد «نزوح داخلي». إنه نزوح فوق نزوح. ومنفى فوق منفى. وذاكرة اقتلاع تُضاف إليها ذاكرة اقتلاع جديدة.
ربما يكون من السهل أن نحصي البيوت المهدمة. لكن الأصعب أن نحسب ما لا يظهر في الإحصاءات. كم زواجاً تشكل في اليرموك؟ كم عائلة؟ كم صداقة؟ كم مكتبة؟ كم صورة؟ كم وثيقة؟ كم حكاية عن فلسطين؟ كم طفلاً حفظ اسم قريته الفلسطينية من جده في شارع من شوارع اليرموك؟ كم مقبرة؟ كم دكاناً؟ كم مهنة؟ كم حياة عادية؟ حين دُمّر اليرموك لم يُدمّر عمران فقط. دُمّرت قابلية مجتمع فلسطيني على الاستمرار في المكان. ولهذا فإن صورة اليرموك المدمرة ليست صورة حرب سورية فقط. إنها صورة عن هشاشة كل استقرار فلسطيني خارج فلسطين. فاللاجئ يستطيع أن يبني حياة كاملة، لكنه يظل معرضاً لأن تتحول هذه الحياة، في لحظة تاريخية واحدة، إلى أنقاض. وقد وثقت الأونروا أن 72 في المئة من مساكن اليرموك تضررت، وأن منشآتها تعرضت لأضرار واسعة، بينما تحولت عملية إعادة الخدمات إلى مسار طويل ومتدرج. وهنا تصبح المسألة أكبر من إعادة إعمار. لأن إعادة بناء الجدار لا تعيد بالضرورة بناء المجتمع.
وليست مأساة اليرموك وحدها. ومن الأخطاء أن نختزل الفلسطينيين في سوريا باليرموك، رغم مركزية اليرموك. فقد تعرضت مخيمات أخرى إلى الحرب والنزوح والدمار، من عين التل وحندرات ومخيم النيرب في حلب إلى درعا وخان الشيح وسبينة وغيرها. وفي عين التل، مثلاً، تعرض آلاف الفلسطينيين للنزوح. وفي درعا، تحولت بيئة المخيم إلى واحدة من أكثر البيئات تضرراً. وفي خان الشيح، عاش السكان سنوات من القصف والحصار والضغط العسكري. وفي سبينة، فقد الفلسطينيون القدرة على الوصول إلى المخيم والخدمات لفترات طويلة. وهكذا لم تكن الحرب حادثة أصابت مخيماً واحداً. كانت إعادة توزيع قسرية للجغرافيا الفلسطينية داخل سوريا وخارجها. وتؤكد الأونروا أن اليرموك وعين التل ودرعا كانت من أكثر التجمعات الفلسطينية تضرراً، وأن النزوح شبه الكامل من هذه المناطق، إلى جانب الدمار الواسع في المساكن والبنية التحتية، ما زال عائقاً أمام العودة المستدامة.
النيرب: مخيم الذاكرة في قلب العاصفة
ولعل مخيم النيرب في حلب يختصر، بصورة قاسية، جانباً عميقاً من المأساة الفلسطينية في سوريا. فالنيرب لم يكن مجرد تجمع للاجئين، بل مجتمعاً فلسطينياً تشكل منذ النكبة، يحمل ذاكرته الوطنية، ويضم عائلات وأجيالاً ومناضلين، ونسج طوال عقود علاقات عميقة مع محيطه السوري، وتقاسم معه الحياة والعمل والهموم. لكنه كان، قبل الحرب بوقت طويل، يعيش تحت عين أمنية كثيفة: مكاتب للأجهزة الأمنية، ورقابة، وإرهاب فكري وجسدي، واعتقالات طالت كثيراً من أبنائه. ومن هنا لا يمكن فهم ما جرى له أثناء الحرب من دون فهم ذلك التاريخ الذي سبقها.
ومع بداية الأزمة السورية، حاول أهل النيرب أن يفعلوا ما يستطيعون لحماية مخيمهم من الانجرار إلى الحرب. تشكلت لجان أهلية لتأمين الغذاء وتنظيم الحياة وحماية الناس، ولإقامة حسن الجوار مع القرى المحيطة، بل فتح المخيم أبوابه لعائلات سورية مهجّرة من محيطه، واستقبلها في مدارسه ومرافقه. كان ذلك، في جوهره، محاولة مجتمع صغير لأن يقول: نحن جزء من هذا المكان، لكننا لا نريد أن نكون جزءاً من الحرب. غير أن تحييد المخيم لم يكن مرغوباً من أطراف الصراع؛ ومع تصاعد التوتر في محيطه، ووقوع حوادث دامية استُخدمت لتأجيج الخوف والخصومة، بدأ هذا الحياد يتآكل، وأصبح المخيم نفسه جزءاً من الصراع على المنطقة ومطار النيرب الملاصق له.
ثم جاءت الحرب إلى البيوت مباشرة. فموقع المخيم جعل منه واقعاً بين جبهات القتال ومحاولات السيطرة على المطار، فسقطت القذائف فوق البيوت، وسقط ضحايا من أبنائه وأطفاله، وشهد المخيم حادثة سقوط الطائرة فوق تجمع سكني. وبعد ذلك عاش حصاراً طويلاً من الجهات المحيطة به، حتى نفدت المؤن، ولم تعد العائلات تجد ما يكفيها من الطعام. وأنا، الذي عشت في النيرب خمس سنوات خلال سنوات الأزمة والحرب، أعرف معنى أن تمر أيام وشهور لا تكون فيها للعائلة سوى وجبة واحدة؛ ليس بوصفه رقماً في تقرير، وإنما كتجربة يومية عاشها الناس تحت الحصار والخوف وانتظار المجهول.
والأكثر إيلاماً أن الذين حاولوا في البداية حماية الحياد والسلم الأهلي وجدوا أنفسهم لاحقاً تحت الضغط والاعتقال والملاحقة؛ فمنهم من فرّ، ومنهم من سُجن، ومنهم من انتهى مصيره إلى الاستشهاد. وهكذا لم تكن مأساة النيرب أن الفلسطينيين اختلفوا حول الحرب فحسب؛ بل أن مجتمعاً صغيراً حاول أن يحمي نفسه من الحرب، فلم يُسمح له بأن يبقى محايداً، ثم حُوّلت هويته الفلسطينية نفسها إلى مادة في الصراع.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل كان النيرب مع النظام أم مع الثورة؟ بل: كيف استطاع نظام أمني أخضع هذا المخيم لعقود أن يستثمر موقعه الاستراتيجي، وخوفه، وانقساماته، واسم فلسطين، ليمنع مجتمعاً صغيراً من امتلاك حقه في الحياد؟
ولم يكن كتلة سياسية واحدة؛ كان شعباً وذاكرة وبيوتاً وأطفالاً ولجاناً أهلية حاولت أن تبقي الحياة ممكنة. وما جرى له يذكّرنا بأن الفلسطيني في سوريا لم يكن يملك دائماً حتى الحق في أن يبقى بعيداً عن الحرب، لأن غياب الحامل الوطني القادر على حماية هذا الحياد تركه مكشوفاً أمام من يملك السلاح والقرار.
فالمخيم بالنسبة إلى الفلسطيني لم يكن مجرد مكان يذكّره بفلسطين. كان أيضاً المكان الذي أعاد فيه إنتاج فلسطين. في المدرسة، في الأغنية، في أسماء الشوارع، في صور الشهداء، في الأعراس، في الحكايات، في الطعام، في التطريز، في أسماء القرى، وفي الذاكرة العائلية. وحين تهجّر الفلسطيني من المخيم، لم يكن يحمل معه أثاث البيت فقط. كان يحمل معه أجزاء من أرشيف فلسطين. لكن الأرشيف نفسه كان مهدداً. لأن النزوح المتكرر لا يسرق المكان فقط. إنه يهدد القدرة على نقل الذاكرة. وهذا يفسر لماذا لا ينبغي النظر إلى تدمير المخيمات الفلسطينية بوصفه نتيجة إنسانية للحرب فحسب. لقد أصاب الحرب البنية المكانية للذاكرة الفلسطينية. وهذا ما يجعلها أكثر من مجرد كارثة عمرانية.
يجب هنا أن نكون صريحين أكثر. لا يمكن كتابة تاريخ الفلسطينيين في سوريا بعد 2011 بطريقة تجعل كل فلسطيني ضحية بريئة لكل شيء. هذا غير صحيح. كما أنه ليس مطلوباً. فقد شارك فلسطينيون، أفراداً وفصائل، إلى جانب النظام. وكان لبعض الفصائل دور مباشر في القتال وفي السيطرة الأمنية داخل المخيمات. وهذا جزء من التاريخ، ويجب ألا يُمحى خوفاً من استغلاله ضد الفلسطينيين. لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول هذه الحقيقة إلى صيغة: «الفلسطينيون كانوا مع النظام». فهذه الجملة خاطئة تاريخياً. مثلما أن الجملة المقابلة: «الفلسطينيون كانوا جميعاً مع الثورة». خاطئة أيضاً. والحقيقة أكثر تعقيداً. كانت هناك غالبية كبيرة أرادت الحياد في البداية. وكان هناك من رأى في الثورة السورية امتداداً طبيعياً لحق السوريين في الحرية. وكان هناك من خاف من انهيار الدولة. وكان هناك من رأى في النظام حماية للقضية الفلسطينية. وكان هناك من رفض النظام منذ البداية. وكان هناك من لم يثق بالمعارضة. وكان هناك من لم يثق بالنظام. وكان هناك من لم يثق بأحد. وهناك من كان كل ما يعنيه أن يبقى أطفاله أحياء. هذه هي الحقيقة الاجتماعية. أما تحويلها إلى موقف واحد، فهو صناعة لاحقة للذاكرة.
وهنا نصل إلى الجرح الفلسطيني نفسه. فماذا فعلت منظمة التحرير؟ وماذا فعلت السلطة؟ وماذا فعلت الفصائل؟ وماذا كان بإمكانها أن تفعل؟ الجواب يجب ألا يكون تبسيطياً. فمنظمة التحرير لم تكن تملك دولة ذات سيادة تستطيع إرسال جيش لحماية اليرموك. والسلطة الفلسطينية لم تكن تملك الأدوات التي تجعلها قادرة على حماية فلسطيني يعيش خارج نطاق سيطرتها الجغرافية. لكن هذه الحقيقة لا تعفي القيادة الفلسطينية من سؤال آخر: ماذا يعني التمثيل إذا لم يستطع حماية الإنسان الفلسطيني في اللحظة التي يصبح فيها وجوده مهدداً؟ لقد دعت القيادة الفلسطينية إلى عدم جر المخيمات الفلسطينية إلى الصراع السوري، لكن الحياد السياسي، من دون قوة سياسية قادرة على حمايته، بقي في كثير من الأحيان موقفاً أخلاقياً لا يمتلك أدوات تنفيذه. وتكشف الشهادة الداخلية المنشورة في «مجلة الدراسات الفلسطينية» نقداً حاداً لفشل البنية الوطنية الفلسطينية في حماية حياد المخيمات، مع الإقرار في الوقت نفسه بضعف الفصائل وانقسامها وخوفها من النظام. وهنا يظهر أحد أعمق دروس التجربة السورية: الفلسطيني كان يمتلك تمثيلاً سياسياً باسم فلسطين، لكنه لم يكن يمتلك حاملاً وطنياً قادراً على حماية الفلسطيني حين يصبح في خطر.
وهذه ليست مشكلة سوريا وحدها. إنها مشكلة فلسطينية بنيوية. لقد ظل الفلسطيني في سوريا يحمل بطاقة لاجئ، لكنه لم يحمل دولة. وظل يحمل منظمة تحرير، لكنها لم تكن دولة. وظل يحمل سلطة فلسطينية، لكنها لا تملك سلطة عليه ولا على مكان وجوده. وظل يحمل قضية تحظى بالتعاطف العالمي، لكن التعاطف لم يتحول إلى آلية حماية. فماذا يفعل الإنسان عندما تتعدد رموز تمثيله بينما تغيب قدرته الفعلية على الحماية؟ هنا يصبح الحامل الوطني سؤالاً لا يمكن تأجيله.
كان الفلسطيني في سوريا يحتاج إلى حماية سياسية. لكن المؤسسة الفلسطينية الرسمية كانت، بحكم طبيعة النظام الدولي والإقليمي، محدودة القدرة. وهذه الحقيقة لا تعني إسقاط المسؤولية السياسية، بل تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل تستطيع الحركة الوطنية أن تكون حاملاً فعلياً للفلسطينيين في الشتات، أم أن الشتات ظل ملفاً سياسياً عند الضرورة وملفاً إغاثياً عند الأزمة؟ الحرب السورية كشفت هذه الفجوة بصورة قاسية. فالأونروا تستطيع أن تقدم الغذاء والتعليم والصحة والمساعدة النقدية، لكنها ليست دولة حماية. والأمم المتحدة تستطيع أن توثق وتناشد، لكنها لا تستطيع أن تعيد بيتاً إلى مكانه. وهكذا وجد الفلسطيني السوري نفسه في فراغ نادر: هو صاحب قضية دولية، لكنه بلا قوة دولية تحميه؛ وصاحب هوية وطنية، لكنه بلا دولة تحمي حامل هذه الهوية؛ وصاحب حق في العودة، لكنه يعيش في بلد آخر يحتاج فيه إلى حماية لا يستطيع وطنه الأصلي توفيرها.
كان المجتمع الفلسطيني في سوريا قبل الحرب يتجاوز نصف مليون شخص. وبعد عقد من الحرب، تعرض أكثر من نصف اللاجئين الفلسطينيين للنزوح مرة واحدة على الأقل، واضطر عشرات الآلاف إلى مغادرة سوريا. ومع استمرار الأزمة، أصبح الفلسطينيون من أكثر فئات المجتمع السوري هشاشة؛ وتقول الأونروا إن نحو 438 ألف لاجئ فلسطيني كانوا ما زالوا مسجلين في سوريا وفق بيانات 2024، وأن نحو 40 في المئة منهم كانوا في حالة نزوح، فيما كان أكثر من 90 في المئة يعيشون تحت خط الفقر. وفي 2025 ارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي بين اللاجئين الفلسطينيين إلى 92 في المئة وفق أحدث بيانات الأونروا. أي أن الحرب انتهت عسكرياً بالنسبة إلى كثيرين، لكنها لم تنتهِ اجتماعياً. قد تتوقف الجبهة. لكن لا يعود البيت. ولا تعود الوظيفة. ولا يعود الابن الذي هاجر. ولا تعود المدرسة. ولا تعود شبكة العلاقات. ولا يعود الشعور بالأمان. الحرب تنتهي سياسياً قبل أن تنتهي في حياة الناس بسنوات طويلة.
هنا ظهرت عبارة «المنفى المزدوج». لكنها، رغم دقتها، قد لا تكون كافية. لأن الفلسطيني السوري لم يخرج من فلسطين إلى سوريا ثم من سوريا إلى مكان واحد. لقد دخل في سلسلة من المنافي. فلسطين → سوريا. ثم اليرموك → دمشق أو الريف. ثم سوريا → لبنان. أو سوريا → الأردن. أو سوريا → تركيا. أو سوريا → أوروبا. ثم يبدأ السؤال من جديد: أين الوطن؟ وأين العودة؟ وأي عودة؟ إلى فلسطين؟ إلى سوريا؟ إلى المخيم؟ إلى البيت القديم؟ إلى المكان الذي دمرته الحرب؟ إلى مكان لم يعد موجوداً كما كان؟ لهذا فإن المنفى الفلسطيني في سوريا لم يعد مجرد انتقال جغرافي. إنه تفكك متسلسل لمعنى المكان.
وكان سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 لحظة فاصلة في تاريخ سوريا. لكن بالنسبة إلى الفلسطينيين، لم يكن سقوط النظام يعني انتهاء المشكلة. فقد كان السؤال التالي أكثر صعوبة: ماذا سيحدث للفلسطيني الذي عاش سبعة عقود داخل سوريا، وكان النظام السابق قد استخدم فلسطين سياسياً لعقود، ثم أصبح هذا الاستخدام نفسه جزءاً من ذاكرة المرحلة السابقة؟ هنا تبدأ مرحلة جديدة. في المرحلة الأولى، كان الخطر أن يُختزل الفلسطيني في «حليف للنظام». وفي المرحلة الجديدة، يصبح الخطر أن يتحول إلى رمز من رموز النظام القديم. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية حساسة للغاية. لأن الفلسطيني الذي لم يختر النظام قد يدفع ثمن رمزية نظام لم يختره. والفلسطيني الذي قاوم النظام قد يُحاسب اجتماعياً على أفعال فصيل لم يكن عضواً فيه. والفلسطيني الذي كان مع الثورة قد يجد نفسه في النقاش نفسه مع الفلسطيني الذي وقف مع النظام. وهكذا يصبح المجتمع الفلسطيني كله أمام محكمة ذاكرة لا تعترف بالفروق.
في المجتمعات الخارجة من الحروب، تظهر حاجة نفسية وسياسية إلى تفسير الماضي. من فعل بنا ذلك؟ من خان؟ من كان مع النظام؟ من كان مع الثورة؟ من كان عميلاً؟ من كان متواطئاً؟ من كان صامتاً؟ وهذه الأسئلة مشروعة. لكنها تصبح خطرة عندما تنتقل من البحث في الأفعال إلى البحث في الهويات. وعندها يصبح الفلسطيني هدفاً سهلاً. فهو جماعة واضحة، له تاريخ مرتبط بالنظام السابق من جهة، وبالفصائل الفلسطينية من جهة ثانية، وبالقضية الفلسطينية التي استخدمها النظام طويلاً من جهة ثالثة. وهكذا يمكن أن يحدث شيء شديد الخطورة: أن يُحاسَب الفلسطيني ليس على ما فعله، بل على المعنى الذي أُلصق به.
وهذه هي النقطة التي كتبت عنها سابقاً: بعد سقوط النظام، قد تنتقل فلسطين من كونها مصدر شرعية للنظام إلى أن تصبح، في نظر بعض الخطابات، جزءاً من إرثه الذي ينبغي التخلص منه. لكن الفلسطيني ليس النظام. والفصيل ليس المجتمع. وفلسطين ليست حزباً سورياً. واللاجئ ليس مسؤولاً عن خطاب السلطة التي استضافته.
ثمة مفارقة تاريخية لا يجوز تجاهلها. النظام السوري استخدم القضية الفلسطينية بوصفها جزءاً من شرعيته القومية. لكن الفلسطينيين أنفسهم دفعوا ثمناً باهظاً عندما دخلت سوريا الحرب. أي أن القضية التي قيل إنها مصدر قوة للفلسطيني تحولت، في لحظة الانهيار، إلى أحد أسباب هشاشته. وهذه واحدة من أقسى مفارقات التجربة. لقد عاش الفلسطيني في سوريا داخل دولة تقول إن فلسطين قضيتها المركزية، لكنه اكتشف في الحرب أن الشعار لا يحمي الإنسان عندما تنهار الدولة. وهنا لا يعود السؤال عن النظام وحده، بل عن العلاقة بين القضية والسلطة. ماذا يحدث عندما تتحول القضية العادلة إلى مورد للشرعية؟ ومن يدفع ثمن ذلك عندما تتغير السلطة؟ في الحالة السورية، كان الجواب المؤلم هو: الفلسطيني نفسه.
المخيم في الوعي الفلسطيني هو المكان الذي يحمي الذاكرة من الذوبان. لكن الحرب السورية قلبت المعنى. المخيم أصبح مكاناً مكشوفاً. مكاناً يمكن أن تدخله القوات، وتقاتل فيه الفصائل، وتحاصره، وتقصفه، وتمنع عنه الغذاء، ثم تترك سكانه أمام خيارين: الموت في المكان، أو النجاة من المكان. وهذه ليست مفارقة صغيرة. إنها انقلاب في وظيفة المخيم. فالمخيم الذي أنشئ بوصفه مكاناً مؤقتاً لحماية اللاجئ أصبح، بعد عقود، أحد الأماكن الأكثر تعرضاً للنزوح. اليرموك مثال صارخ. فقبل الحرب كان يضم نحو 160 ألف لاجئ فلسطيني، وبعد سنوات الحرب والحصار والقتال أصبح مجتمعاً مدمراً ومهجراً، قبل أن تبدأ عودة تدريجية منذ السنوات الأخيرة. وتقول الأونروا إن عدد الفلسطينيين العائدين والمسجلين في اليرموك ازداد بعد سقوط النظام السابق، ووصل عدد الموجودين في المنطقة إلى نحو 15,300 شخص في فبراير/شباط 2025، كان 80 في المئة منهم من اللاجئين الفلسطينيين. لكن السؤال هنا ليس فقط: كم شخصاً عاد؟ بل: إلى ماذا عاد؟
العودة إلى المخيم لا تعني بالضرورة أن المخيم عاد. فحين يكون البيت مهدماً، والماء والكهرباء والصرف الصحي غير مستقرين، والخدمات محدودة، والعمل غائباً، والاقتصاد منهاراً، فإن العودة قد تكون اختياراً عاطفياً، لكنها قد تكون أيضاً اضطراراً اقتصادياً. وتشير الأونروا إلى أن عجز اللاجئين عن دفع الإيجارات في أماكن النزوح، والرغبة في لمّ شمل الأسر، كانا من أهم دوافع العودة إلى سوريا وفي داخلها، حتى إلى مناطق ما زالت البيوت فيها متضررة والبنية التحتية مدمرة. وفي النصف الأول من 2025 تجاوز عدد حركات عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى سوريا وداخلها 29 ألفاً، أي أكثر من ضعف العدد المسجل خلال السنوات الخمس السابقة مجتمعة. إذن علينا أن نفرق بين العودة إلى المكان واستعادة الحياة في المكان. الأولى حركة جغرافية. والثانية عملية تاريخية طويلة.
وهنا يظهر سؤال لم يُطرح بما يكفي: من سيعيد بناء الفلسطيني؟ الحرب السورية دمرت البيوت. لكن من سيعيد بناء المجتمع؟ من سيعيد المدارس؟ من سيعيد شبكات الرعاية؟ من سيعيد أرشيف العائلات؟ من سيعيد العلاقات التي تشتتت في لبنان والأردن وأوروبا وتركيا؟ من سيعيد الذين ماتوا؟ من يعيد أبناء اليرموك الذين أصبحوا اليوم مواطنين في بلدان أخرى؟ من يعيد الطالب الذي بدأ حياته من جديد في بلد أوروبي؟ من يعيد المرأة التي دفعت ثمن النزوح؟ ومن يعيد إلى الطفل الفلسطيني السوري حقه في أن يكبر في مكان واحد دون أن يصبح خبيراً في خرائط الحدود والمخيمات؟ هذه أسئلة لا تستطيع إعادة الإعمار الهندسية الإجابة عنها. لأن المجتمع ليس إسمنتاً.
كان الفلسطيني في سوريا يحتاج إلى حماية سياسية، لكن المؤسسة الفلسطينية الرسمية كانت محدودة القدرة. وكان هذا أحد أوجه المأساة التي يجب ألا نخفيها. فالسلطة الفلسطينية لم تكن تملك السيادة على الفلسطينيين في سوريا. ومنظمة التحرير لم تعد تملك القوة التي تجعل موقفها من حياد المخيمات قراراً قابلاً للتنفيذ. والفصائل نفسها كانت منقسمة أو مرتبطة بأطراف إقليمية مختلفة. والأونروا تستطيع أن تقدم الغذاء والتعليم والصحة، لكنها ليست دولة حماية. والأمم المتحدة تستطيع أن تصدر البيانات، لكنها لا تستطيع أن تعيد بيتاً إلى مكانه. وهكذا وجد الفلسطيني السوري نفسه في فراغ نادر: هو صاحب قضية دولية، لكنه بلا قوة دولية تحميه؛ وصاحب هوية وطنية، لكنه بلا دولة تحمي حامل هذه الهوية؛ وصاحب حق في العودة، لكنه يعيش في بلد آخر يحتاج فيه إلى حماية لا يستطيع وطنه الأصلي توفيرها.
وربما آن الأوان أيضاً للتخلص من لغة «الضيف». الفلسطيني الذي عاش في سوريا سبعين عاماً لا يمكن اختزاله في صورة الضيف. الضيف يغادر. أما الفلسطيني السوري فقد ولد ومات في سوريا. دفن والده فيها. تزوج فيها. درس فيها. عمل فيها. أنجب أولاده فيها. وبنى بيته فيها. وحمل معه في الوقت نفسه اسم قرية فلسطينية لم يرها. إنه ليس ضيفاً بالمعنى الاجتماعي. لكنه ليس مواطناً سورياً بالمعنى القانوني. وهذه المسافة هي التي يجب أن نفهمها. إنها ليست نقصاً ينبغي أن يُمحى بالجنسية. بل وضع تاريخي ينبغي أن يُدار بالعدالة. عدالة الوجود.
أن تكون فلسطينياً في سوريا دون أن تُعاقب على ذلك. هذا هو الحد الأدنى الذي ينبغي أن يكون واضحاً في أي حديث عن مستقبل الفلسطينيين في سوريا. لا نريد توطيناً. ولا نريد محواً للصفة الفلسطينية. ولا نريد أن يصبح الفلسطيني «أجنبياً» في الوثائق. ولا نريد أن تتحول هويته إلى عبء أمني. ولا نريد امتيازاً فوق السوريين. نريد شيئاً أبسط وأكثر عدلاً: أن يكون للفلسطيني حقه في الحياة الكريمة. أن يعمل. أن يتعلم. أن يسكن. أن يمتلك شروط الاستقرار المشروع. أن يحصل على الوثائق التي تثبت وجوده وهويته. أن يحظى بالحماية القانونية. أن لا يُعاقب على أصل لم يختره. وأن يبقى فلسطينياً دون أن يتحول ذلك إلى تهمة. وهذا هو جوهر عدالة الوجود.
وهنا يجب أن نكون واضحين أيضاً. إن أفضل مستقبل للفلسطيني في سوريا ليس أن يُطلب منه أن يصبح سورياً حتى يُقبل. بل أن يُقبل وهو فلسطيني. كما أن أفضل مستقبل لسوريا ليس أن تبحث عن هوية نقية مغلقة، بل أن تبني دولة قادرة على التعامل مع الذين يعيشون فيها باعتبارهم بشراً وذوي حقوق، مع احترام خصوصية وضع اللاجئ الفلسطيني وحقه في فلسطين. فالمواطنة ليست الشكل الوحيد للعدالة. والجنسية ليست الشكل الوحيد للانتماء. والعيش المشترك لا يحتاج دائماً إلى محو الاختلاف. يمكن للإنسان أن يكون فلسطينياً وأن يكون جزءاً أصيلاً من المجتمع السوري في الوقت نفسه.
ولأن الحديث عن سوريا كثيراً ما يختصر الفلسطينيين بدمشق واليرموك، يجب ألا ننسى الشمال. النيرب في حلب، وحندرات، ومجتمعات الفلسطينيين في الشمال السوري، تحمل تاريخاً مختلفاً لكنه متصل. وفي النيرب تحديداً، تشكلت حياة فلسطينية كاملة منذ وصول اللاجئين بعد النكبة، ثم جاءت الحرب لتضيف إلى تاريخ اللجوء طبقة جديدة من النزوح. وهنا تصبح المسألة شخصية وجماعية في الوقت نفسه. فالفلسطيني الذي عاش في النيرب أو اليرموك أو حندرات لم يكن يضع في ذهنه أنه يعيش «خارج وطنه» كل صباح. كان يذهب إلى العمل. يعود إلى البيت. يزور الجيران. يربي أبناءه. ويحفظ في ذاكرته فلسطين. هذه هي الحياة التي يجب ألا تختفي عندما نكتب تاريخ الحرب. لأن التاريخ الذي لا يرى الإنسان العادي يترك الحقيقة للفصائل والجيوش.
السؤال مشروع: ماذا فعل الفلسطينيون في الحرب؟ لكن يجب أن يُطرح بطريقة مختلفة. لا نسأل: ماذا فعل الفلسطينيون؟ بل: ماذا فعل الفلسطينيون، كل بحسب موقعه، وكيف أثرت تلك الأفعال في مجتمعهم؟ هناك من اختار النظام. هناك من اختار الثورة. هناك من اختار الحياد. هناك من اختار المقاومة المدنية. هناك من حمل السلاح. هناك من هرب. هناك من بقي. وهناك من لم تكن لديه القدرة أصلاً على الاختيار. كل هؤلاء فلسطينيون. ولا يجوز أن يمحو أحدهم الآخر. بل يجب أن تُكتب هذه التعددية نفسها بوصفها جزءاً من تاريخ الفلسطينيين في سوريا.
نحن بحاجة إلى موقف أخلاقي واضح. لا نريد تبرئة الفلسطينيين من كل شيء. ولا نريد جلد الفلسطينيين بسبب كل شيء. الأول تزوير. والثاني ظلم. نريد الحقيقة. ومن يريد الحقيقة يجب أن يقبل أن بعض الفلسطينيين أخطأوا، وأن بعض الفصائل ارتكبت أخطاء وانتهاكات، وأن بعض القيادات اتخذت قرارات كارثية. لكن الحقيقة نفسها تقول إن مئات الآلاف من الفلسطينيين لم يكونوا أعضاء في هذه الفصائل، ولم يصنعوا تلك القرارات، ولم يملكوا السلاح، ولم يشاركوا في القتال. كانوا فقط سكاناً لمخيمات ومدن دخلت الحرب. ولهذا لا يجوز أن يتحول النقد المشروع إلى عقوبة جماعية مؤجلة.
إذا كانت سوريا الجديدة تريد بناء ذاكرة عادلة، فعليها أن تفتح ملفات كل من ارتكب الجرائم، بغض النظر عن هويته السياسية أو القومية. ويجب أن تشمل هذه الملفات الانتهاكات التي تعرض لها الفلسطينيون. لا لأن الفلسطينيين «أفضل» من غيرهم، بل لأنهم كانوا جزءاً من المجتمع الذي دُفع ثمن الحرب فيه. اليرموك يحتاج إلى ذاكرة. وحندرات يحتاج إلى ذاكرة. وعين التل يحتاج إلى ذاكرة. والتسرب يحتاج إلى ذاكرة . ودرعا يحتاج إلى ذاكرة. وخان الشيح يحتاج إلى ذاكرة. وكل بيت فلسطيني فقد شخصاً أو بيتاً أو وظيفة أو مستقبلاً يحتاج إلى أن يُرى في التاريخ. فإذا اختفت هذه الذاكرة، ستنشأ رواية جديدة تقوم على التعميم. والتعميم هو أول الطريق إلى الظلم.
وإذا كانت العدالة الانتقالية تعني شيئاً، فهي أن تُحاكم الأفعال لا الهويات. إذا ارتكب فلسطيني جريمة، يحاسب. إذا ارتكب سوري جريمة، يحاسب. إذا ارتكب فصيل فلسطيني جريمة، يحاسب. إذا ارتكبت مؤسسة من مؤسسات الدولة جريمة، تحاسب. لكن لا تُحاكم الهوية. ولا يُحاكم المخيم. ولا يُحاكم اللاجئ بسبب كونه لاجئاً. وهذه ليست مثالية أخلاقية. إنها شرط للعدالة الانتقالية نفسها.
لقد كشفت الحرب السورية هشاشة فكرة طالما اعتدنا عليها: أن الفلسطيني يستطيع أن يعيش في الشتات ما دام بعيداً عن السياسة. فالمشكلة ليست دائماً في أن تدخل السياسة. أحياناً السياسة تدخل إليك. وتدخل بيتك. وتدخل المخيم. وتقتل أبناءك. وتدمر مدرستك. ثم تسألك بعد ذلك: لماذا لم تكن محايداً؟ هذه هي مفارقة الفلسطيني السوري. لقد طُلب منه الحياد، لكنه لم يُمنح شروط الحياد. وطُلب منه ألا يتدخل، لكن الآخرين تدخلوا في مخيمه. وطُلب منه ألا يحمل السلاح، لكن السلاح دخل إلى شارعه. وطُلب منه أن يحافظ على فلسطين، بينما كان عليه في الوقت نفسه أن يحافظ على حياته. وهذه معادلة يستحيل على الإنسان العادي حلها.
السؤال اليوم ليس فقط كيف نقرأ الماضي، بل كيف نمنع الماضي من أن يتحول إلى مستقبل. الفلسطيني السوري يحتاج إلى العودة، ولكن العودة ليست فقط إلى الجغرافيا. يحتاج إلى استعادة الأمان. وإلى استعادة الوثائق. وإلى إعادة بناء التعليم. وإلى العمل. وإلى السكن. وإلى حماية قانونية واضحة. وإلى عدم التمييز. وإلى اعتراف صريح بأن وجوده في سوريا ليس امتيازاً ولا منّة. وأن صفته الفلسطينية ليست مشكلة أمنية. وأن المخيمات ليست خزانات بشرية مؤقتة يمكن أن تُترك لمصيرها عند كل أزمة. وفي الوقت نفسه، يحتاج إلى أن تبقى فلسطين حاضرة في وعيه لا بوصفها شعاراً تستخدمه الفصائل، بل بوصفها حقاً تاريخياً وسياسياً. وهنا يمكن أن تلتقي عدالة الوجود مع حق العودة بدلاً من أن تتعارضا.
أن يعيش الفلسطيني في سوريا بكرامة ليس توطيناً. أن يحصل على حقوقه المدنية ليس إسقاطاً لحق العودة. أن يمتلك بيتاً أو يعمل أو يتعلم أو يبني مستقبله ليس تنازلاً عن فلسطين. بل العكس. إن الإنسان الذي يعيش بكرامة هو الأقدر على حفظ ذاكرته. أما الإنسان الذي يُدفع باستمرار إلى الهامش، فقد تتحول الهوية عنده إلى عبء بدلاً من أن تكون مصدر قوة. لذلك فإن عدالة الوجود لا تعني التخلي عن فلسطين. إنها تعني أن لا يصبح الدفاع عن فلسطين سبباً لقبول الظلم في مكان آخر.
سبعة عقود وأكثر من اللجوء الفلسطيني في سوريا يمكن قراءتها باعتبارها تاريخاً من إعادة البناء. بعد 1948، بنى الفلسطيني حياة جديدة. بعد 1967، أعاد بعضهم بناء حياته مرة أخرى. بعد الحرب السورية، أعاد بناءها مرة ثالثة. وفي كل مرة كان يحمل معه الشيء نفسه: الاسم، والذاكرة، والمفتاح، وصورة القرية، وحكاية الجد. لكن الحرب السورية أضافت شيئاً لم يكن في الحسبان: أن يصبح الفلسطيني نفسه نازحاً داخل المنفى. وهنا ربما تكمن المفارقة الأشد قسوة في التجربة كلها. فقد كان الفلسطيني يظن أن سوريا هي المكان الذي يحميه من تكرار النكبة. ثم جاءت الحرب لتثبت أن المنفى نفسه ليس محصناً من النكبات.
لذلك، فإن ما يجري اليوم من محاولات الاصطياد في العتمة، وتحميل الفلسطيني السوري ما لا يحتمل، يجب ألا يُواجَه بالصمت. لكن لا ينبغي مواجهته أيضاً بالتعمية. لا نريد أن نقول: لم يفعل فلسطيني شيئاً. لأن هذا غير صحيح. نريد أن نقول شيئاً أكثر صعوبة: فعل بعض الفلسطينيين، ولم يفعل بعضهم، وعارض بعضهم، وساند بعضهم، وصمت بعضهم، ونجا بعضهم، ومات بعضهم؛ وهذه هي طبيعة المجتمعات البشرية في الحروب. أما تحويل هذه التفاصيل كلها إلى حكم على شعب كامل، فهو ليس تاريخاً. إنه إنتاج جديد للظلم.
لا ينبغي تحميل الفلسطيني مسؤولية خيارات النظام السوري. ولا مسؤولية سياسات الدول العربية. ولا مسؤولية الفصائل التي ارتبطت بهذه الدولة أو تلك. ولا مسؤولية منظمة التحرير عن كل تاريخها، كما لا يمكن تحميله مسؤولية السلطة الفلسطينية. الفلسطيني السوري فرد ومجتمع. وله حق في أن يُقرأ ضمن هذه الحدود. وإذا أردنا أن نكون منصفين، علينا أن نرفض كل محاولة لتحويله إلى وكيل عن جهة أخرى. لا هو وكيل للنظام السوري. ولا هو وكيل لمنظمة التحرير. ولا هو وكيل لحماس. ولا هو وكيل للمعارضة. ولا هو وكيل لحزب أو دولة. هو إنسان فلسطيني عاش في سوريا. وهذا يجب أن يكون كافياً لبدء الحديث.
ربما لم تنتهِ القصة بعد. فالأونروا تشير إلى عودة متزايدة إلى المخيمات، وإلى أن عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين عادوا إلى مخيمات كانت قد أفرغت تقريباً من سكانها خلال الحرب، لكن هذه العودة تجري وسط دمار واسع، وفقر شديد، ومخاطر الذخائر غير المنفجرة، وضعف الخدمات. وتشير أحدث بيانات الأونروا إلى أن أكثر من 42 ألف لاجئ فلسطيني عادوا إلى مخيمات اليرموك وعين التل ودرعا، مقارنة بنحو 12,638 في ديسمبر/كانون الأول 2024، في حين ما زالت تلك المناطق تواجه عوائق كبيرة أمام العودة المستدامة. وهذا يعني أن المستقبل لا يزال مفتوحاً. يمكن لسوريا أن تختار أن يكون الفلسطيني جزءاً من إعادة بناء المجتمع. ويمكنها، إن أخطأت، أن تجعل منه ضحية جديدة لذاكرة الحرب. ويمكن للفلسطينيين أيضاً أن يختاروا بين إعادة إنتاج الفصائلية القديمة أو إعادة بناء حضور سياسي واجتماعي أكثر استقلالاً. ويمكن لمنظمة التحرير أن تستمر في إدارة الشتات بوصفه ملفاً إغاثياً، أو أن تعيد التفكير فيه بوصفه جزءاً أصيلاً من الحامل الوطني.
وهنا يعود السؤال إلى مكانه الأول: ما معنى أن يكون للفلسطيني تمثيل إذا لم يكن لهذا التمثيل أثر في حماية وجوده؟
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأبعد. ليس المطلوب أن يصبح الفلسطيني أقل فلسطينية كي يعيش في سوريا. وليس المطلوب أن يصبح أكثر انعزالاً كي يحافظ على هويته. وليس المطلوب أن يختار بين فلسطين وسوريا. المطلوب هو صياغة علاقة عادلة: فلسطيني في هويته وحقه، وجزء من المجتمع السوري في حياته وكرامته، ولا يكون أحد الأمرين نقيضاً للآخر. هذه هي عدالة الوجود. وهي ليست بديلاً عن حق العودة. وليست توطيناً. وليست امتيازاً. إنها ببساطة الاعتراف بأن الإنسان الذي عاش سبعين عاماً في مكان ما، وبنى فيه حياته، لا يجوز أن يُطلب منه أن يثبت كل يوم أنه يستحق أن يعيش فيه.
وربما تكون أكثر صور المأساة الفلسطينية في سوريا اختزالاً أن الفلسطيني الذي نجا من النكبة، وبنى حياته في المنفى، ثم عاش الحرب السورية، وجد نفسه بعد كل ذلك مطالباً بأن يجيب عن سؤال: أين كنت؟ ومع من كنت؟ وماذا فعلت؟ وهو سؤال مشروع إذا وُجّه إلى فرد متهم بفعل محدد. لكنه يتحول إلى ظلم عندما يُوجّه إلى شعب كامل. فالفلسطيني السوري ليس طرفاً واحداً. ليس فصيلاً. ليس نظاماً. ليس معارضة. ليس قيادة. ليس مخيماً. إنه مجتمع. مجتمع عاش سبعة عقود في سوريا، وشارك في حياتها، وتأثر بتحولاتها، واختلف أفراده في السياسة كما يختلف السوريون أنفسهم، ثم دفع، في كثير من الأحيان، ثمناً أكبر من قدرته على الاحتمال. منهم من أخطأ. ومنهم من قاوم. ومنهم من صمت. ومنهم من قاتل. ومنهم من قتل. ومنهم من قُتل. ومنهم من هرب. ومنهم من بقي. ومنهم من عاد. ومنهم من لم يعد. هذه هي الحقيقة.
ولأنها الحقيقة، فهي لا تحتاج إلى تبرئة جماعية. كما أنها لا تحتاج إلى إدانة جماعية. تحتاج فقط إلى عدالة. عدالة تلاحق من ارتكب الجريمة، لا من حمل الهوية. عدالة تعيد للبيت مكانه، وللمخيم ذاكرته، وللنازح حقه في العودة، وللطفل حقه في المستقبل. عدالة تعترف بأن الفلسطيني لم يطلب يوماً أن يصبح سورياً كي يعيش في سوريا، كما أنه لم يطلب أن يبقى غريباً فيها كي يحافظ على فلسطين. لقد طلب شيئاً أكثر بساطة وأشد عمقاً: أن يكون فلسطينياً من دون أن يُعاقب على فلسطينيته، وأن يعيش في سوريا من دون أن يُطلب منه أن يتخلى عن فلسطين.
تلك هي عدالة الوجود.
وحين ننظر إلى اليرموك، والنيرب، وحندرات، وخان الشيح، ودرعا، وعين التل، وسبينة، وسائر الأمكنة التي حملت الفلسطيني السوري لعقود، لا ينبغي أن نسأل فقط: من دمّرها؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: كيف سمحنا بأن يصبح شعبٌ لجأ إلى مكان كي ينجو من النكبة، محتاجاً بعد سبعين عاماً إلى أن يثبت أنه ليس مسؤولاً عن الحرب التي هدمت ملجأه؟
ربما هنا تكمن المأساة كلها. فالمشكلة ليست فقط أن الفلسطيني فقد المكان. المشكلة أن المكان نفسه أصبح يطالبه، بعد أن فقده، بأن يبرهن على حقه في أن يكون قد عاش فيه.
لكن الفلسطيني السوري لا يحتاج إلى شهادة براءة جماعية. ولا يحتاج إلى منّة. ولا يحتاج إلى أن يُمنح حقاً جديداً. إنه يحتاج فقط إلى أن يُرى كما هو: إنساناً فلسطينياً عاش في سوريا، وبنى فيها حياة، وفقد فيها حياة، ونجا من حرب لم يصنعها وحده، ولا يجوز أن يحمل وزرها وحده.
وإذا كانت سوريا الجديدة تريد حقاً أن تطوي صفحة الماضي، فإن أول اختبار لذلك ليس في كيفية تعاملها مع الأقوياء، بل في كيفية تعاملها مع من لا يملك إلا اسمه وذاكرته وحقه في أن يبقى.
أما الفلسطيني، فعليه أن يقرأ هذه التجربة أيضاً بوصفها درساً قاسياً في معنى التمثيل والحماية والحامل الوطني. فلا يكفي أن تكون القضية حاضرة في الخطب. ولا يكفي أن تكون فلسطين عنواناً للشرعية. ولا يكفي أن يكون للفلسطيني علم ومنظمة وذاكرة. حين يتهدد الإنسان، يجب أن يجد وراء هويته حاملاً يحمي وجوده. وإلا بقي الفلسطيني، مرة أخرى، وحيداً أمام التاريخ.
وكأن النكبة لا تنتهي.
وكأن المنفى لا يكتفي بمنفى واحد.
وكأن السؤال الذي بدأ عام 1948 ما زال مفتوحاً:
كيف نحمي الفلسطيني من أن يتحول كل مكان يلجأ إليه إلى مكان آخر لفقدان الوطن؟