أ. د. عادل الأسطة - [مقدمة الطبعة الأولى لكتاب "أدب المقاومة .. من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات' طبعة وزارة الثقافة الفلسطينية ١٩٩٨]

تصدير

انبثقت فكرة هذه الدراسة من خلال الإجابة عن الأسئلة التي طلب مني مراسل جريدة "الشرق الاوسط" تبيان رأيي فيها. وكانت الجريدة عقدت النية على إصدار ملف عن أدب حزيران 1967 بعد مرور ثلاثين عاما عليه. وقد أنهيت إجاباتي التي أرسلتها الى جريدة "الأيام" الصادرة في رام الله لتنشرها في الخامس من حزيران بعبارة "إن نصوص ما بعد (أوسلو) هي نصوص الخيبة بامتياز. وهذا يستحق دراسة ". ولفتت هذه العبارة نظر المحرر الأدبي فاختارها عنوانا للمقابلة .
وكان استنتاجي ناجما عن متابعتي للروايات الصادرة حديثا، فقد أخذت منذ 12/9/1996 أنشر مقالا اسبوعيا في جريدة "الأيام" احتفل به الصديق أكرم هنية، مما شجعني على مواصلة الكتابة. ورفد دراسة الروايات دراسات اخرى تناولت فيها الشاعر محمود درويش بخاصة، وهي دراسات نشرت إحداها في حزيران 1995 في العدد التاسع من مجلة النجاح للأبحاث، وما زالت بعضها تنتظر النشر أو الإنجاز.
والتفت، وأنا أدرس الروايات وأكتب عنها واحدة واحدة، إلى صورة الذات وصورة الآخر، وقارنت الصورتين بما كانتا عليه في نصوص الانتفاضة بخاصة، ونصوص الأدب الفلسطيني بعامة- وكنت أنجزت رسالة الدكتوراة في هذا الموضوع، كما أنجزت دراسات أخرى، وكتبت مقالة تحت عنوان "أدب السلم..أدب الخيبة : قراءة في نصوص (أوسلو) الروائية"، وارسلتها إلى الأستاذ محمود شقير لينشرها في "دفاتر ثقافية" فما فعل، وتبرع الصديق أسعد الأسعد بنشرها في جريدته الأسبوعية "البلاد"، ووعد ألا يحذف مما أكتب أية كلمة، والتزم بهذا، وهكذا استدرجني لمواصلة الكتابة، وهكذا بدأت أكتب سلسلة من المقالات النقدية تحت عنوان "أدب السلم ..أدب الخيبة" متتبعا شعراء كنت أقرأهم، وأكتب عنهم، منذ عشرين عاما.
وكانت قراءتي لرواية يحيى يخلف "نهر يستحم في البحيرة" (1997) وكتابتي عنها دراسة مطولة نشر جزؤها الأول في "الأيام" بتاريخ 13/3/1997، ولم ينشر جزؤها الثاني لاعتراض المحرر الأدبي، كما يبدو، عليه، وكنت ألقيته بتاريخ 16/3/1997 في نادي المدينة بنابلس، بحضور كاتب الرواية، كانت قراءتي الرواية، وكتابتي من ثم، عنها، حافزا آخر للكتابة عن الشعراء الذين واكبوا مسيرة الثورة بخاصة. لقد دفعتني نهاية الرواية التي تختلف عن نهايات روايات يحيى التي كتبها يوم كانت الثورة قوية، إلى النظر في ظاهرتي التفاؤل والتشاؤم في نصوص الشعراء، وربط ذلك بحالات الثورة. ومن هنا جاء عنوان إحدى الدراسات التي تناولت فيها أشعار محمود درويش: "محمود درويش...من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات" مشابها لعنوان دراستي نصوص يحيى : "يحيى يخلف من تفاؤل المنفي إلى خيبة العائد". ولهذا آثرت ان يكون عنوان الكتاب مغايرا للعنوان الذي نشرت أكثر أجزاء هذه الدراسة تحته، وهو: "أدب السلم..أدب الخيبة".
وكنت أرغب في الكتابة عن إميل حبيبي، إذ لا يعقل الكتابة عن أدب المقاومة دون دراسته، وما منعني من ذلك ملاحظتي انه لم يصدر بعد عام 1990 أي نص روائي. لقد قرأت نصيه الأخيرين: "أم الروبابيكا: هند الباقية في وادي النسناس" (مشارف، أيلول، 1995، عدد 2) و "ذكريات: سراج الغولة أو لا تطفئوا هذه الشمعة" (مشارف، آيار، 1997، ع 16)، ووقفت مطولا أمام الافتتاحيات التي كتبها لأعداد المجلة الثمانية الاولى، وأدرجت افتتاحية العدد السابع ضمن نص "سراج الغولة" ، فما لاحظت انه أضاف جديدا إلى ما ورد في رواياته التي كثيرا ما اقتبس منها فقرات طويلة ليدعم رأيه، وليظهر أنه كان تنبه إلى هذا من قبل، وإذا كان هناك من اختلاف فإنه لا يخرج عن واحد من اثنين : مهاجمة ستالين وبعض مواقف لينين، وتركيزه على قضية الضعف الانساني في الإنسان، وربما يعود هذا إلى شيخوخة إميل أو إلى ما كان رفاقه، من قبل، يتهمونه به - أي إلى كونه انتهازيا.
لقد بحثت عن صورة الآخر في "سراج الغولة" الذي كتب إميل جزءا منه بالعبرية عام 1988، لينشر في مجلة (بوليتيكا)، ولاحظت أنها - أي صورة الآخر - لم تختلف عنها في رواياته. حقا إن هناك تفصيلات ما وردت في نصوصه إلا أن المرء لا يعدم قراءة ما هو قريب منها، وبخاصة في "المتشائل"، وسنجد أن إميل يقتبس فقرات من رواياته آتى فيها على تصوير الآخر (انظر : مشارف، آيار1997، عدد 16، ص 20-24)، ولأنني كتبت دراسة عن صورة الذات والآخر في المتشائل (أنظر مشارف، آذار 1996، عدد 7) ، فلا أرى ضرورة لتكرار الكتابة.
ويبدو أن إميل الذي يصر على أنه لا يرى من القمر إلا وجهه المضيء (أنظر
مشارف، ع 16، ص 22) ولهذا كتب عن اليهود الشيوعيين وأبرز لهم صورة إيجابية، وبخاصة أولئك الذين عرفهم وذكر اسماءهم في نص "سراج الغولة"، يبدو أنه أيضآ لا يختلف عن البشر الذين يتأثرون بما حولهم ، حتى إذا ما كانت المرحلة صعبة تركت ظلالها علىالجميع دون استثناء، ومن هنا لم تخل كتابته من شعوره بالمرارة والخيبة، وقد تجسد هذا في افتتاحية العددالثامن من مشارف (نيسان 1996)، وهي الافتتاحية الأخيرة التي كتبها. ولقد عبر فيها عن خيبته من الكاتب الاسرائيلي المعروف (يزهار سميلانسكي) صاحب رواية "خربة خزعة" ورواية "الأسير" ، وفيهما أدان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لما قامت به في حروبها مع العرب. وكان (سميلانسكي) كتب في الفترة الأخيرة مقالين يناقضان تاريخه كله، ووصف العرب الذين تعاطف، من قبل، معهم، لأنه رأى أنهم ضحية، وصفهم بأنهم "أكلة لحوم البشر"، ولذلك فقد دعا حكومته إلى وقف التفاوض معهم. يكتب إميل : "لقد أصبت بخيبة أمل شديدة ذكرتني بخيبة الأمل التي أصابتني في ليلة التاسع والعشرين من تشرين الاول العام 1956..." (ع 8، ص 8) على الرغم من أنه ينهي افتتاحيته معبرا عن اصراره على اجتياز المحن.
وتبقى "أم الروبابيكا" التي نقحها إميل في 25/8/1995، النص الأدبي الوحيد الذي بين أيدينا للكاتب، ويمكن دراسته ضمن أدب مرحلة السلام. و "أم الروبابيكا" مسرحية لممثلة واحدة اقتبسها عن قصتين قصيرتين : كتب واحدة منهما قبل عام 1967، وهي قصة "النورية"، وكتب الثانية اثر هزيمة حزيران 1967، واسمها "أم الروبابيكا"، وقد صدر هذه باغنية فيروزية هي :
"بالإيمان.. راجعون
للأوطان .. راجعون
راجعون ، راجعون
راجعون".
والنص، كما تغنيه فيروز، يعبر عن إصرار الفلسطينيين على العودة إلى ديارهم، ولم يردده الناس تردادا يعبر عن سخرية ليعطي بذلك معنى مغايرا إلا في لحظات الإقرار بالهزيمة والشعور بأن العودة غير واردة إطلاقا. وإذا كان النص في قصة حبيبي قابل للتفسيرين-، اي الجاد والساخر- فإن الكاتب في نصه المسرحي يأخذ بتأويل واحد له، هو السخرية لا أكثر ولا أقل، فبعد ان تغني أم الروبابيكا المقطع تعقب عليه :
"بالإيمان ...راجعون
عيش يا كديش، تيجيك الحشيش
بكرة بالمشمش " (مشارف ، 97)
وهكذا يعبر مردد النص عن يأسه من إمكانية الرجوع، وهذا ما يبدو واضحا في نهايته. فأم الروبابيكا التي يتركها زوجها وأولادها، وتظل في حيفا وحيدة معزولة حتى من عرب حيفا، تيأس من امكانية زيارة أهلها لها، وتخاطب الجمهور :
"يا حبايبي..
بس سلموا لي عليه
سلموا لي عليه
وقولوا له:
هند الغالية
ترعى عز وتقعد غز
مثل جبالنا العالية
زاروني والا ما زاروني
انا قاعدة
وهاي قاعدة " (مشارف، 122)
وكان إميل قد أدرك منذ عام 1974، يوم انتهى من كتابة المتشائل أن الفلسطينيين جالسون، أرادوا أم لم يريدوا، على خازوق هو كل ما تبقى لهم، وإذا ما قورن خازوق أهل الداخل بخازوق الغربة بدا أكثر احتمالا. يرد في المقطع العاشر من الجزء الثالث من المتشائل النص التالي :
"وكانوا يأتونني وحدانا
فأتاني صديقي القديم، يعقوب. وكان حزينا. فصحت به: الخازوق يا صديق العمر! قال: كلنا نقعد عليه! قلت: ولكنني لا أراكم ! قال : ولا نحن نرى أحدا. كل وخازوقه وحيد. وهذا هو خازوقنا المشترك. ومضى"
ويأتيه الرجل الكبير ، ويطلب منه أن يرضى بما هو عليه، ويأتيه الشاب الذي يبيع الجرائد ويطلب منه ان ينزل معه الى الشارع، وتأتيه يعاد وتشده الىالغربة والرحيل، فيرفض...الخ، ولما يأتي الشيوعي بائع الجرائد بفأس ليهوى على قاعدة الخازوق حتى ينقذ المتشائل يصيح هذا به حتى يكف "وتشبثت بخازوقي" (انظر: السداسية والمتشائل، 1985، حيفا، ط7 ص 194 و 195).
ويكرر اميل في نصه الاخير "سراج الغولة" هذا. يقول : "لعلكم تذكرون أنني لم اجد من موئل لسعيد أبي النحس المتشائل، في وطنه، سوى رأس خازوق. ولم يدر في خلدي ، في ذلك الزمن السحيق، ان الخازوق هو مكان عال يصلح منه الاشراف على آفاق قرن جديد وألف جديدة من السنين ، بل لم يدر في خلدي ان لا يجد شعبي مكانا في وطنه، بعد هذا العمر الطويل، سوى رأس خازوق".
"ولكن حتى ولو كانت هذه هي صورة الواقع الحقيقية، فاننا نفضل رأس خازوق فوق تراب الوطن على رحاب الغربة كلها، فقد وجدناها ، كلها، حرابا وفراشها أشبه بفراش فقير هندي: رؤوس مسامير أو خوازيق صغيرة وكبيرة علىقدر المقام". (مشارف، ص 12)
وكان إميل قد أورد هذا الكلام في افتتاحية العدد الأول من مجلة مشارف (1995)، ليعزز نهجه في دعمه لمسيرة السلام.
* * *
ثمة إشارة أخيرة تمس المنهج الذي سارت عليه الدراسة.
أشير، ابتداء، إلى أنني لم اختر منهجا نقديا واحدا أتعامل من خلاله مع الكتاب ونصوصهم بالدرجة نفسها. لقد درست بعض النصوص معتمدا على ما أعرفه عن اصحابها ممن لهم حضور بارز في ادبياتنا الصادرة، ودرست نصوصا لاخرين ليس لهم الحضور نفسه معتمدا فقط علىالنصوص وحدها. واذا كان محمود درويش وسميح القاسم معروفين جيدا، فان مريد البرغوثي، على سبيل المثال ، ليس معروفا لنا بالدرجة نفسها، ومن هنا اعتمدت على دراسة نصوصه والتصقت بها، خلافا لدراستي درويش والقاسم. وكنت أحيانا أفيد من قراءاتي للدراسات السيميائية، فوقفت أمام لوحة الغلاف وعنوان المجموعة الشعرية وعنوان القصيدة ايضا، وربطت ذلك كله بمضمون القصائد، لعل ذلك كله يساعد علىابراز الصورة واضحة.
ترى هل تبرز هذه الدراسة صورةاخرى لأدب المقاومة ؟ وأقر بأنني لم أكن ارمي الى الاساءة لأي من الادباء ، فقد كان هاجسي تتبع مسيرة هذا الادب، وبخاصة في ظل مرحلة السلام، لأبرز صوت الادب ورأي الادباء، من خلال نصوصهم، فيما يجري.
١٩٩٨

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...