علجية عيش.. الإسلام يعترف بالآخر

ماذا يحدث في حال أن يتحول "الإختلاف" إلى نزاع و جدل و شقاق؟
---------------------
"و لو شاء ربك لجعل الناس أمّة واحدة و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربّك و لذلك خَلَقَهُمْ" صدق الله العظيم (سورة هود الآية 118)

تُعَبِّرُ هذه الآية الكريمة عن سُنّة الإختلاف ، و هو كما يقول الفقهاء سُنّة طبيعية إذا ما التزم الناس بآدابه و أقروا بقوانينه، فالإختلاف ظاهرة اجتماعية إيجابية، لأنه سيكون في سياق التعليم و التربية و التكوين، المشكلة عندما يتحول الإختلاف إلى نزاع و جدل و شقاق و عدائية و انتقام، فالإسلام يعترف بالآخر دون أن يحدد هويته أو نمط تفكيره أو انتماءه إلا بالتقوى، بمعنى آخر بنتائج سلوكيات الإنسان و حصيلة أعماله و آثار فعله و تداعياته و انفعالاته، بما يتوافق مع مجموعة السّنن الكونية العامة، أيّا كانت أصول ذلك الإنسان و جذوره أو انتماءاته السياسية أو معتقداته التي تربى عليها، أو اكتسبها ممن سبقوه و عاش معهم إلى أن كبرت و تطورت معه، و لذلك فالحوار و الإعتراف بالآخر ليس ترفا فكريا.

الحوار فلسفة ، و هذه الفلسفة بدأت بالحوار الذي دار بين الله و ملائكته عندما أمرهم بالسجود لأدم عليه السلام و القصة يعرفها الكبير و الصغير و كيف خاطب ابليس ربّه ( لأغوينهم جميعا ) و طلب من الله أن ينظره و كان رد الله ( فإنك من المنظرين) الآية 36-39 من سورة الحجر، حسب تفسير العلماء ، أراد الله أن يكون حواره مع الملائكة مَعْلَمًا من معالم الإعتراف بالآخر و ضرورة محاورته و بفتح باب السّجال معه، هي كما يقول بعض المتكلمين قمّة التعددية و التنوع و الإنفتاح على الرأي و الرأي الآخر، و هي نموذج للتعايش القائم على التسامح و الحوار لا على التكفير و التقتيل لمجرد الإختلاف في الأفكار و الأراء أو الثقافات أو المذاهب و الإنتماءات السياسية، و هو ما نراه عند بعض التيارات الأصولية ( الوهابية) تريد هذه الأخيرة أن تكون المالك الوحيد للعالم الإسلامي و الممثل الشرعي للمسلمين ، و هذا ما أدى إلى انقسام العالم الإسلامي إلى سنة و شيعة ، و غرق المسلمون في وحل الصراعات و لا زالوا مختلفين إلى اليوم رغم وجود قاسما مشتركا بينهما ألا و هو كتاب الله القرآن الكريم

كان الغرب يتابع و لم يكن يوما غافلا عمّا يحدث في العالم الإسلامي ، لأن عيونه ( المستشرقين ) كانت مزروعة في كل مكان قبل و بعد سقوط الخلافة الإسلامية أو كما قال مالك بن نبي قبل و بعد الموحدين، كان ذلك بعقد المؤتمرات حول مسألة الأصولية الإسلامية ، و قد ذكرت بعض الدراسات مؤتمر "الإنبعاث الإسلامي" الذي انعقد سنة 1981 بجامعة سيركيوس لدراسات جنوب غرب آسيا و شمال افريقيا، و مؤتمر "الأصولية الدينية المقارنة" عام 1983 بنفس الجامعة، نلاحظ هنا مدى استمرارية الغرب في متابعة الأحداث و مقارنتها، عكس ما نراه في بلداننا الإسلامية، بحيث يُعْمِي النسيان بصيرة المسلمين و علمائهم و مفكريهم و مثقفيهم، فلا يعودون إلى الوراء لمراجعة ما يمكن مراجعته، و اتخاذ منه العبرة، و من ثمّ تصحيح الأخطاء و إصلاح ما يمكن إصلاحه، نعم الغرب متفوق علينا حتى فيما نمتلكه، لأنه مهتم و يتابع الأحداث و نتائجها و ما تتركه من آثار، فيدرسها و يترجمها بالطريقة التي تخدم مصالحه هو ، في حين ظل المسلمون غارقين في السب و الشتم هذا كافر وذاك ملحد و زنديق لمجرد أنه دعا إلى قراءة النص الديني قراءة معاصرة

فقد نشأت بأمريكا "رابطة دراسات الشرق" حيث اهتمت بقضايا الوطن العربي، حسب التقارير، تضم هذه الرابطة أكثر من 823 عضوا موزعين على 39 مجالا، أهمها الدين و السياسة، و في الغرب حوالي 262 دورية باللغة الأنجليزية وحدها، عكس ما نجده عندنا، و يمكن أن نقدم مثالا بسيطا، فعندما أنشأت وزارة الشؤون الدينية و الأو قاف الجزائرية "المسجد الأعظم" قامت السلطات المعنية بتهجير كتب العلامة الإمام عيد الحميد ابن باديس إلى الجامع الأعظم بالعاصمة و أفرغت مؤسسة عبد الحميد ابن باديس بقسنطينة من محتواها الفكري، و للتوضيح أكثر ، كل كتب و آثار ابن باديس التي كانت بمكتبة مؤسسة ابن باديس بعاصمة الشرق قسنطينة نُقِلَت إلى العاصمة

كان على الوزارة و من يقودها من السلطات العليا أن تعيد طبع أعمال ابن باديس و تملأ بها مكتبة الجامع الأعظم، و تترك الكتب الأصلية لأبناء و طلبة قسنطينة و زوارها لتكون في متناول كل من يهتم بالفكر الباديسي، والأمثلة كثيرة سواء ما تعلق بابن باديس أو بمالك بن نبي، هناك من استحوذ على كتب مالك بن نبي و آثاره ، ليظهرها اليوم ويعرضها للنقاش و كأنه الوريث الشرعي لمالك بن نبي، بعد 53 سنة من وفاته، و السؤال أين كانت كتب مالك بن نبي مخبأة؟ إنه ظلم كبير في حق الأجيال و لا نقول جريمة في حق الأجيال، لكي لا نضخم الأمور ، إن أول سؤال نطرحه عندما نتحدث عن ما نتابعه اليوم هو السؤال عن كيفية افتراق هذه الأمة و انقسامها، و ربما أحدنا يطرح السؤال نفسه كيف افترقنا؟ و لماذا افترقنا؟
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...