القاهرة.. الفرصة الأخيرة لإنقاذ الانتخابات الفلسطينية من الانقسام

القاهرة.. الفرصة الأخيرة لإنقاذ الانتخابات الفلسطينية من الانقسام

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

تدخل الانتخابات التشريعية الفلسطينية مرحلة بالغة الحساسية، مع اقتراب موعد فتح باب الترشح، وفي ظل تحركات سياسية مكثفة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وفي مقدمتها البيت الفتحاوي. ووفق معلومات متداولة، يتوجه الرئيس محمود عباس إلى القاهرة في محاولة أخيرة لجمع أقطاب حركة فتح والتوصل إلى صيغة قائمة موحدة، في وقت باتت فيه نتائج هذا المسعى مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل الاستحقاق الانتخابي.

المسألة هنا لا تتعلق فقط بتشكيل قائمة انتخابية لحركة فتح، وإنما بمستقبل الانتخابات نفسها: هل تمضي في موعدها المقرر، أم تدخل في مسار التأجيل؟

الرئيس كان قد أصدر مرسوماً حدد يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، كما أعلنت لجنة الانتخابات المركزية جدول المدد القانونية، وحددت 26 أيلول/سبتمبر موعداً لفتح باب الترشح. ولذلك فإن عامل الوقت لم يعد يسمح بإدارة الأزمة بمنطق الانتظار المفتوح.

القاهرة، في هذا السياق، لا تبدو مجرد محطة دبلوماسية، وإنما قد تكون المحاولة الأخيرة لإنتاج تسوية سياسية قبل الدخول في الاستحقاقات الإجرائية الحاسمة.

القائمة الموحدة.. أفضل السيناريوهات

إذا نجحت القاهرة في تقريب وجهات النظر بين أقطاب فتح، والوصول إلى قائمة موحدة تحظى بقبول واسع، فإن ذلك سيكون تطوراً إيجابياً، ليس لفتح وحدها، وإنما للعملية السياسية الفلسطينية برمتها.

فدخول فتح بقائمة واحدة يقلل من احتمالات تشظي أصواتها، ويمنح الانتخابات قدراً أكبر من الاستقرار السياسي، ويمكن أن يشكل مدخلاً لاحقاً لتفاهمات أوسع بين مختلف القوى الفلسطينية.

لكن المطلوب ألا تتحول القائمة الموحدة إلى صفقة داخلية مغلقة، بل إلى صيغة سياسية تعكس التنوع والكفاءة والتمثيل الجغرافي والاجتماعي، وتفتح المجال أمام الكفاءات والشباب والمرأة، بعيداً عن المحاصصة التنظيمية.

القوائم المتعددة.. ليست كارثة

أما إذا فشلت جهود توحيد القائمة الفتحاوية، فلا ينبغي أن يعني ذلك تلقائياً إسقاط الانتخابات أو تأجيلها.

فالتعددية داخل حركة سياسية كبيرة ليست بالضرورة أزمة ديمقراطية. وقد يكون التنافس بين أكثر من قائمة فتحاوية مقبولاً إذا جرى ضمن قواعد قانونية واضحة، واحترمت النتائج، ولم يتحول الخلاف الانتخابي إلى صراع يهدد وحدة الحركة أو النظام السياسي.

المشكلة ليست في تعدد القوائم، وإنما في غياب قواعد واضحة تمنع تحويل الانتخابات إلى ساحة لتصفية الحسابات الداخلية.

أما التأجيل.. فهنا تكمن الخطورة

السيناريو الثالث هو الأكثر حساسية، وهو تأجيل الانتخابات.

وهنا يجب الفصل بين تأجيل تفرضه أسباب قانونية أو فنية أو قهرية تحول دون إجراء انتخابات حرة وشاملة، وبين تأجيل ينتج عن عدم التوافق بين القوى السياسية على القوائم والمرشحين.

الانتخابات حق للشعب وليست امتيازاً تمنحه التنظيمات السياسية لنفسها.

وإذا تعذر إجراؤها فعلاً، فيجب أن يكون التأجيل بقرار واضح ومعلن، ومبرر، ومحدد المدة، مع تحديد موعد بديل، لا أن يتحول إلى تأجيل مفتوح يعيد إنتاج الأزمة السياسية القائمة.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ضوء ما أُعلن رسمياً من أن الانتخابات تشمل القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. كما أن تجربة عام 2021 تؤكد أن مسألة القدس والقدرة على إجراء الانتخابات في مختلف المناطق كانت جزءاً أساسياً من مبررات التأجيل آنذاك.

المطلوب من القاهرة

المطلوب من القاهرة ليس فرض صيغة فلسطينية، وإنما مساعدة الفلسطينيين على الوصول إلى تفاهم فلسطيني ـ فلسطيني.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: وحدة فتح مهمة، لكن وحدة الشعب الفلسطيني أهم؛ والتوافق الفتحاوي مطلوب، لكن لا يجوز أن يصبح شرطاً لتعطيل الاستحقاق الديمقراطي.

فلسطين بحاجة إلى انتخابات تعيد تجديد الشرعية الشعبية، وتعيد بناء الثقة بالمؤسسات، وتفتح الطريق أمام إنهاء الانقسام وإعادة ترتيب النظام السياسي على قاعدة الشراكة الوطنية.

والأهم أن الانتخابات يجب ألا تكون نهاية المطاف، بل مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بما يشمل منظمة التحرير ومؤسساتها، وبما يحافظ على وحدة التمثيل الوطني الفلسطيني.

لقد أعلنت الرئاسة في وقت سابق أن المسار الانتخابي يستهدف تعزيز المشاركة الديمقراطية وتجديد شرعية المؤسسات التمثيلية، كما أقرت في حزيران الماضي نظاماً انتخابياً جديداً للمجلس الوطني يقوم على التمثيل النسبي والمشاركة في الوطن والشتات.

ومن هنا فإن القاهرة أمام فرصة تاريخية، لا لمجرد توحيد قائمة انتخابية، وإنما لمنع الانتخابات الفلسطينية من أن تصبح ضحية للانقسام الداخلي.

فالسيناريو الأفضل هو قائمة موحدة إذا كانت ثمرة توافق حقيقي، والسيناريو المقبول هو تعدد القوائم ضمن قواعد ديمقراطية نزيهة، أما السيناريو الأخطر فهو أن تتحول الخلافات على القوائم إلى ذريعة لتأجيل الانتخابات.

القاهرة قد تكون الفرصة الأخيرة، لكن القرار في النهاية يجب أن يكون فلسطينياً، والمرجعية يجب أن تكون القانون وصندوق الاقتراع والمصلحة الوطنية، لا حسابات الأشخاص وموازين القوى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...