يحيى بركات - «نازا»... مَن يشاهد مَن؟.. من قراءة عبير داغر أسبر إلى معركة الصورة

«نازا»... مَن يقرأت «شهادتي عن نازا» للكاتبة والسينمائية السورية عبير داغر أسبر، فوجدت نفسي أشاهد الفيلم مرة أخرى، لكن هذه المرة من مقعدها هي.

وهذه إحدى عجائب السينما: الشاشة واحدة، والفيلم واحد، والصور تمر أمام الجميع بالترتيب نفسه، لكننا لا نشاهد الفيلم نفسه تمامًا. نحن لا ندخل القاعة بعيون فارغة؛ خلف كل عين ذاكرة ومعرفة وتجربة وموقع من الحكاية.

عبير دخلت إلى قلب «نازا». لم تتوقف عند ما فعله جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة، بل بحثت في الكيفية التي تستطيع بها مؤسسة كاملة أن تجعل القتل عملًا يوميًا، ينتهي صاحبه من «ورديته» ثم يعود إلى حانة في تل أبيب.

وأعجبني أنها بدأت من رفض يوفال أبراهام تشبيه ما يجري في غزة بأوشفيتز. فالمأساة الفلسطينية لا تحتاج إلى استعارة مأساة أخرى حتى نصدقها. لها تاريخها وأرضها وضحاياها وبنيتها الاستعمارية والسياسية الخاصة، ويجب أن تُقرأ من داخلها، لا باعتبارها فصلًا جديدًا من حكاية أوروبية قديمة.

لكن أجمل ما التقطته عبير في الفيلم كان اللغة.

«الضرر الجانبي». «لافندر». «أين أبي؟».

أسماء تبدو أحيانًا كأنها خرجت من حديقة أو من سؤال طفل، بينما تقف خلفها منظومة تختار أهدافًا وبيوتًا وبشرًا سيُقتلون.

تسمي عبير هذه اللغة «مخدرًا موضعيًا».

أحببت التعبير.

فالمخدر لا يمنع اليد من العمل، بل يمنعها من الإحساس بما تفعله.

هكذا يتحول البيت إلى هدف، والأسرة إلى رقم، والطفل إلى نسبة محتملة في حساب الضربة. وينتهي الضابط من «وردية» القتل ويعود إلى حياته، كأن الموت الذي تركه خلف الشاشة حدث في مكان آخر من العالم.

هنا أسير مع عبير، ثم أتوقف عند كلمة واحدة: «الرجل العادي».

أفهم مقصدها. المؤسسة تستطيع أن تجعل الجريمة روتينًا، واللغة تستطيع أن تمنح القتل أسماء تبعده عن معناه. لكنني أخشى دائمًا تلك المسافة القصيرة بين تفسير القاتل وتخفيف مسؤوليته. فاللغة قد تخدّر، والتكنولوجيا قد تبعد اليد عن الجسد، لكن الطفل الذي قُتل لم تقتله اللغة وحدها.

وهذا السؤال سبق «نازا» عندي.

قبل الفيلم كنت قد قرأت تقارير عن ضباط وجنود إسرائيليين عادوا من حرب الإبادة في غزة يحملون اضطرابات نفسية وشعورًا بالذنب، واستفدت بحذر من شيء في هذه الفكرة أثناء بناء فيلمي «الوحش الذي عاد إلى المرآة». وحذرني بعض الأصدقاء يومها من انقلاب الصورة: أن يخرج الطفل المقتول من مركز الكادر، ويدخله الجندي الذي لم يعد يستطيع النوم بعد قتله.

احتفظت بالسؤال.

ثم جاء «نازا».

لكن عبير لا تقف عند مضمون الشهادات. عينها السينمائية تلتقط الليل فوق أسطح تل أبيب، والشهود الذين يتحولون إلى ظلال، والمدينة المضيئة خلفهم، والرسوم التي تحوّل منظومة قتل رقمية معقدة إلى خطوط يرسمها إنسان على ورقة.

وتلتقط شيئًا أحبه كثيرًا في السينما: الصمت.

يجلس أبراهام أمام شاهده ولا يستعجل السؤال التالي. يترك الصمت يتمدد حتى يصبح أثقل من السؤال، فيملؤه الشاهد أحيانًا بما لم يكن ينوي قوله.

هنا يصبح «نازا» أكثر من تحقيق صحفي مصور.

فالصحافة تستطيع أن تعطينا المعلومة.

أما السينما فتجعلنا نراقب الإنسان وهو يقولها.

لكن جملة صغيرة كتبتها عبير نقلتني إلى مشاهدة أخرى:

«شهادة الطرف الأقوى في وجه الأضعف».

توقفت هنا.

الفلسطيني قال الحقيقة منذ اللحظة الأولى.

صوّر بيته وهو يسقط. حمل طفله أمام الكاميرا. دخل الصحفي الفلسطيني إلى المستشفى، ووقف الطبيب أمام الجثث، وصورت كاميرات غزة الموت وهو يحدث، لا بعد أن أصبح شهادة.

ثم يأتي أربعة وعشرون إسرائيليًا من داخل المؤسسة ليقولوا: نعم، كانت هناك آلة، وهكذا كانت تعمل.

وشهادتهم مهمة. ليس لأنها تجعل الحقيقة الفلسطينية حقيقة، بل لأنها تدخل بنا إلى غرفة لا يستطيع الفلسطيني دخولها: كيف اختير الهدف؟ ماذا كان اسمه داخل النظام؟ كيف حُسب عدد المدنيين المتوقع قتلهم؟ وكيف تحولت حياة البشر إلى بيانات وأرقام وأوامر؟

لكن سؤالًا آخر يبقى واقفًا أمام الشاشة:

لماذا تصبح الحقيقة الفلسطينية أثقل في ميزان العالم عندما يشهد عليها الإسرائيلي؟

هنا انتهت تقريبًا مشاهدة عبير.

أما أنا فبقيت في القاعة قليلًا.

انتهى «نازا»، لكن شيئًا آخر بدأ خارج الشاشة.

فينيسيا. التصفيق الطويل. الجائزة. ثم ذلك الضوء الإعلامي العالمي والعربي الاستثنائي حول الفيلم ومخرجيه.

بعدها يدخل جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى المشهد ويرد على الفيلم.

ثم يدخل وزير الثقافة ويصرخ «خيانة»، ويصل إلى الحديث عن سحب جنسية المخرجين.

فيزداد الضوء.

يتسع التضامن الغربي والعربي والفلسطيني، ثم يدخل إلى الكادر أكثر من مئتي سينمائي إسرائيلي متضامنين مع المخرجين.

عندها لم أعد أرى اللقطات منفصلة.

صورة دولة الاحتلال إسرائيل القديمة احترقت في غزة. صورة «الجيش الأخلاقي» و«الديمقراطية المحاصرة» لم تعد قادرة وحدها على حمل ما رآه العالم.

وفي مكان الصورة المحترقة يبدأ وجه آخر بالظهور.

الجندي الذي يعترف.

المخرج الذي يكشف.

الفنان الذي يحتج.

ومئتا سينمائي إسرائيلي يقولون للعالم:

هذه دولة الاحتلال إسرائيل أيضًا.

ها هو «الإسرائيلي الجيد» يعود إلى الكادر.

ومن هنا بدأ سؤالي: هل تصبح هذه الصورة الجديدة الجسر الذي تعود عليه السينما الإسرائيلية والسينمائي الإسرائيلي إلى المهرجانات والمحافل الثقافية الدولية من أوسع أبوابها؟

وهل سنسمع بعد قليل: لماذا تقاطعون هؤلاء؟ هؤلاء وقفوا ضد الحرب. هؤلاء كشفوا الجريمة. هؤلاء هاجمتهم حكومتهم.

هؤلاء «دولة الاحتلال إسرائيل الأخرى».

كنت أظن أنني أبعدت الكاميرا بما يكفي.

ثم قرأت تعليق د. غانية ملحيس على ما كتبته، فاكتشفت أن الكادر يستطيع أن يتسع أكثر.

غانية لم ترَ فقط محاولة إنقاذ صورة دولة الاحتلال إسرائيل، بل سألت عن صورة الغرب نفسه.

الغرب الذي دعم وسلّح وغطّى، وتحدث طويلًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي، وجد نفسه بعد غزة أمام مرآة لا تقل قسوة عن تلك التي تقف أمام دولة الاحتلال إسرائيل.

فماذا لو لم تكن «دولة الاحتلال إسرائيل الأخرى» حاجة إسرائيلية فقط؟

ماذا لو كان الغرب نفسه يحتاج إليها؟

هنا طرحت غانية فكرة شديدة الذكاء: «تصفير العداد السياسي».

تُترك الصورة المستهلكة تسقط: نتنياهو، بن غفير، سموتريتش، واليمين الديني المتطرف. وتظهر صورة أكثر قابلية للحياة: الجندي النادم، والمخرج المعترض، والفنان الإنساني، والمجتمع الذي يستطيع أن ينتقد نفسه.

ومن هناك يمكن إعادة إدماج «دولة الاحتلال إسرائيل الجديدة» في الغرب والإقليم، وربما إعادة فتح المسارات التي عطلتها غزة.

لكنني أذهب مع فكرتها خطوة أخرى.

قد لا يجري تصفير العداد بنسيان غزة.

قد يجري باستخدام غزة نفسها.

نعم، حدثت الجريمة. نعم، كانت فظيعة. لكن انظروا: لدينا جنود اعترفوا، ومخرجون كشفوا، وفنانون تمردوا، ومجتمع يستطيع أن ينتقد نفسه.

وعندها تصبح غزة التي حطمت الصورة القديمة مادةً لبناء الصورة الجديدة.

هنا أدركت أن «نازا» ليست له مشاهدة واحدة، ولا ثانية ولا ثالثة.

فالقاعة مليئة بالمقاعد.

الضحية تشاهد من مقعد.

القاتل من مقعد.

الإسرائيلي المعارض من مقعد.

الإسرائيلي المؤيد للحرب يرى خيانة.

والغربي الذي دعم دولة الاحتلال إسرائيل طوال الحرب قد يشاهد من مقعد آخر، يبحث منه عن مخرج أخلاقي من مأزق أصبح الدفاع عنه صعبًا.

الفيلم واحد، لكن الحاجة إلى الفيلم ليست واحدة.

وهنا تعود بي السينما إلى غزة نفسها.

طوال عقود امتلكت دولة الاحتلال إسرائيل قدرة كبيرة على تقديم صورتها إلى العالم. فالصراع على الصورة ليس جديدًا؛ أدركت الحركة الصهيونية مبكرًا أن امتلاك الرواية جزء من امتلاك القوة، وبُنيت عبر عقود قدرة واسعة على إيصال هذه الرواية وتثبيتها.

لكن غزة كسرت شيئًا جوهريًا.

في هذه الحرب امتلك الفلسطيني الصورة.

الهاتف أصبح كاميرا.

وتيك توك وفيسبوك وإنستغرام ومنصات التواصل أصبحت شاشات عرض لا تنتظر بوابات الإعلام التقليدي.

صوّر الفلسطيني موته بنفسه، وأرسله إلى العالم قبل أن يختار له الآخر الكادر والعنوان والتعليق.

رأى العالم البيت وهو يسقط، والأب يحمل طفله، والطبيب يركض في الممر، والأم تبحث بين الركام.

ولم يعد الفلسطيني موضوعًا داخل صورة يصنعها الآخر فقط.

أصبح، ولو في واحدة من أهم لحظات الصراع على الرواية، صاحب الكاميرا وصاحب الشهادة معًا.

وتغير شيء عميق في صورة فلسطين ودولة الاحتلال إسرائيل أمام العالم.

ومن هنا أعود إلى «نازا» بسؤال مختلف:

هل بدأت معركة استعادة الصورة؟

ليس بإنكار الجريمة.

لقد أصبحت أكبر من أن تُمحى.

بل بالاستحواذ على روايتها.

في غزة قال الفلسطيني للعالم:

انظروا ماذا يفعلون بنا.

وفي «نازا» يقول الإسرائيلي:

سأخبركم أنا ماذا فعلنا.

الحقيقة لم تتغير.

لكن مركز الصورة تغيّر.

ثم تمنح فينيسيا هذه الصورة شاشتها، والجائزة تمنحها وزنًا، والإعلام يضاعفها، والوزير الذي يهاجمها يجعل أصحابها أكثر شجاعة في عين العالم، ومئتا سينمائي إسرائيلي يحولون «الإسرائيلي الجيد» من فرد إلى مشهد كامل.

وهنا أفهم السينما مرة أخرى بوصفها سلطة.

ليس لأنها تجعلنا نبكي أو نضحك في الظلام فقط.

بل لأنها تستطيع أن تجعل ملايين البشر ينظرون إلى الشيء نفسه، ولا يرونه بالطريقة نفسها.

قرأت عبير فرأيت ما داخل الفيلم.

وقرأت غانية فاتسع الكادر إلى ما وراء دولة الاحتلال إسرائيل.

ثم عدت إلى غزة، إلى ذلك الهاتف الصغير في يد فلسطيني يقف وسط الركام.

كل واحد منا يرى الفيلم بعينه، لكن خلف العين يقف تاريخ كامل من المعرفة والتجربة والوعي والموقع.

ولهذا لا تنتهي بعض الأفلام عندما تضاء أنوار القاعة.

ينتهي «نازا» على الشاشة.

ينهض الناس من مقاعدهم.

تفتح الأبواب.

لكن الفيلم الآخر يكون قد بدأ في الخارج.

وعندها لا أراقب الشاشة وحدها.

أنظر إلى من يصنع الصورة، ومن يحملها، ومن يمنحها الشاشة، ومن يضاعفها، ومن يصفق لها.

ثم أعود إلى الهاتف الصغير في غزة وأسأل:

غزة انتزعت الكاميرا وامتلكت صورتها.

فمن يحاول الآن أن يمتلك رواية هذه الصورة؟

يحيى بركات
15/8/2026








تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...