هدى حجاجي - حين يتحول الثراء إلى شاهدٍ على السقوط قراءة نقدية في نص الدكتور بسام الخالد

بقلم الكاتبة ھدى حجاجي أحمد
يكتب الدكتور بسام الخالد نصًا قصيرًا، لكنه محمّل بطاقة اجتماعية وأخلاقية واضحة، يقوم على مفارقة حادة بين عالمين متجاورين: عالم البسطاء الذين يصطفون أمام الخبز والدواء، وعالم «حيتان الأزمات» الذين يحولون معاناة
الناس إلى فرصة لمراكمة الثروة والاستمتاع بها. ومنذ الجملة الأولى يضع الكاتب القارئ أمام هذه المفارقة دون تمهيد طويل؛ فـ«طوابير البسطاء» ليست مجرد صورة للفقر، وإنما علامة على اختلال ميزان العدالة الاجتماعية، في مقابل ترفٍ منفلت لا يشعر بأوجاع الآخرين.



ويأتي اختيار كلمة «الحوت» بوصفها مفتاحًا رمزيًا للنص؛ فالحوت هنا ليس شخصًا بعينه بقدر ما هو نموذج لجشعٍ اقتصادي وأخلاقي، ابتلع ما استطاع من خيرات الناس، ثم وجد نفسه في النهاية عاجزًا عن ابتلاع الموت أو الإفلات منه. وهذه المفارقة تمنح الشخصية بعدًا رمزيًا يتجاوز الحكاية المباشرة، لتصبح نموذجًا للإنسان الذي ظن أن المال قادر على شراء كل شيء، قبل أن يكتشف أن الحياة نفسها لا تُشترى.

ويعتمد الكاتب على التضاد بوصفه الأداة الفنية الأبرز: رغيف الخبز في مواجهة الكافيار، البحث عن الدواء في مواجهة المنشطات، طوابير الفقراء في مواجهة الفيلا الفارهة، وضيق الحياة عند البسطاء في مقابل فائض الاستهلاك لدى «الحوت». وهذه التفاصيل ليست زخرفًا سرديًا؛ إنها تؤدي وظيفة دلالية، إذ تجعل الفارق الطبقي محسوسًا أمام القارئ، وتحوّل الطعام والشراب والاحتفال إلى رموز لاقتصادٍ فقد بوصلته الإنسانية.

كما أن وصف مائدة الاحتفال بتلك الوفرة المبالغ فيها يحمل ملمحًا من السخرية السوداء؛ فكلما ازداد الترف في المشهد، ازداد شعور القارئ بقسوة المفارقة. وكأن الكاتب يتعمد أن يدفع شخصية «الحوت» إلى أقصى درجات الغرور والامتلاء، حتى تصبح النهاية أكثر إيلامًا ودلالة. فالذي كان يملك المال والنفوذ والترف ينتهي فجأة أمام حقيقة بسيطة: الجسد الذي أُغرق في الملذات لا يملك امتيازًا أمام الموت.

وتبلغ السخرية ذروتها في النهاية: «لقد فارق الحوت الحياة، متخففًا من كل ثرواته». عبارة تختصر فلسفة النص كلها؛ فالإنسان قد يقضي عمره في جمع المال، وقد يظن أنه يملك العالم، لكنه في لحظة النهاية لا يحمل معه شيئًا. وهنا تتحول الثروة من مصدر قوة إلى عبء معنوي، خصوصًا حين يصفها الكاتب بأنها «مال حرام»، فيربط سقوط الشخصية ليس بالموت الجسدي فقط، وإنما بالسقوط الأخلاقي الذي سبق الموت.

ومن الناحية السردية، يتحرك النص بسرعة من المجتمع إلى الفرد، ومن الترف إلى النهاية، ومن الجشع إلى الموت، وهي حركة تمنحه إيقاعًا أقرب إلى القصة القصيرة ذات المغزى. غير أن قوة النص الحقيقية لا تكمن في مفاجأة الموت وحدها، فالموت في حد ذاته متوقع، وإنما في المفارقة التي تسبقه: رجل يحتفل ببلوغه الستين وكأنه يحتفل بانتصاره على الحياة، بينما الحياة نفسها كانت تهيئ له نهايته دون أن يدرك.

أما الجملة الأخيرة: «وبدأ يوم جديد وكأن شيئًا لم يكن»، فهي من أكثر الجمل دلالة في النص؛ لأنها تنقلنا من مصير الفرد إلى حركة المجتمع. موت «الحوت» لا يوقف العالم، ولا يعيد توزيع العدالة تلقائيًا، ولا يمحو آثار الفساد. الشمس تشرق، والناس تواصل البحث عن الخبز والدواء، بينما تختفي شخصية ظنت أن حضورها أكبر من الحياة. وهنا يصبح العنوان الضمني للنص أكثر اتساعًا: الأشخاص يرحلون، لكن الأسئلة التي تركوها خلفهم تبقى.

والنص، في جوهره، ليس حكاية عن رجل ثري مات في ليلة احتفال، بل صفعة سردية في وجه الاستعلاء الطبقي والجشع واستغلال أوجاع الناس. وقد نجح الدكتور بسام الخالد في استخدام لغة مباشرة، وصور حية، وتفاصيل حسية، وسخرية مرة، ليجعل القارئ يرى المشهد لا يقرأه فقط.

وربما تكمن قيمة النص الأكبر في أنه لا يقدم الموت بوصفه عقابًا دراميًا فحسب، وإنما بوصفه المساوي الأعظم بين البشر؛ فالخبز الذي حُرم منه الفقير، والكافيار الذي امتلأت به مائدة الغني، لا قيمة لهما أمام لحظة النهاية. ويبقى السؤال الأخلاقي الذي يتركه النص مفتوحًا: ماذا يبقى من الإنسان حين يسقط عنه المال والنفوذ والترف؟ وهل تقاس قيمة الحياة بما نملك، أم بما نتركه خلفنا من أثر؟

إنها كتابة ساخرة في ظاهرها، لكنها في عمقها كتابة عن العدالة، والضمير، وهشاشة الإنسان حين يظن أن المال يمنحه الخلود.



المقال

في الوقت الذي تصطف فيه طوابير البسطاء على رغيف الخبز والبحث عن الدواء، تضعف القوة الشرائية لدى معظم الناس.

في المقابل كان أحد “حيتان الأزمات” يرتشف الترف من أوجاع الناس ويرتب برنامج احتفاله بعيد ميلاده الستين.

أرسل سائقه الخاص في مهمة عاجلة إلى بيروت، ليشتري له ما لذّ وطاب من القريدس والأسماك الطازجة النادرة والكافيار الفاخر والفواكه الاستوائية وصندوقاً معتقاً من الويسكي الفاخر وأنواعاً مختلفة من النبيذ الفرنسي الأغلى، إلى جانب تشكيلة آسيوية من المنشطات المقوية.

في مطبخ “الفيلا” الفارهة، تحوّل الاحتفال إلى مسرح للبذخ؛ طهاة يقلون ويشوون القريدس والأسماك، وأوانٍ تفيض بلحوم الضأن البلدية وديوك الحبش المحشوة بأفخر أنواع المكسرات. بدأ الاحتفال بحضور اللصوص زملاء المهنة، ولم ينس “الحوت” استدعاء صديقته الشقراء لتشاركه سهرتة العامرة.

بعد انصراف الضيوف استبقى “الحوت” المنتفخ صديقته الشقراء ليمارس طقوس السيطرة ويثبت لها قدراته الذكورية.

في الصباح، خيّم الذهول وعلا صراخ الخدم.. حضرت سيارة الإسعاف بصفيرها المدوّي، لكن السكتة القلبية كانت أسرع.. لقد فارق “الحوت” الحياة، متخففاً من كل ثرواته، وترك خلفه ركاماً من المال الحرام، وبدأ يوم جديد وكأن شيئاً لم يكن!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...