يحيى بركات - لماذا ينجذب العالم إلى حكاية الإنسان الذي يكتشف الشر داخل الآلة، أكثر من الإنسان الذي سُحق تحتها؟

توقفت طويلًا أمام جملة قالها المخرج إليا خرجانوفسكي، الفائز بالأسد الفضي لأفضل إخراج عن فيلمه «داو» في مهرجان فينيسيا الأخير.

كان يتحدث عن العنف، وعن الأنظمة التي تستطيع أن تأخذ الإنسان خطوة بعد خطوة إلى مكان يصبح فيه الشر عاديًا، ثم قال ما معناه إن الشر ليس دائمًا في مكان آخر، بل يمكن أن يكون في داخلنا، وإن السؤال هو كيف نتعرف إليه وكيف نقاومه.

جملة جميلة. وإنسانية. ومخيفة أيضًا.

لأنني، وأنا أقرأها، لم أفكر في «داو» وحده.

ذهبت إلى غزة.

ثم إلى «نازا».

ثم عدت إلى فيلم ما زلت أكتبه وأطوره: «الوحش الذي عاد إلى المرآة».

فالسؤال الذي يطرحه خرجانوفسكي فلسفيًا، والذي يطرحه «نازا» من داخل شهادات أربعة وعشرين إسرائيليًا عملوا داخل آلة الحرب، كنت قد اصطدمت به أنا على الورق من زاوية أخرى:

كيف أدخل إلى ضمير الجاني من دون أن أُخرج ضحيته من مركز الصورة؟

لم يكن السؤال نظريًا بالنسبة إليّ.

أثناء تطوير معالجة «الوحش الذي عاد إلى المرآة»، كنت أقرأ ما تنشره الصحافة الإسرائيلية وغيرها من شهادات وتقارير عن جنود وضباط عادوا من حرب الإبادة على غزة. اعترافات عن قتل ودمار، وعن أفعال شاهدوها أو شاركوا فيها، وعن صور وروائح وذكريات عادت معهم من غزة ولم تبقَ هناك.

وأنا عندما أكتب السينما لا أنقل تقريرًا صحفيًا إلى الشاشة. آخذ من شهادة فكرة، ومن أخرى جملة، ومن ثالثة صورة أو رائحة أو كابوسًا، ثم تدخل كل هذه الشظايا في بناء شخصية درامية جديدة.

ومن بين ما علق في رأسي طويلًا صورة جندي عادت إليه رائحة الأجساد المحترقة كلما واجه رائحة شواء اللحم.

بقيت هذه الصورة معي أيامًا.

ليس لأنها كشفت لي شيئًا عن الجريمة لم أكن أعرفه، بل لأنها وضعت أمامي مادة سينمائية شديدة القوة: جندي يعود من غزة إلى حياته، ثم تكفي رائحة عابرة كي تعيده في لحظة إلى ما فعله أو رآه هناك.

وهنا بدأ خوفي.

لا من الجندي.

من الكاميرا.

فالسينما تفعل شيئًا خطيرًا من دون أن نشعر. يكفي أن نبقى طويلًا مع وجه إنسان حتى نقترب منه. نسمع أنفاسه، ندخل غرفته، نرى خوفه وأرقه ووحدته، نعرف أنه لا ينام، ونرى ذاكرته وهي تعاقبه. ثم نبدأ، من حيث لا ندري، في البحث عن الإنسان داخله.

لكن ماذا يحدث إذا كان هذا الإنسان لا يستطيع النوم لأنه قتل إنسانًا آخر؟

من يصبح بطل المشهد؟

الطفل الذي قُتل؟

أم الجندي الذي يبكي لأنه قتله؟

هذا السؤال رافقني طوال الكتابة.

ولهذا كنت، كلما دخلت إلى عالم الجندي، أعود إلى غزة.

أعود إلى المستشفى.

إلى أبو إلياس.

إلى نور التي بقيت أيامًا تحت الركام وفقدت أهلها.

إلى الجثامين وهي تُخرج.

إلى المعتقلين.

إلى أناس لم تكن لديهم رفاهية السؤال عما إذا كان ضمير قاتلهم سيستيقظ بعد عودته إلى البيت.

لم أكن أعود إلى غزة لأضع خطابًا سياسيًا داخل الفيلم.

كنت أعود لأنني كنت أخشى أن تنسى الكاميرا.

كنت أخرج من غرفة الجندي المظلمة وأعود إلى وجه نور، وكأنني أقول لنفسي قبل أن أقول للمشاهد:

انتبه. هنا مركز الصورة.

أريد أن أفهم ما حدث داخل الجندي. أريد أن أعرف كيف يستطيع الإنسان أن يدخل آلة القتل، وكيف يتعايش معها، وماذا يحدث له عندما يخرج منها ويعود وحيدًا إلى المرآة.

لكنني لا أريد أن يصبح فهمه خلاصًا له.

ولهذا لم تكن عودتي المتكررة إلى غزة مجرد مونتاج.

كانت موقفًا أخلاقيًا من المونتاج.

أن أسمح للجاني بأن يقف أمام المرآة، لكن ألا أجعل المرآة أكبر من الجثة التي تقف خلفه.

تطورت المعالجة، وبدأت تتحول إلى سيناريو لفيلم دوكودراما. تقدمت بالمشروع إلى منحة لتطويره، وتحدثت عنه مع دائرة السينما في وزارة الثقافة ومع مدير «فيلم لاب»، وناقشته مع أصدقاء من الكتاب والمفكرين، وما زلت أكتبه وأعيد بناءه.

لكن السؤال لم يغادرني.

ثم جاء «نازا».

وفجأة رأيت السؤال الذي كنت أطارده على الورق يقف أمامي على شاشة كبيرة.

أربعة وعشرون إسرائيليًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية يتحدثون. يكشفون اللغة والآليات والحسابات التي كانت تتحول من خلالها حياة الفلسطينيين إلى أهداف وأرقام واحتمالات للقتل.

وشهادتهم مهمة.

وأقول ذلك بوضوح لأن بعض من قرأ ما كتبته عن «نازا» سألني:

لماذا أنت ضد الفيلم؟

أليس هؤلاء إسرائيليين يدينون ما فعلته دولتهم؟ أليس أقوى دليل على الجريمة أن يعترف بها من كان داخل المؤسسة التي ارتكبتها؟

أنا لست ضد أن يشهدوا.

بالعكس.

أريد شهادتهم.

أريد أن أعرف كيف كانت الآلة تعمل. كيف اختير الهدف. كيف حُسب عدد المدنيين المتوقع قتلهم. وما اللغة التي استُخدمت كي يصبح قتل البشر عملية يمكن إدارتها من خلف شاشة.

لكن علينا أن نميز بين شيئين.

الفلسطيني كشف الجريمة منذ اليوم الأول.

صوّر بيته وهو يسقط.

حمل طفله أمام الكاميرا.

دخل الصحفي المستشفى وصوّر الجثث، وقُتل صحفيون وهم يصورون.

تحدث الطبيب.

صرخت الأم.

وخرجت الجثامين من تحت الركام أمام العالم.

«نازا» لم يحتج إلى أن يثبت أن الفلسطيني قُتل.

قيمته الأخرى أنه أدخلنا إلى داخل الآلة التي قتلته.

لكن هنا بالضبط يبدأ السؤال الذي يقلقني.

لأن الجاني عندما يدخل الشاشة شاهدًا لا يأتي باعترافه وحده.

يعود له وجه.

يعود له صوت.

يعود له خوف.

يعود له أرق.

يعود له الذنب.

ويعود له ضمير.

أي أنه يحصل على شيء لم تمنحه الجريمة لضحيته:

الفصل الثاني من الحكاية.

يستطيع أن يقول: فعلت.

ثم: فهمت.

ثم: ندمت.

ثم: اعترفت.

ثم ربما يتمرد على المؤسسة التي كان جزءًا منها.

وهكذا تبدأ أمامنا رحلة درامية كاملة: من جندي إلى شاهد، ومن شاهد إلى نادم، ومن نادم إلى إنسان استيقظ ضميره.

والسينما تحب الإنسان الذي يتغير.

تحب التحول.

تحب الوحش الذي يصل أخيرًا إلى المرآة ويرى الوحش.

لكن ماذا عن الذي قتله الوحش قبل أن يصل إلى المرآة؟

الطفل لا يستطيع أن يخرج من تحت الركام ليقول إنه تغير.

الميت لا يستطيع أن يندم على موته.

ولا يستطيع أن يقدم لنا الفصل الثاني من حكايته.

الضحية دفعت ثمن التحول، والجاني حصل على قصة التحول.

وهنا يمكن أن يقع الانقلاب من دون أن يكذب أحد.

الجريمة حقيقية.

والاعتراف حقيقي.

والذنب قد يكون حقيقيًا.

والندم قد يكون حقيقيًا.

والضمير الذي استيقظ قد يكون حقيقيًا أيضًا.

لكن مركز التعاطف يستطيع أن يتحرك ببطء من الإنسان الذي قُتل إلى الإنسان الذي اكتشف أنه قاتل.

وهذا أخطر ما أخشاه.

ليس لأن الجندي لا ينبغي أن يندم.

ليندم.

وليعترف.

وليشهد.

وليتحمل مسؤوليته.

لكن الاعتراف ليس هو الخلاص.

والكاميرا التي تسجل دموع الجاني يجب ألا تسمح لهذه الدموع بأن تغسل الدم الموجود خارج الكادر.

ربما لهذا كنت أعود إلى غزة في «الوحش الذي عاد إلى المرآة».

كنت أخشى أن أنقذ الجاني بفيلمي قبل أن أنقذ ضحيته من النسيان.

وهنا أعود إلى خرجانوفسكي.

يقول إن الشر ليس في مكان آخر فقط، بل في داخلنا، وإن علينا أن نتعرف إليه كي نقاومه.

وأفهم تمامًا ما يقوله.

لكنني، كفلسطيني عاش شعبه طويلًا تحت الآلة، أريد أن أضيف إلى السؤال شيئًا آخر:

ابحث عن الشر داخلك.

واجهه.

اعترف به.

قاومه.

لكن لا تجعل رحلة بحثك عن ضميرك أطول على الشاشة من حياة الإنسان الذي سحقته وأنت تبحث عنه.

فالاعتراف قد يمنح الجاني بداية طريق نحو خلاصه.

أما الضحية فلا يعيدها اعترافه إلى الحياة.

وربما هنا نجد جوابًا أول عن السؤال الذي بدأ منه هذا المقال:

لماذا ينجذب العالم إلى حكاية الإنسان الذي يكتشف الشر داخل الآلة، أكثر من الإنسان الذي سُحق تحتها؟

لأن الأول يمنحنا حكاية.

له ماضٍ وحاضر وتحول.

يمكن أن نراه يخطئ، ثم يكتشف خطأه، ثم يتألم، ثم يعترف، وربما يصل في النهاية إلى شيء يشبه الخلاص.

إنها حكاية تمنح المتلقي مخرجًا أخلاقيًا مريحًا:

ما زال هناك ضمير.

ما زال هناك من يعترض.

ما زال داخل الآلة إنسان يستطيع أن يقول لا.

أما الإنسان الذي سُحق تحتها، فحكايته أكثر قسوة.

لأنه لا يطلب منا أن نحتفل باستيقاظ ضمير أحد.

إنه يجبرنا على أن نسأل:

من بنى الآلة؟

من شغّلها؟

من سلحها؟

من موّلها؟

من منحها الغطاء؟

ولماذا بقي هو تحتها كل هذا الوقت؟

الضحية، إذا صدقناها حتى النهاية، لا تقودنا إلى قصة خلاص فردية.

تقودنا إلى المسؤولية.

ولهذا ربما كانت حكاية الضمير الذي استيقظ أكثر احتمالًا بالنسبة إلى العالم من حكاية الجسد الذي سُحق.

الأولى تقول له إن داخل الآلة إمكانية لإصلاحها.

أما الثانية فقد تجبره على الاعتراف بأن المشكلة ليست فقط في الإنسان الذي ضغط الزر، بل في الآلة التي وضعت الزر أمامه، وفي النظام الذي قرر من يقف في الجهة الأخرى منه.

وهنا أعود إلى الذين سألوني:

لماذا أنت ضد «نازا»؟

لست ضد الفيلم.

ربما كنت أخاف مما يستطيع الفيلم أن يفعله وهو يقول الحقيقة.

أعود إلى قاعة فينيسيا.

انتهى العرض.

أربعة وعشرون إسرائيليًا من داخل آلة الحرب تحدثوا أمامنا عن القتل، وعن الآليات التي جعلته ممكنًا، وعن الذنب والندم والضمير الذي استيقظ بعد الجريمة.

ثم أضيئت القاعة.

ووقف الجمهور يصفق طويلًا.

نحو خمس وعشرين دقيقة.

وأنا أتخيل تلك اللحظة، يعود السؤال الذي لاحقني وأنا أكتب «الوحش الذي عاد إلى المرآة»:

لمن كان التصفيق؟

بالتأكيد لم يكن للجريمة.

كان للشجاعة في كشفها، وللاعتراف بها، ولمن خرجوا من داخل المؤسسة وتكلموا ضدها.

لكن السينما لا تحتفظ في ذاكرتنا بكل شيء بالوزن نفسه.

فمن أصبح بطل اللحظة عندما أضيئت القاعة؟

الفلسطيني الذي قُتل؟

أم الإسرائيلي الذي اعترف بأنه كان جزءًا من الآلة التي قتلته؟

تخيلوا المفارقة.

الضحية كانت سبب الحكاية كلها.

بيتها هو الذي دُمّر.

طفلها هو الذي قُتل.

جسدها هو الذي احترق.

لكنها لا تستطيع أن تقف بعد العرض وتنحني أمام الجمهور.

أما من خرج من آلة قتلها، فقد أصبح لديه وجه وصوت وحكاية.

اعترف.

ندم.

تمرد على المؤسسة.

تمرد ربما على نفسه.

عاد إليه ضميره.

ثم وقف العالم يصفق.

وهنا أفهم أكثر لماذا كنت، أثناء كتابة فيلمي، كلما طال بقائي مع الجندي أعود إلى غزة.

كنت أخشى هذه اللحظة بالضبط.

أن تنجح السينما في إعادة الإنسان إلى الجاني، ثم تنجح أكثر مما ينبغي، فيتحرك مركز التعاطف من ضحيته إليه.

أن يصبح أرق القاتل أكثر حضورًا في الذاكرة من نوم الطفل الأخير.

أن تصبح دموع من اعترف أكثر قدرة على البقاء في الصورة من دم من لم يعد يستطيع الكلام.

وأن تتحول الجريمة، من حيث لا نقصد، إلى خلفية عظيمة لقصة أخلاقية جديدة بطلها من اكتشف بعد وقوعها أن له ضميرًا.

ليس المطلوب أن نمنع الجاني من الاعتراف.

بل أن ننتبه إلى ما يمكن أن يحدث بعد اعترافه.

فالندم لا يمحو المسؤولية.

والضمير الذي يستيقظ لا يعيد الميت.

والشجاعة في كشف الجريمة لا تجعل من شارك في آلتها ضحيتها الجديدة.

لهذا لا أريد أن أغادر قاعة «نازا» مع الجندي الذي عاد إليه ضميره فقط.

قبل أن أخرج، أريد أن أعود إلى غزة.

إلى المستشفى.

إلى نور.

إلى الجثامين الخارجة من تحت الركام.

إلى كل أولئك الذين لم تمنحهم السينما فصلًا ثانيًا.

ثم أعود إلى القاعة.

التصفيق ما زال مستمرًا.

وعلى الشاشة وجوه الذين تكلموا.

لكنني أحاول أن أنظر خلف الشاشة.

هناك، خارج الكادر، يقف الإنسان الذي لم يعد يستطيع أن يعترف، ولا أن يندم، ولا أن يتمرد، ولا أن يحصل على جائزة أخلاقية لأنه اكتشف الشر.

لأنه كان ضحية ذلك الشر.

ربما لهذا أخاف أحيانًا من أجمل ما تستطيع السينما أن تفعله: أن تجعلنا نرى الإنسان حتى في القاتل.

ليس لأن رؤية الإنسان فيه خطأ.

بل لأن العدالة تقتضي، في اللحظة التي يعود فيها الضمير إلى القاتل، ألا نسمح للضحية أن تموت مرة ثانية في ذاكرتنا.

أطفئوا التصفيق للحظة.

وأعيدوا الصورة إلى بدايتها.

قبل الاعتراف كان هناك فعل.

وقبل الندم كانت هناك جريمة.

وقبل أن يستيقظ الضمير...

كان هناك إنسان قتله صاحبه.

وعندها فقط أستطيع أن أجيب عن سؤال المقال:

لماذا ينجذب العالم إلى حكاية الإنسان الذي اكتشف الشر داخل الآلة أكثر من الإنسان الذي سُحق تحتها؟

لأن الأول يستطيع أن يعود من الشر ويحكي لنا قصة عودته.

أما الثاني...

فلا يعود.

ولهذا، عندما تضاء أنوار القاعة ويبدأ التصفيق، لا أسأل فقط إن كان الجاني قد استعاد ضميره.

أنظر إلى المقعد الذي تركته الضحية فارغًا، وأسأل:

هل استعاد العالم ضميره أيضًا؟

يحيى بركات
16/9/2026



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...