لو عاش أحمد بركات لكان لقصيدته مذاقٌ آخر.. كان واحداً منا في الوقت الذي بدأنا فيه كتابة نصّ متمرد على القواعد. وكنا نصارع السائد فنقع في قبضته آونةً، وآونةً أخرى نتحلَّل منه، في حين كان أحمد ينفلت منَّا بجرأة من مسه مسٌّ من الشعر والجمال المختلف؛ فكانت نصوصه في (أنوال الثقافي) و(الاتحاد الاشتراكي) تشعل فضولنا.. وكما لو كان يعرف أن عدد أعوامه محدود، فأراد أن يضيف إليه من قصائده التي كانت تذهب بعيداً في المتخيل والمستقبل، ولا تأبه لشراح البلاغة، ولا لمن يزِنون الحركات والسكنات في ميزان الذهب.
كان مقبلا على الشعر إقباله على الحياة، وكنا نحس أنه يعرض صحته للدمار الشامل..
أستطيع أن أقول اليوم إنني كنت أتوجس من أن يقرأ قبلي في الأمسيات الشعرية التي جمعتنا. فإذا قرأ أحمد قبلي أتوقع أن يكون جمهور الأمسية قد اكتفى منه بما يريد. كان إذا وقف أمام الميكروفون بوسامته، فإنه يجعل جسده خاضعا لإيقاعات إنشاده. وترانا نشفق من اندماجه الكلي في الطقس، فإذا هو كشجرة تنفضها الريح وصوته متصاعد بالمعنى الكبير الذي تحمله قصيدته، أما يداه فتطرزان في الهواء ما استغلق على السامعين من دلالات.
عرفت أحمد بركات منذ الدورات الأولى للمهرجان الوطني للتجربة الشعرية الجديدة في المغرب الذي احتضنته جمعية الشعلة بمدينة سلا. كنا مجموعة من الشباب الذين كانوا يحسون بإقصاء متعمد من الجيل الذي سبقنا، واستحوذ على كل شيء: اتحاد الكتاب والجمعيات والملاحق الثقافية والأنشطة وكل وسائل إنتاج الثقافة. وكانت تحذونا رغبة في تجاوز واقع الغطرسة التي يفرضها السيتينيون والسبعينيون.. وكان أحمد بركات بحكم اشتغاله في الصحافة مبكرا يتوفر على قدر كبير من المعلومات، ويعرف أكثر منا ما يدور في طاحونة الثقافة. فكان من المتحمسين لإيجاد إطار أو هيكل ثقافي نتحد فيه.
كان الأصدقاء السلويُّون: مراد القادري وجلال الحكماوي ومحمد النجار وغيرهم... ممن أرسوا دعائم المهرجان الشعري، كما كان القادمون من فاس عبد السلام المساوي وعبد المالك أشهبون، ومن العرائش محمد حجي محمد ومن طنجة: سعيد كوبريت، ومن البيضاء: أحمد بركات وعزيز أزغاي ومصطفى فهمي وبوجمعة أشفري، وآخرون من جهات اختلطت علي، مثل واكريم بلقاسم، وسعيد أونوس، وحسن برادة، وغيرهم كثير من الشباب الذين تحمسوا لإعلان تمرد كبير. وقد تجلى هذا التمرد في البيانات الشعرية التي كنا نوقعها في ختام كل دورة. وكانت لغة هذه البيانات أقرب إلى العمل النقابي الاحتجاجي، ولم نكن ننسى أن نؤكد كون حركتنا تبشر بقيم فنية جديدة.
في هذا الجو المتحمِّس عرفت أحمد بركات، وأتذكر ـ مرة ـ مبادرةً للشاعر محمد الأشعري الذي طلب من فرع سلا لجمعية الشعلة تمكينه من النصوص الشعرية التي كانت قد ألقيت في المهرجان الثالث للتجربة الشعرية الجديدة بالمغرب. حيث اختار نصاً لأحمد بركات بعنوان: (أبدا لن أساعد الزلزال).. ونصاً لي بعنوان (تعويذات لفتح الباب الكبير) ونصاً ثالثاً للشاعر عبد الإله الصالحي، ونشر النصوص الثلاثة في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي التي كان يشرف عليه بمكتب الرباط، مصحوبة بكلمة تشجيعية، تشير إلى المستقبل الذي يعد به كتاب هذه النصوص. وفسرنا ـ يومها ـ سلوك الشاعر محمد الأشعري بكونه استقطاباً لنا من قبل رئيس جديد لاتحاد كتاب المغرب. لكن الأشعري كان على حق لأن أحمد بركات كان ـ يومها ـ يكتب نصا مغايراً يحمل في تضاعيفه بذوراً مخصبة لشعرية مغربية جديدة وواعدة.
واليوم في ذكرى رحيله المفجع أقول: لو عاش أحمد بركات إلى اليوم، لكان للشعر المغربي المعاصر علامته الفارقة.. وأقول كذلك: لن أنسى أبدا، ونحن في مساء من مساءات شتنبر قديم (1994).. كنا في شفشاون نعاند القصيدة وتعاندنا في إحدى دورات مهرجان أصدقاء المعتمد بن عباد. وكنا على وشك بدء الأمسية الشعرية الختامية، حين جاء صوت الناعي رهيباً كزلزال:
ـ لقد مات أحمد بركات!!
فأصابنا الذهول، ولم ندر ما نصنع، ونحن نرى ركنا متيناً من أركان شعريتنا الجديدة يتهاوى.. أذكر كيف تحامل الشاعر عبد الحميد جماهري على نفسه عقب الإعلان البغيض عن الوفاة، وارتقى سلاليم المنصة، وبدأ في ارتجال مرثية فادحة، مرثيةٍ بصور وعوالم نجحت في فتح كل أبواب أحزاننا وجروحنا، وانقلبنا، بعدها، إلى أهالينا ومدننا، ونحن نحمل في القلب دفاتر الخسران، وفي الروح صدى لقصيدة بركات الهائلة:
وأنا حذر، أخطو نحوكم وكأن السحب الأخيرة تُحمّلني
أمطارها الأخيرة
ربما يكون الماء سؤالا حقيقيا
وعلى أن أجيب بلهجة العطش
ربما حتى أصل إلى القرى المعلقة في شموس طفولتكم
عليَّ أن أجتاز هذا الجسر الأخير وأن أتعلم السهر مع أقمار
مقبلة من ليال مقبلة حتى أشيخ
وأنا أجتاز هذا الجسر الأخير
هل أستطيع أن أقول بصراحتي الكاذبة: لست حذرا لأنني
أعرفكم واحدا واحدا؟
حقيقة، لم يكن الشاعر حذراً، ولا ساعدته الحياة على أن يكون حذراً. كان يدخن جسده نفساً نفساً، غير منتبه للأفعى الغادرة التي كانت تتجه صوبه. لقد كانت قصيدته قوية ولم يكن جسده الواهن بقادر على تحمل عنفها. رحل أحمد باكراً وهو في الرابعة والثلاثين، مثلما رحل طرفة وكيتس ورامبو والشابي وباقي أسلافه من الشعراء الكبار الذين ماتوا شُبّاناً، تاركاً المشهد الشعري المغربي ذاهلا، من موت جاء في غير وقته، ونحن ـ زملاء جيله ـ بالكاد كنا نحاول إقناع الجيل السابق بوعودٍ آتية؛ لكن، مات أحمدُها في أوّل الطريق.
الصورة:
المرحوم أحمد بركات وعبد السلام المساوي
بدار الشباب تابريكت، سلا في الملتقى الشعري الأول للتجربة الشعرية الجديدة بالمغرب (الشعلة 1988).
كان مقبلا على الشعر إقباله على الحياة، وكنا نحس أنه يعرض صحته للدمار الشامل..
أستطيع أن أقول اليوم إنني كنت أتوجس من أن يقرأ قبلي في الأمسيات الشعرية التي جمعتنا. فإذا قرأ أحمد قبلي أتوقع أن يكون جمهور الأمسية قد اكتفى منه بما يريد. كان إذا وقف أمام الميكروفون بوسامته، فإنه يجعل جسده خاضعا لإيقاعات إنشاده. وترانا نشفق من اندماجه الكلي في الطقس، فإذا هو كشجرة تنفضها الريح وصوته متصاعد بالمعنى الكبير الذي تحمله قصيدته، أما يداه فتطرزان في الهواء ما استغلق على السامعين من دلالات.
عرفت أحمد بركات منذ الدورات الأولى للمهرجان الوطني للتجربة الشعرية الجديدة في المغرب الذي احتضنته جمعية الشعلة بمدينة سلا. كنا مجموعة من الشباب الذين كانوا يحسون بإقصاء متعمد من الجيل الذي سبقنا، واستحوذ على كل شيء: اتحاد الكتاب والجمعيات والملاحق الثقافية والأنشطة وكل وسائل إنتاج الثقافة. وكانت تحذونا رغبة في تجاوز واقع الغطرسة التي يفرضها السيتينيون والسبعينيون.. وكان أحمد بركات بحكم اشتغاله في الصحافة مبكرا يتوفر على قدر كبير من المعلومات، ويعرف أكثر منا ما يدور في طاحونة الثقافة. فكان من المتحمسين لإيجاد إطار أو هيكل ثقافي نتحد فيه.
كان الأصدقاء السلويُّون: مراد القادري وجلال الحكماوي ومحمد النجار وغيرهم... ممن أرسوا دعائم المهرجان الشعري، كما كان القادمون من فاس عبد السلام المساوي وعبد المالك أشهبون، ومن العرائش محمد حجي محمد ومن طنجة: سعيد كوبريت، ومن البيضاء: أحمد بركات وعزيز أزغاي ومصطفى فهمي وبوجمعة أشفري، وآخرون من جهات اختلطت علي، مثل واكريم بلقاسم، وسعيد أونوس، وحسن برادة، وغيرهم كثير من الشباب الذين تحمسوا لإعلان تمرد كبير. وقد تجلى هذا التمرد في البيانات الشعرية التي كنا نوقعها في ختام كل دورة. وكانت لغة هذه البيانات أقرب إلى العمل النقابي الاحتجاجي، ولم نكن ننسى أن نؤكد كون حركتنا تبشر بقيم فنية جديدة.
في هذا الجو المتحمِّس عرفت أحمد بركات، وأتذكر ـ مرة ـ مبادرةً للشاعر محمد الأشعري الذي طلب من فرع سلا لجمعية الشعلة تمكينه من النصوص الشعرية التي كانت قد ألقيت في المهرجان الثالث للتجربة الشعرية الجديدة بالمغرب. حيث اختار نصاً لأحمد بركات بعنوان: (أبدا لن أساعد الزلزال).. ونصاً لي بعنوان (تعويذات لفتح الباب الكبير) ونصاً ثالثاً للشاعر عبد الإله الصالحي، ونشر النصوص الثلاثة في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي التي كان يشرف عليه بمكتب الرباط، مصحوبة بكلمة تشجيعية، تشير إلى المستقبل الذي يعد به كتاب هذه النصوص. وفسرنا ـ يومها ـ سلوك الشاعر محمد الأشعري بكونه استقطاباً لنا من قبل رئيس جديد لاتحاد كتاب المغرب. لكن الأشعري كان على حق لأن أحمد بركات كان ـ يومها ـ يكتب نصا مغايراً يحمل في تضاعيفه بذوراً مخصبة لشعرية مغربية جديدة وواعدة.
واليوم في ذكرى رحيله المفجع أقول: لو عاش أحمد بركات إلى اليوم، لكان للشعر المغربي المعاصر علامته الفارقة.. وأقول كذلك: لن أنسى أبدا، ونحن في مساء من مساءات شتنبر قديم (1994).. كنا في شفشاون نعاند القصيدة وتعاندنا في إحدى دورات مهرجان أصدقاء المعتمد بن عباد. وكنا على وشك بدء الأمسية الشعرية الختامية، حين جاء صوت الناعي رهيباً كزلزال:
ـ لقد مات أحمد بركات!!
فأصابنا الذهول، ولم ندر ما نصنع، ونحن نرى ركنا متيناً من أركان شعريتنا الجديدة يتهاوى.. أذكر كيف تحامل الشاعر عبد الحميد جماهري على نفسه عقب الإعلان البغيض عن الوفاة، وارتقى سلاليم المنصة، وبدأ في ارتجال مرثية فادحة، مرثيةٍ بصور وعوالم نجحت في فتح كل أبواب أحزاننا وجروحنا، وانقلبنا، بعدها، إلى أهالينا ومدننا، ونحن نحمل في القلب دفاتر الخسران، وفي الروح صدى لقصيدة بركات الهائلة:
وأنا حذر، أخطو نحوكم وكأن السحب الأخيرة تُحمّلني
أمطارها الأخيرة
ربما يكون الماء سؤالا حقيقيا
وعلى أن أجيب بلهجة العطش
ربما حتى أصل إلى القرى المعلقة في شموس طفولتكم
عليَّ أن أجتاز هذا الجسر الأخير وأن أتعلم السهر مع أقمار
مقبلة من ليال مقبلة حتى أشيخ
وأنا أجتاز هذا الجسر الأخير
هل أستطيع أن أقول بصراحتي الكاذبة: لست حذرا لأنني
أعرفكم واحدا واحدا؟
حقيقة، لم يكن الشاعر حذراً، ولا ساعدته الحياة على أن يكون حذراً. كان يدخن جسده نفساً نفساً، غير منتبه للأفعى الغادرة التي كانت تتجه صوبه. لقد كانت قصيدته قوية ولم يكن جسده الواهن بقادر على تحمل عنفها. رحل أحمد باكراً وهو في الرابعة والثلاثين، مثلما رحل طرفة وكيتس ورامبو والشابي وباقي أسلافه من الشعراء الكبار الذين ماتوا شُبّاناً، تاركاً المشهد الشعري المغربي ذاهلا، من موت جاء في غير وقته، ونحن ـ زملاء جيله ـ بالكاد كنا نحاول إقناع الجيل السابق بوعودٍ آتية؛ لكن، مات أحمدُها في أوّل الطريق.
الصورة:
المرحوم أحمد بركات وعبد السلام المساوي
بدار الشباب تابريكت، سلا في الملتقى الشعري الأول للتجربة الشعرية الجديدة بالمغرب (الشعلة 1988).