يضطلع الحدث الأسطوري بوظيفة التـأصيل، وربط الحدث المتكرّر بالحدث الأوّل الذي يرتبط بالبدايات، وهو غالباً ما يكون حادثاً يرتبط بالآلهة وبأفعالها، وببدايات التكوين، وبصراعات المخلوقات فضلاً عن أنّ الحدث الأسطوري يُعدّ الفعل التكراري لحادثة أولى، حفظتها الأسطورة، وخلّدتها، ومسحتها بمسحة التقديس.
وقد توافر نجيب محفوظ على أحداث أسطورية كثيرة، استفاد منها في بنائه الروائي، وأستلهم بعضاً منها في تشكيل معمار أحداثها، كما انطلق منها في بناء أحداثه الأسطورية الخاصة المتعلّقة بعوالم روايته، والمنبثقة من تجاربها الخاصة، وبذلك خلق أحداثاً أسطورية موازية أو مشابهة لتلك الأحداث الأسطورية المشهورة.ومن تلك الأحداث الأسطورية التي استدعاهه في رواياته,
الصراع مع الآلهة
التاريخ الميثيولوجي لا يحدّثنا عن علاقات سلام واستقرار دائم بين الآلهة، بل نجد كثيراً من صور الصراع بين الآلهة، وبين الآلهة وأنصاف الآلهة في كثير من الأساطير، فإله الظلمة عند اليونان قد خلع أباه عن الحكم، وحكم بدلاً عنه( )والإلهان (أورانس) و(جيا) اليونانيان طردا الإلهين (ايثر) و(هيرميدا)، واستوليا على عرشهما( )، وكذلك (كرونوس) نحّى والده (أورانس) عن رئاسة الآلهة، وسار ابنه (زيوس) على هديه، إذ سرعان ما عزل والده، وأخذ مكانه إلى الأبد( ). و(بروميثيوس) تحدّى (زيوس) كبير آلهة الإغريق، وسرق النار من السماء، وأهداها للبشر، ونال عقاباً مهولاً على ذلك، إذ سلّط (زيوس) عليه نسراً ينهش كبده الذي كلما فني تجدّد بعد أن ربطه في أعلى قمة جبل في القوقاز( ).
كذلك قتل الإله (ست) أخاه (أوزيريس) حسداً وظلماً، وقطّع جسده، ونثرها في أقاليم مصر( )، ثم جاء الإله (حورس) ابن الإله (أوزيريس)، وخاض صراعاً عظيماً مع عمّه، فقد (حورس) فيه إحدى عينيه، بينما فقد ست خصيته، ولم تهدأ الحرب إلاّ بتدخّل (تحوت)( )، كذلك اعتاد الثعبان (أبو فيس) أن يهدّد كلّ صباح ومساء إله الشمس، وهو ممثل لقوى الشّر والظلام، وبذلك تساوى (أبو فيس) بالإله ست عدو الآلهة عندما كان يخوض معركة دامية مع إله الشمس، فيُهزم، وتصطبغ السماء باللون الأحمر، وهو لون دم (أبو فيس) المهزوم( ).
وهذه الصراعات الدامية بين الآلهة تُلقي بظلالها على أحداث رواية (كفاح طيبة)، لا سيما في الصراع بين الهكسوس ممثلاً (بأبو فيس)، والمصريين، أهل طيبة ممثلاً بالفرعون (سيكننرع) ثم (كاموس) وأخيراً (أحمس). ولعلّ إطلاق اسم (أبو فيس) على ملك الهكسوس يسوقنا سريعاً إلى افتراض مؤاده أنّ صراع طيبة يكاد يكون صراع آلهة مع نزير الفروق. (فأبو فيس) هو الثعبان الشرير الذي يمثّل الظلام، ويحاول أن يمنع مسيرة إله الشمس (رع)( )، ولكنّه يُهزم في كلّ مرّة بعد حربٍ طاحنة، ويملأ دمه الأفق، وذلك بعد أن يحاربه (رع) من قاربه المقدّس، ويضربه بحربته النحاسية، لكن سرعان ما ينتصر (أبو فيس) مع الغروب على (رع)، ويقتله، ويرسله إلى مملكة الظلام، وذلك عبر قارب تقوده ربّات الظلام الاثنتا عشرة في طريق لا يعرفه سواهن، حتى أنّ (رع) نفسه يجهله، وفي آخر الرحلة الحزينة مع الإله المقتول (رع)، تُهب له الحياة من جديد، ويستبدل قاربه بآخر جديد، وتُفتح أبواب السماء، ويطلع النهار، ويخرج قارب (رع)، ويفلح (رع) هذه المرة بقتل (أبو فيس)، لتبدأ الدورة من جديد، فصراع (أبو فيس) و(رع) هو صراع أبدي دائري يمثّل دورة الحياة( ).
ومن السهل أن يتلمّس المرء ومضات هذه الأسطورة في كفاح طيبة، (فأبو فيس) الهكسوسي الظالم قتل الفرعون الطيب المحبّ لشعبه (سيكننرع) ثم قتل ابنه (كاموس)، وقطّع جسدهما، ثم هربت أسرتهما عبر النهر الحزين في قارب إلى المجهول، الذي لم تكن الأسرة ذاتها شأن إله الشمس (رع) تعرف الطريق إليه. وفي ذلك المجهول البعيد لبث الفرعون (أحمس) الذي هو امتداد للفرعونين (سيكننرع) و(كاموس) مع أهله فترة من الزمن، ثم عاد إلى وطنه بمعونة المخلصين له عبر البحر في سفينة، تماماً كما عاد (رع) بمساعدة ربّات الظلام إلى السماء في سفينته. وفي طيبة استطاع (أحمس) أن يحاصر جيش (أبو فيس)، وأن يهزمه في حربٍ بحرية، تماماً كما استطاع (رع) أن يهزم (أبو فيس) وهو يركب سفينته. وفي النهاية انتصر (رع)، ودُحر (أبو فيس)، وعمّ نور الصباح الدنيا، وإن كان (أبو فيس) سيعود من جديد، ليبدأ صراع آخر، تكتمل فيه دورة الحياة التي دأبها الحراك، ولا تعرف سكوناً أو خمولاً. تماماً مثلما استطاع (أحمس) أن يهزم (أبو فيس)، ويطرده من بلده، ولكن إلى حين، إذ شهدت مصر بعد ذلك مستعمرين كُثر، جاءوا طامعين حاقدين مثل (أبو فيس)، وكان لزاماً على الشعب المصري أن يتصدّى لهم، وأن يهزمهم؛ لأنّ دورة الحياة لا تعترف بالضعفاء المهزومين، بل تتطلّب الأقوياء المدافعين عن وطنهم. وبذلك تكون أسطورة صراع الآلهة المُسقطة على صراع طيبة مع أعدائها الهكسوس لتحقيق الحرية، هي أسطورة ترسّخ قيم التنوير، وتعطي مثالاً مشرقاً على الحرية، وتدعو بتمتمات سحرية، وتجارب معاشة إلى التمرّد والتكاثف وطرد العدو من الوطن المغتصب.
الصراع مع الكائنات الأسطوريّة
تحدّثنا الأساطير والخرافات والحكايا الشعبية عن دخول الإنسان في صراع مع كثير من الكائنات الأسطوريّة والمخلوقات الخرافية، وهو صراع يعكس من جهة قسوة الصراع وعدم تكافئه، ومن جهة ثانية يكرّس بطولة شخصيات الأساطير، إذ على الرغم من قوة الكائن الأسطوري، الذي غالباً ما يكون شريراً لا يعرف رحمة، ويكاد الانتصار عليه يكون مستحيلاً بسبب الطاقات الخارقة، التي يملكها، إلاّ أنّنا نجد البطل في الغالب على الرغم من تلك الأحوال ينتصر على ذلك الكائن، بل وأحياناً يكرّس ذلك الكائن لخدمته ومساعدته، فالكائن الخرافي الشبيه بالتنين في رواية (ليالي ألف ليلة) يرسله الله لينقذ عابداً مؤمناً، وقع في حفرة، لم يستطع أن يخرج منها، وكاد يهلك فيها، بعد أن رفض أن يصرخ طالباً المساعدة من السابلة؛ إذ "إنّه ليس من الصالح أن أطلب المساعدة إلاّ من الله تعالى"( ). لذلك فقد مَنَّ الله عليه بالعون، وأرسل له وحشاً على شكل تنين في جوف الليل، ومدّ له ذيله، فعلم العابد أنّ الله أرسله لينقذه، فتمسّك بالذيل، وخرج من الحفرة، ونجا.
كذلك نجد (السندباد) في (ليالي ألف ليلة) يستطيع أن ينتصر على طائر الرّخ الأسطوري، ويستغلّه لمصلحته، وينتقل به من مكان إلى آخر، بل ويصب الثراء به؛ إذا ينقله الرّخ إلى جبل كلّه قطع من الماس، فيجمع (السندباد) منها ما استطاع، ويصبح ثرياً، ويكون بذلك "أوّل إنسان يسخّره لأغراضه"( ). وذلك لأنّ (السندباد) بعد أن وجد نفسه منعزلاً في إحدى الجزر، التي غادرها أصدقاؤه في أوّل سفينة عابرة، ألفى نفسه ينام بالقرب من بيضة عملاقة هي بيضة طائر الرّخ، الذي سرعان ما هبط بالقرب من بيضته، فتسلّل (سندباد)، وربط نفسه في طرف ساقه الشبيهة بالصاري، وحلّق معه في السماء، حتى هبطا على قمة أحد الجبال.
ولكن السلطان (شهريار) الذي يجد نفسه في الليالي في مواجهة مع ماردٍ جبّار بعد أن فتح الباب المحرّم فتحه في العالم الأسطوري، الذي دخل إليه من صخرة في الخلاء، يدرك أنّ لا قبل له بمقارعة المارد، إذ إنّه لا يتحلّى بأيّ قوىً خارقة، فما يكوك منه إلاّ أن يصرخ قائلاً: "دعني بربك!"( ) فيستجيب المارد له، ويتركه وشأنه.
أمّا الصراع مع العفاريت في رواية (ليالي ألف ليلة) فهو صراع غير متكافيء، إذ يجمع عفريتاً عتيّاً، وفي الغالب قويّاً مع إنسان ضعيف لا يملك أيّ قوّة، لذلك ينصاع، ويستسلم للمارد، وينفّذ أوامره كارهاً؛ لأنّه لا قِبَل له بمصارعة عفريت خارق القوة، ولو كلّفه ذلك عمره. (فصنعان الجمالي) يقع في صراع مع العفريت (قمقام)، الذي ادّعى أنّ (صنعان) قد داس رأسه، وهو يمدّ ذراعه ليلتمس موقع الشمعدان في غرفة نومه، ويهدّد بالانتقام ممن داس رأسه، فيطلب (صنعان) الرحمة من العفريت، فيرفض العفريت ذلك، ولكنّه يستدرك قائلاً: "لا رحمة بلا ثمن، ولا عفو بلا ثمن"( ). فيبدي (صنعان) استعداده للحصول على العفو مقابل أيّ فعل، ولكنّه يصدم بالمقابل الغريب، فالمارد يطلب منه أن يقتل حاكم الحي (علي السلولي)، معلّلاً ذلك بالقول: "استأنسني بسحر أسود، وهو يستعين بي في قضاء مآرب لا يرضى عنها ضميري"( ). فيحاول (صنعان) أن يستعفي المارد من هذه المهمة الشاقة، لكنّ المارد يصمم على تنفيذ طلبه، واعداً (صنعان) بالعون عند الحاجة "إنّها أمانة عامة لا يجوز أن يتبرّأ منها إنسان أمين، ولكنّها منوطة أوّلاً بأمثالك ممن لا يخلون من نوايا طيّبة"( ) فيستجيب (صنعان) مكرهاً للمارد، فيستلّ خنجره، ويغمده في قلب (علي السلولي) في أوّل لقاء بينهما، ولكن المارد (قمقام) يتخلّى عن مساعدته، ويقول له "فاعل الخير لا تكربه العواقب"( )، ويجد (صنعان) نفسه أمام نطع السيّاف، الذي يطير رأسه بضربة من سيفه.
ولكن الصراع مع العفاريت يستمر على الرغم من هزيمة (صنعان) أمام العفريت (قمقام)، ودفعه حياته ثمناُ لذلك، وتبدأ حلقة جديدة من الصراع مع العفاريت في الليالي. ويربط الناس ظهور العفاريت بعدم وجود العدل، إذ تتدخّل العفاريت، لكي تُجبر الناس على الثورة، وقتل رموز الاستبداد، وإجبار السلطة على تغير سياستها، وانتهاج العدل والمساواة نبراساً "على الوالي أن يقيم العدل من البداية، فلا تقتحم العفاريت علينا حياتنا"( ). (فجمصة البلطي) كبير الشرطة يصطاد قمقماً، وعندما يفتحه يجد نفسه أمام عفريت غاضب، اسمه (سنجام)، يريد أن ينتقم بعد أن ملأه السجن بالحنق والرغبة في الانتقام.( )ولكننا نجده يضرب صفحاً عن الانتقام من جمصة، الذي ذكّره بأنّه كان الوسيلة إلى خلاصه( ). ولكن الصراع مع العفريت يبدأ منذ أوّل يوم، إذ يشرع العفريت يثير شغباً وفساداً في الحي، وتتعاقب حوادث قطع الطريق "داخل سور الحي وخارجه كثرة مزعجة، فنهبت أموال وسلع، وأُعتدي على رجال"( ). ويفشل (جمصة) في العثور على الفاعل، على الرغم من أنّه "نشر الدوريات نهاراً وليلاً، وتفقّد الأماكن المشبوهة بنفسه"( )، فيهدّده حاكم الحي( خليل الهمذاني) بالعزل إن لم ينجح في القبض على الجناة، ولكنّه كان يعلم أنّ لا سبيل إلى ذلك، إذ كان العفريت هو الجاني العابث.
ودخل (جمصة) في صراع نفسي كان العفريت سبباً فيه، فقد جعله يدرك أنّه ليس أكثر من أداة بطش ظالمة في يد اللصوص الحقيقيين، فهو "لص قاتل حامي المجرمين ومعذّب الشرفاء، نسي الله حتى ذكّره به عفريت من الجنّ"( )، فيقرّر لساعته أن يبطش لأوّل مرة في حياته باللص الحقيقي، فيضرب بالسيف عنق الحاكم في أوّل لقاء لهما معلّلاً ذلك بتحقيق "إرادة الله العادلة"( )، ولكنّه يواجه الحكم عليه بالإعدام، الذي يُنفّذ سريعاً، ولكنّ المارد (سنجام) يقلب الصراع لمصلحة (جمصة)، ويقرّر أن يساعده، وكأنّه استطاع أن يحرّره من قيوده، ويجعل منه ثائراً على السلطة الظالمة، وبذلك استحقّ الحياة وَفْق وجهة نظره، على خلاف (صنعان الجمالي)، الذي لم يجاوز أن يكون قاتلاً مرتزقاً، ولم يؤمن بقضيته، لذا فقد دفع حياته ثمناً لهبوط همّته، وخمول فكرته. فحوّل (سنجام) (جمصة) إلى رجلٍ آخر، في حين قتل السّياف صورة من جمصة من صنع يديه( )، عندها مضى (جمصة) يتعبّد لله، ويحقّق العدل بطريقته، إذ اغتال الكثير من رموز التسلّط والقهر في الليالي، أمثال (بطيشة مرجان) كاتم السر، و(إبراهيم العطّار)، و(كرم الأصيل) و(عدنان شومه).
وعندما أُفتضح أمره في نهاية المطاف، لم يعدم العون من قوة خارقة أخرى، إذ وجد ساكناً من سكان الماء اسمه (عبد الله البحري)، يطلب منه أن يتجرّد من ثيابه، وأن ينزل إلى الماء، ففعل (جمصة) ذلك، فأُبدل من جديد بسحنة جديدة، لا هي وجه (جمصة البلطي)، ولا وجه عبد الله "وجه قمحي صافي البشرة، ولحية مسترسلة سوداء، وشعر غزير ينسدل حتى المنكبين، ونظرة عينين تومض بلغة النجوم"( ).
وانطلق من جديد في رحلة جهاده، لا يصدّه صادّ، ولا تقعد به همّة، حتى تحقّق له مراده، وشهدت السلطنة عهداً جديداً من عهود العدل والمساواة، إذ كان الجهاد والثورة على الظلم والبغي، والإيمان بقضية الحرية هي المفتاح السحري للانتصار على العفاريت، التي تقتحم عوالم البشر عندما يعزّ العدل، وما الانتصار عليها إلاّ حصيلة الانتصار على النفس، والتعالي على رغبتها وشهواتها ومزالقها وضعفها، والتسامي على الشهوات، وصولاً إلى الحريّة والعدل، المطلبين المقدّسين في حياة كلّ من أراد أن ينتصر على عفريت، وأن يلزمه حدّه.
وقد تتمثل الحالة الصراعية مع الكائنات الأسطوريّة في حالة التلبّس، فالعفريت مثلاً قد يدخل جسم الإنسان، ويسكن فيه، ويسبّب له الأمراض والعطب، ويقوده إلى سلوك مرفوض، يأبى الخروج منه إلاّ بطقوس احتفالية أسطوريّة خاصة. (فأم زكي) جارة الراوي في (حكايات حارتنا)، تتوعّك صحتها على حين غرّة، وتأخذ في التدهور، فتهزل سريعاً، ويترهّل جسدها، وتفشل كلّ الوصفات في شفائها. ويُعتقد عندئذ أنّ سبب مرضها هو من أفعال الأسياد، والمقصود بهم الجنّ، والطريقة الأسطوريّة لإبعاد شرور هؤلاء الأسياد/الجن، وإخراجهم من جسد المريض هي الزار الذي هو طقسٌ لا يخلو من ممارسات أسطوريّة.
وتشرع الصديقات والجارات في تهيئة هذا الزار، و"يجيء اليوم المشهود، فيكتظّ بيت جارتنا بالنساء، ويعبق البخور، وتنسلّ عليه جوقة من السودانيات يكتنفهّن الغموض والأسرار. وأطلّ برأسي من المنور فأرى صديقتي في مشهد جديد، تجلس على عرش في عباءة مزركشة بالتلى والترتر، متوّجة الرأس بتاج من العاج تتدلّى منه عناقيد الخرز مختلف الألوان، منقوعة القدمين في وعاء من ماء الورد تستقرّ في قعره حبّات من البن الأخضر. وتدقّ الدفوف، وتهزج الخناجر النحاسية بالأناشيد المرعشة، فتفوح في الجو أنفاس العفاريت، ويدعو كلّ عفريت صاحبته المختارة من بين المدعوّات للرقص، فتموج القاعة بالحركات، وتتوهّج بالتأوهات، وتذوب الأجساد في الأرواح. وها هي أم زكي تتلوّى بعنف كأنّما رُدّت إلى جنون الشباب، وعن فيها المُزيّن بالأسنان الذهبية يُصدر صفيراً حاداً، ثم اندفاعٍ رهيبٍ، وتدور حتى تترنّخ من الإعياء، وتتهاوى مغشيّاً عليها.... وجلجلت زغرودة، وارتفع صوت مبتهلاً: ليشهدنا خاتم الرسل الكرام"( ).
ويظنّ البعض هذه الطقوس كفيلة بطرد الجن من جسد أم (زكي). ولكن صحتها لا تتحسن، بل تسوء، ويضطر ابنها المعلم (زكي) إلى نقلها إلى القصر العيني، لتأخذ قسطاً من العلاج، لكنّها على الرغم من ذلك لا تُشفى، وتموت، ولا تعود مرّة أخرى إلى الحارة.
البحث عن الخلود
أمّا البحث عن الخلود فهو من أوائل القضايا التي أرّقت البشرية، وما إحساس الإنسان بمسار الزمن اللاارتجاعي إلاّ تعبير عن إدراكه لحقيقة موته، وما إيمانه بالآخرة سوى محاولة التفاف على هذه الحقيقة اللاإرتجاعية للزمن، ومحاولة التفاف على الموت، وهي فكرة ذات مغزى عظيم؛ لأنّ الإنسان استطاع من خلالها أن يتقبّل الموت محطة ليست نهائية في حياته، وبذلك أعطى لحياته هدفاً ومعنى( ).
ولكنّنا نجد الأسطورة القديمة تذكر لنا أنّ (جلجامش) ملك (أورك) القديمة قد خرج في رحلة أسطورية يبحث عن عشبة الخلود ، وقد مرّ برحلة صعبة، قابل فيها كائنات أسطورية، وشخوص أسطوريين، ووصل إلى أقاليم عجيبة، ثم حصل (جلجامش) على عشبة الخلود بعد أن اجتاز امتحاناً أسطورياً في سبيل ذلك، وكاد ينعم بالخلود، بعد أن أعطاه (أوتانبشتم الناجي) من الطوفان عشبة الخلود، لكن الأفعى الشريرة، اختلست العشبة، ونعمت بالخلود، وحُرم (جلجامش) منه، وبذا بقي حلم البشرية بالخلود حلماً لا سبيل إلى إدراكه، وحسب المرء التمنّي والتنهّدات( ).
ونجيب محفوظ استولد هذا الحدث الأسطوري في سعي الإنسان المحموم في البحث عن الخلود الجسدي في قصة (جلال ابن زهيرة) الناجي في (ملحمة الحرافيش)، الذي ذاق مرارة الموت عندما رأى أمّه تُقتل بأبشع الطرق على يدي زوجها، ثم رأى حبيبته (قمر عزيز الناجي) تستسلم للمرض، وتهلك وهي في عمر الزهور، فقرّر أن ينتصر على الموت، ويبحث عن الخلود، وبدأ رحلته التي سرعان ما حطت رحالها عند المشعوذ الدجّال (شاور) الذي يقيم في (بدروم) في الحارة، الذي اشترط على (جلال) مقابل أن يهبه الخلود أن يوقف على جاريته (حوّاء) عمارة ليكون ريعها للتكفير عن ذنوبه، وأن يشيد مئذنة ارتفاعها عشر طوابق، وأن يعتكف في غرفته عاماً كاملاً، لا يراه إلاّ خادمه، وأن يتجنب في عزلته أيّ شيء يذهله عن نفسه( )، وكأنّ هذه الشروط هي مشاكلة لتلك الشروط التعجيزية التي وُضعت أمام (جلجامش)، فقام بقدراته الأسطورية بتنفيذها، تماماً كما قام (جلال) بتنفيذ شروط (شاور) الغريبة، القابلة للتنفيذ قياساً بالطلبات المستحيلة التي طُلبت من (جلجامش).
ونفّذ (جلال) شروط طلبات (شاور) الأسطوريّة، وفي آخر يوم من العام المكتوب "استقبل شعاع شمس مغسولاً برطوبة الشتاء"( ) وطفق يغبُّ من الشهوات ومتاع الجسد، وضرب صفحاً عن واجبه تجاه فقراء الحارة والمعوزين، ولكن حلمه بالخلود سرعان ما تبخّر، فقد دسّت (زينات) خليلته العاشقة له السمّ في طعامه، وقتلته انتقاماً من إهماله لها، وغيرة عليه، وقالت "قتلتك لأقتل حياة العذاب"( ).
وهكذا وضعت (زينات) الإنسانة الضعيفة حدّاً لأسطورة الخلود التي سعى إليها (جلال)، كما وضعت الحيّة في الأسطورة نهاية مأساوية لحلم (جلجامش) في الخلود، الذي تقول بعض الروايات إنّ قلبه تحطّم حزناً بسبب إخفاقه، ومات حزيناً، في حين تذكر أخرى إنّه اكتشف أنّ الخلود الحقيقي ليس في البقاء الزمني، ولكن في خلود العمل والإنجاز والاجتهاد، لذا نذر نفسه لخدمة شعبه، وللارتقاء ببلده، وهذا ما كان، وبذلك أصاب الخلود الذي طلب.
إلاّ أنّ (جلال) كان دون وعي (جلجامش)، فخسر عمره، وخسر معه خلود الذكر الطيب، حين انقطع على الملاهي والمتع، وكنز المال دون أهل حارته الفقراء المعوزين، وخالف مسيرة أجداده بالبذل والعطاء والكرم، وأخفق في أن يعلم أنّ الخلود هو في العطاء، وذهب شأنه شأن الذاهبين، "فالإنسان يذهب بخيره وشرّه، ولكن تبقى الأساطير"( )
ولكن أيّ أساطير عنى نجيب محفوظ؟ يبدو أنّه عنى أساطير البذل والعطاء التي تخلّد الإنسان، وتحوّل تجربته الحياتية من مسيرة مادية إلى مسيرة روحية، يفنى الجسد فيها، وتبقى هي مرتبطة بعالم الروحانيات والموجودات، وما استحضار نجيب محفوظ لهذه الأسطورةإلاّ صرخة تقول: لا تصدّقوا بخرافة الخلود، بل اصنعوها بالعمل والحبّ والبذل، واسموا على الأنانية والمادية.
ومحفوظ قد يهبّ الخلود والشباب لبعض أبطال روايته، ثم ينزعه من جديد، وكأنّه يقول إنّ تلك الشخصيات لا تستحق الخلود؛ لأنّها لم تحقّق سبب الخلود، وهو العمل، والقيام بالواجب. فالسلطان (شهريار) في رواية (ليالي ألف ليلة)، يحصل على الخلود والشباب بالصدفة، ودون أن يسعى لذلك. إذ إنّه يهجر عرشه، ويتركه لزوجته (شهرزاد) ولولديهما، ويسوح في الأرض، إلى أن وصل إلى موضع اللسان الأخضر، فسمع رجالاً يبكون حول صخرة، بعد أن عجزوا عن تحريكها من مكانها، ومع بزوغ الفجر غادر جميع البكّائين مكانهم، وهم "يتواعدون على اللقاء غداً ثم مضوا نحو المدينة كالأشباح"( ).
وقد قدّر (لشهريار) أن يحرّك الصخرة بقبضته، فوجد أسفلها سلماً يقود إلى عالم أسطوري يبدأ ببركة صافية، تقوم وراءها مرآة مصقولة، وسمع صوتاً يقول له: "افعل ما بدا لك"( )، فما كاد يستحم فيها، وهو ما بدا له أن يفعل حتى ارتدّ "فتى أمرد، قوي الجسم متناسقه، بوجه مفروق وقد طرّ بالكاد شاربه"( )، ثمّ زُفّ عريساً إلى ملكة ذلك العالم الأسطوري، الذي يعجّ بالنساء الحسناوات، ولا رجل فيه، ونعم في حياته معها، إلاّ أنّه خسر شبابه التليد، وخلوده السعيد؛ لأنّه لم يلتزم بشرط البقاء في ذلك العالم، وحاول فتح الباب المحرّم فتحه، فطُرد شرّ طرده، وارتدّ عجوزاً، متقوّس الظهر، سرعان ما انخرط في البكاء شأنه شأن البكّائين( ).
(فشهريار) الذي لم يحسن سياسة ملكه، وواجهه بالظلم أوّلاً، ثم بالهرب ثانياً، لقي الفشل كذلك في عالم الخلود الأسطوري، لأنّه باختصار اعتاد الفشل، ولم يعدّ العدّة للنجاح، وللحفاظ على ما يملك.
ومحفوظ يتسلّل إلى سدّة القدر، ويهب الخلود بطريقته الخاصة، ففي رواية (أمام العرش)، يستدعي نجيب شخصيات تاريخية، ويجعلها تمثل أمام محكمة أسطوريّة، وتقوم عليها الآلهة (أوزيريس) و(إيزيس) و(حورس) و(تحوت). ثم يستنطق الشخصيات المُستدعاة من جديد، لتستعرض أهم مآثرها وكبواتها، ثم يجري محفوظ حكمه على لسان (أيزيس) و(أوزيريس)، فيجعلهما يهبان الخلود أو العذاب أو مقام التافهين للمحاكم. ويجعل محفوظ العمل لمصلحة مصر هو ميزان الخلود، فمن أحسن لمصر، وخدمها كما يجب وهبه محفوظ الخلود، ومن قصّر دون ذلك نال الجحيم، أو على الأقل ركن إلى مقام التافهين مهمّشاً، لا قيمة له.
قتل الشقيق لشقيقه
تتكيء الحكاية الخامسة من (ملحمة الحرافيش) المسمّاة (قرّة عيني) على حدث أسطوري مشهور في التاريخ الميثولوجي الفرعوني، يشكّل الحامل الرئيس لها، ومشكّل اتجاه السّرد فيها، وهو حادث قتل (ست)( ) إله الظلام عند الفراعنة لأخيه (أوزيريس)( ) واستماتة زوجة القتيل (إيزيس)( ) في البحث عن زوجها، ومن ثم انتقام الابن (حورس)( ) لأبيه من عمّه القاتل.
(فست) الأخ الحسود قد أصابته الغيرة من نجاح أخيه (أوزيريس)، فتآمر عليه وقتله، وقطّعه أشلاءً وزّعها على طول أقاليم مصر، إلاّ أنّ الزوجة الوفية (إيزيس) قد ذرعتْ مصر ذهاباً وإياباً؛ وقامت بجمع أشلاء زوجها المغدور بمساعدة (توت)، وأعادت الحياة إلى رفاته بطرق سحريّة، بعد أن كانت قد ربّت ابنها (حورس) على الانتقام من عمّه الظالم (ست)، الذي قتل أخاه ظلماً وبهتاناً، فقام (حورس) بدور المنتقم لأبيه، وشنّ حرباً على عمّه لم تتوقف إلاّ بتدخّل الإله (تحوت)، بعد أن اختار (أوزيريس) أن يغادر العالم الأرضي؛ ليصبح ملكاً على الأموات في العالم السفلي.
وفي حكاية (قرّة عيني) في (ملحمة الحرافيش) نرى هذا الحدث الأسطوري يحضر تماماً، لينفك في قصة أرضية، تعكس علاقات أخوين لا إلهين، مستثمرة كلّ تفاصيل الأسطورة الأم/الحاملة، لتكون حكاية محمولة على الأسطورة الأولى.
(فقرّة) يتزوّج من (عزيزة) كريمة المعلم (إسماعيل البنان) بدافع رجولة وشهامة، بعد أن يغرّر بها (أخوة) المستهتر (رمّانة)، ويسرق عذريتها، ثم يتنكّر لها، في حين يتزوّج أخوه (رمّانة) من (رئيفة) الأخت الشقيقة (لعزيزة)، التي لا تُمانع في أن تتزوج بمن تريد، وإن كانت تعلم أنّه قد غرّر بشقيقتها آنفاً، وهي وإن كانت شبيهة أختها في الشّكل، وتكادان تكونان توأمين، إلاّ أنّهما مختلفتان بالطباع والأخلاق؛ (فعزيزة) هي الطيبة الحنون، في حين (رئيفة) هي الشريرة الماكرة.
وهكذا اجتمع الأخوة الأربعة في بيت واحد، تماماً كما اجتمعتْ الآلهة الأربعة: (ست) و(أوزيريس) و(إيزيس) و(نفتيس) في قطر واحد، وهو مصر، لا سيما أنّ الأسطورة الفرعونية القديمة تذكر إنّ أربعتهم كانوا أشقاء، أبناء (جيب) و(نوث). وإنّ كانت علاقة الكره قد جمعت بين الأخوين الإلهين، فقد جمعت علاقة الحبّ والتعاون بين الإلهتين، في حين كان الكره هو الشعور المتبادل بين الأخوة في البيت الكبير.
وقد بدأ الحقد ينمو في نفس (رمّانة) وفي نفس زوجته عندما لم يُرزقا بطفل، ورُزق به (قرة) و(عزيزة)، وأسموه (عزيزا)، ثم تفجّر الحقد في نفس الأخ (رمّانة) عندما قرّر أن يفك (قرّة) شراكته مع أخيه المستهتر الذي يبدّد ماله في السّكر والعربدة والزنى، فما كان من قرّة إلاّ دبّر مكيدة لأخيه، فقتله، وأخفى جثته، وبذلك لم يعد الأخ الطيب (قرّة) إلى بيته، وعُزي موته إلى اعتداء قطّاع طرق عليه في سفر قام به لشؤون عمله( ). في حين عاشت (عزيزة) حزينة وحيدة، تنتظر إياب الزوج دون فائدة، بل إنّها فكّرت في أن تسير على درب الأسطورة، وتقتدي (بإيزيس)، "فتجوب البلدان بحثاً عنه، فتعثر عليه أو تكتشف بالبينة قاتليه، أن تنتقم، أن تعيد ميزان العدل إلى استوائه الأبدي، أن يستعيد القلب صفاءه"( ) لكن الوضع الاجتماعي الذي يأسر (عزيزة) حال دون ذلك، وإن لم يُحل دون أن تشاكل (عزيزة) (إيزيس) بالعناية بطفلها وحمايته حتى من عمّه الشرير، فقد "أرسلته إلى الكتاب في سنّ مبكرة. وزوّدته بمعلم خاص ليزيده علماً بالحساب والمعاملة، ولم تأل في تذكيره بسير أجداده من آل النبان، بل دفعها إخلاصها لقرة إلى التنويه له ببطولات الناجي ومثله العليا وأمجاده الأسطورية"( ). وبذلك غدا (عزيز) المسلّح بالعلم، هو صورة أرضية آدمية عن الإله (حورس) الذي سلّحته أمّه بالسلاح والقوة والبأس.
وما كاد يصل (عزيز) إلى سِنّ العاشرة حتى طالبت أمّه بأن يتدرّب في محل أبيه، وبعد أن اشتدّ عوده، قالت له: "تستطيع الآن أن تضطلع بشئونك، لم تعد صبياً، استقل بتجارتك، عندي من المال ما يضمن لك نجاحاً مثل نجاح أبيك"( ).
وشرع (عزيز) بالانفصال عن عمّه، وقد كان ذلك الانفصال انتقاماً حقيقياً منه؛ إذ كان نصيبه بعد القسمة قليلاً؛ بعد أن بدّد جُلّ ما يملك على شهواته ومفاسده، وكان الجزء الثاني من انتقام (عزيزة) و(عزيز) من (رمّانة) بتأليب أخيه (وحيد) عليه، الذي كاد يفتك به، وهو الفتوة القوي في ثورة غضب تدخّل رجالات الحارة في إخمادها، وفي رأب الصدع بين الأخوين، تماماً كما تدخّل الإله (تحوت) في الأسطورة الحاملة للحكاية، وفك النزاع بين (ست) و(حورس).
أمّا الجزء الأخير من الانتقام فقد كان بيد (رمّانة) نفسه الذي غرق في الملذّات، وطلّق زوجته (رئيفة) في سورة غضب، وعاش "كما عاشت (رئيفة) في الجحيم، في دنيا الضجر بلا حبّ"( ) ومن ثم تورّط من جديد في القتل، فقتل الشيخة (ضياء) في سكره، فقُبض عليه، وحُكم عليه بتأبيدة، واعترف بأنّه قاتل أخيه، وقال بحزن: "إنّه مدفون بملابسه في قبر وحيد لصق مقام الشيخ يونس"( )، وسرعان ما استخرج عزيز جثة أبيه، وشيّعه في جنازة مهيبة، ودفنه في قبر شمس الدين.
أمّا (رئيفة) فهي الأخرى مثالٌ للشر والحقد، ولم تكن في عون أختها المنكوبة بزوجها، كما كانت (نفتيس) زوجة (ست) في عون أختها (إيزيس)، التي بحثتْ معها طويلاً عن زوجها (أوزيريس)، وانتحبتْ عليه بألم وحرقة شأنها شأن زوجته، فقد كان (أوزيريس) أخاً لها فضلاً عن أنّه زوج أختها( ). بل كانت ممن شجّع رمّانة على قتل أخيه؛ ليحظى بالثروة دون قرّة و(عزيزة) و(عزيز)، ثم حرّضت (رمّانة) على قتل (عزيز) لتمنعه من أن يكمل مشروع والده القديم، الذي قتل لأجله، وهو مشروع الانفصال عن (رمّانة) في التجارة، وتقسيم الحانوت المشترك بينهما( ).
لكنّ (رمّانة) هذه المرّة رفض القتل، قائلاً بدهشة "تحسبين القتل لهواً؟"( ) وإن كان شعور خفي داخله خامرة بأنّ (عزيزاً) قد يكون ابنه من (عزيزة) التي غرّر بها، وهجرها في الماضي، وليس ابناً لأخيه كما يعتقد الآخرون قد حال دونَ أن يقدم على قتله، وهو في هذا الاعتقاد شكّل سبباً مقنعاً لعدم قتله لابن أخيه كما قتل أباه آنفاً، ويقارب به الأسطورة الأولى التي كانت تعتقد أنّ (حورس) هو ابن أخٍ وأخو (لست) في الوقت نفسه، كما كانت (إيزيس) أخت لست و(أوزيريس)، وزوجه في الوقت نفسه (لأوزيريس)( ).
وبالاتكاء على الحدث الأسطوري المشهور، وهو قتل (ست) لأخيه (أوزيريس) ظلماً وبهتاناً استطاع نجيب محفوظ أن يخصّب النص بقوى سردية حكائية قادرة على اختراع الأسطورة في سبيل بناء عالم موازٍ لها، تتكرّر أحداثه وشخوصه، ليسمح بذلك بتكرير رموزه وإحالاته، ومن ثم التنديد بقوى الظلم والحقد التي تعطل الإنتاج، وتقود الإنسان إلى السقوط، الذي قد يصل به إلى قتل أخيه، بدل أن يتخذه نموذجاً للعمل الخيّر المعطاء، وبذلك يمرّر لنا نجيب محفوظ من خلال حكاية مفعمة بالحركة والدراما والدلالات، ومنشّطة بالفعل الموازي للفعل الأسطوري درساً مستفاداً مفاده أنّ الخير ينتصر أخيراً مهما طال الطريق، وأنّ واجب تصحيح الأمور، وردّها إلى نصابها يقع على عاتق الشرفاء من أبناء الأمة أمثال (عزيز)، الذي طفق يمارس الخير، ويساعد المحتاجين من حرافيش الحارة بعد أن جدّد محلّ الغلال الذي يملكه( ).
قتل الأمّ وكره الأبّ
ويجنح نجيب محفوظ في رواية (السراب) إلى موتيفات أسطورية لها دلالتها في وجدان الجماعة, ويحاول صياغتها بطريقته التي تؤدّي الغرض الذي يريده، وهو في هذا الرواية ينهل من أسطورتين شهيرتين, ويقدّمهما بطريقته الروائية الخاصة بقدر يسمح له باستغلال رموزهما الأسطوريّة المدركة عبر النموذج الروائي المطروح, وهاتان الأسطورتان هما أسطورة (أوديب), وأسطورة (أوريست), وكلّ منهما أسطورة لها حضورها في المشهد الأدبي القديم.
(فأوديب) هو ابن (لايوس) ملك (ثيبيس) من زوجته (جوكاستا). أحاطت بولادته نبوءة أنّه سيقتل والده, لذا فقد قام والده منذ ولادته بثقب قدميه بمسمار, وشدّهما سوية بقوة, وأعطاه لراعِ كي يتخلّص منه, لكن الراعي أشفق على الطفل الرضيع, وأعطاه لراعِ آخر سرعان ما وهبه لملك (كورنيث) الذي تبنّاه, وأسماه (أوديب), أيّ دامي القدمين.
لكن (أوديب) يعرف من أحد العرّافين أنّه سيقتل والده, ويتزوّج أمّه, فيفر من المدينة, ظنّاً منه أنه يفرّ من والديه الحقيقين. ويصادف في طريقه رجلاً مع حرّاسه, فتقع مشاجرة بين الطرفين, ويقتل (أوديب) الرجل المُسنّ، تتحقق بذلك نصف النبوءة, إذ إنّ من قتله كان والده (لايوس).
ويتحقّق الجزء الثاني عندما يتزوج من أمّه (جوكاستا) بعد أن ينتصر على وحش النيل المسمّى (السفينكس), ويحلّ لغزه, ويصدف أنّ (كريون) الذي حكم (ثيبيس) بعد (لا يوس)، وشقيق الملكة قد أعلن أنّه سيتنازل عن الحكم لمن يقتل وحش النيل، فيصبح (أوديب) في ليلة وضحاها ملك (ثيبيس).
ويسوس (أوديب) الرعية بالعدل والحبّ, إلى أنْ يجتاح المدينة وباء قاتل هو الطاعون, ويعلن الكهنة أن الوباء لن ينتهي إلا إذا طرد أهل (ثيبيس) قاتل (لايوس) المجهول. وتتابع الأحداث، فتنكشف الحقيقة المفجعة. (فأوديب) هو من قتل أباه, وتزّوج أمّه. فتنتحر الأمّ من هول الصدمة, ويفقأ (أوديب) عينيه حزناً عليها, ثم ينفي نفسه من البلاد إلى أن يختفي بصورة غامضة عن وجه الأرض( ).
أمّا (أورست) فهو بطل أسطوري, جعله (أسخيليوس) بطل المسرحية المسمّاة (حاملات القرابين). وتقوم فكرة المسرحية على انتقام (أورست) من أمّه (كليتمسنرا) لقتلها أبيه (آجاممنون) بمساعدة عشيقها (ايجسثوس)؛ لأنّه كان قد ضحّى بابنتها البكر (ايفيجينيا) في حرب طروادة. وقد قتل (أورست) أمّه بمساعدة شقيقته (الكترا), فانعقدت محكمة المدينة, وبرّأته, إذ رجح صوت الآلهة أثينا هذه التبرئة( ).
واستناداً إلى هاتين الأسطورتين الشهيرتين صاغت مدارس التحليل النفسي لا سيما عند فرويد عُقدتي: عقدة الابن المحبّ لأمه والكاره لأبيه، وأسموها عقدة (أوديب)، وعقدة الفتاة المولعة بوالدها, والكارهة لأمّها, وأسموها عقدة (الكترا), وجعلوا الجامع بين العقدتين الميل الجنسي عند الفرد لأحد أبويه المخالف لجنسه, ومناصبته العداء والغيرة لأحد الوالدين المشابه لجنسه.
ولا يعنينا في هذه الدراسة أن نقف على التحليل النفسي لهذه الرواية؛ لأنّ روّاد أصحاب هذه المدرسة قد أشبعوا الرواية بحثاً في هذا الاتجاه, ولكن يعنينا أن نقف على تلك الأرضية الأسطورية التي انطلق منها نجيب محفوظ في روايته, التي نهضت على حدث أسطوري مشهور, وهو قتل الأم, بل وكره الأب, ومحاولة قتله, ولو معنوياً( ).
ومنذ البداية تطالعنا الوشائج بين الأسطورتين والسراب . فمشكلة (كامل) و(أورست), هي سلطة الأم, التي يسعى كلّ منهما إلى تدميرها, وإن كان أورست قد قتلها حقيقة, ودّمر سلطتها المحكمة عليه, فإن (كامل) قد قتلها معنوياً، بكلامه ومعاملته القاسية "ولشدّ ما يحزنني كلامك إنّك قتلني بلا رحمة "( ). ثم دمّر سلطتها نهائياً عندما قرر أن يهجرها دون عودة. وفعل ذلك, فماتت حزناً وكمداُ "انتهى الماضي بخيره وشره, ولن أعود ماحييت . سأنفرد انفراداً أبدياً, لن أعيش معك تحت سقف واحد, وسأطلب من الوزارة نقلي إلى مكان قصي أقضي فيه البقية الباقية من عمري"( )
فشخصية (كامل) ترتبط (بأوديب) من ناحية, و(بأورست) من ناحية أخرى, مع أنّ كلتا الشخصيتين الأسطوريتين تمثّل حالة ووضعاً في مجتمع ما, وداخل إطار زمني معين( ).
ونستطيع أن نفهم هذا الارتباط في تفقّد الملامح الأسطورية في (السراب), وذلك عبر الإحالة إلى مواطن التشابه الكامنة في أبطال الرواية, وفي بواعثهم وأفكارهم, نفوذاُ إلى الرموز التي تعتقد الدراسة أنّها وُجدت في الأسطورة, واستقرّت منذ القدم في اللاوعي الجماعي, واستثمرها محفوظ في روايته بأدواته الخاصة, وبفهمه الذاتي. وهذا الفهم تمخّض عنه الوصول إلى السراب, إذ سقط (كامل), ولم يستطع أن يدفع عجلة الحياة والانبعاث.
وشخصية (كامل) أسطورية تماماً تمرّ بمخاضات من الأحزان والتحديات والمحن. فهو ابتداءً يكره والده كرهاً كبيراً, الذي يشكّل حالة (أُوديبية) خاصة, إذ حاول أن يدسّ السم لأبيه متعجلاً حظّه من الميراث, فانكشفت خطته بوساطة الطبّاخ , فطرده أبوه من القصر, ووقف نصف ثروته لجهة خيرية, ووقف النصف الآخر على الابن الأكبر( ). ووالده كان المسؤول الأوّل عن معاناته, إذ حطم أسرته بمعاقرته للخمر, وطلق زوجته, وشتّت أبناءه. لذا فقد نشأ كامل على كره أبيه, وحبّ أمّه( )، وانتهى به المطاف إلى أن يتمنّى موت والده كي يرثه, ويتزوّج من (رباب) التي يحبّها, بما سيرث, وغدا مقتنعاً بأنّه ينتمي إلى أسرة "مصابة بداء قتل الوالدين"( ).
وقد نشأ (كامل) في بيت جدّه لأمه وحيداً بعيداً عن أخويه: (راضية) و(مدحت), اللذين ضمّها أبوه إلى حضانته. تماما كما نشأ (أورست) وحيداً بعيداً عن أختيه, إذ ضاع منذ صغره, ورُبيّ في بلاط (ستروفيوس) ملك (فوسيس).
وكان (كامل) موضع حبّ أمّه؛ التي رأت فيه صورة عن أبيه الذي ظلمها, فقمعته بالدلال, وسيطرة عليه سيطرة تامة, حتى نزعت منه أيّ تمرّد أو قوة أو عناد. ولكن (كامل) أحبّ أمّه من أعماق قلبه "إنّها سرّ حياتي وسعادتي, وأننّي لا أحتمل الحياة "( ), ولازمه شعور بأنّ أمّه ضحية لأبيه السكيّر القاسي . وكان (كامل) صورة عن أمه "يا له من وجه شاء الرحمن أن يكرّره في وجهي حتى قيل إنّه لا تُفرّق بيننا إلا الثياب"( ).
وكان في كلّ شأنه يعتمد على أمّه التي أفرطت في تدليله, وفي إحاطته برعايتها, حتى أنها كانت تحمله طوال فترة الطهي, ويمضي معظم يومه في حضنها, ويخلد معها إلى فراش واحد, بل ويستحم معها بعد أن يتجرّد وإياها من ثيابهما( ) وسرعان ما وجد نفسه عالقاً معها في بيتهما, لا علاقة لهما مع العالم الخارجي, يعصرها الحزن, وتعصره الوحدة والخجل والضعف.
وكان (كامل) في كلّ محاولة يبذلها للتخلص من سجنه, ومن سيطرة أمه, يبوء بالفشل, حتى دخل في العقد الثالث من عمره، وهو دون أصدقاء أو معارف أو حبّ أو حتى زواج, لاسيما أنّ لأمّه كانت تغضب أشدّ الغضب ممن يقترح عليها أن تُزوّج (كامل), ولو كان أختها الوحيدة أو دلاّلة الحارة( ).
لكن العقد ينفرط مع أوّل حبّ يخفق له قلب (كامل), إذ يعشق (رباب) الفتاة التي يقابلها يومياً لمدة سنتين في محطة القطار, ويخالف مشيئة أمه، ويتزوج ممن يحبّ بعد أن توفرّ له المال من حصته من إرث والده, الذي كان موته بارقة بحبوحة في عيشه.
ويظنّ (كامل) أنّ فصل السعادة في حياته قد بدأ, وأنّ التعاسة قد ولّت دون رجعة. لكن هيهات ذلك, وهو حبيس حبّه لأمّه. وإن كان (أورست) قد رفض العودة إلى المدينة, والزواج بأخته (إليكترا), فإنّ (كاملاً) قد اقترف الخطأ الذي دمّره, إذ إنّه تزوج (ربابا)ً, التي كانت تجسيداً لأمّه بالجمال والهدوء واللطف والتفرغ لخدمته, ولعّل اختياره لها تعبير عن رغبة في الحصول على الأم لا شعورياً, ولذلك دخل في دائرة الفسق بالمحارم, ولو نفسياً.
ومن هنا بدأت مأساة (كامل), فقد وجد في نفسه نفوراً جنسياً من زوجته التي هي بنظره أمّه, فعجز عن معاشرتها معاشرة الأزواج على الرغم من حبّه الشديد لها, وكان وجود أمّه في بيت الزوجية سبباً ساهم في هذا العجز. إذ كان يخجل من فكرة ممارسة الجنس مع زوجته وأمّه بالقرب منه( ) "والحق أني ما كنت أذكرها حتى يتندي جبيني خجلاً"( ).
ووقع (كامل) في صراع بين حبّه النظيف لأمّه, وكراهيته في إقباله على (رباب), التي جسدت له كلّ عناصر الأمومة. وقد أخفق تماماً, وسقط في الطريق؛ لأنه وُلد من رحم ينبغي أن لا يُفسق به في زوجته (رباب). غاية ما يمكن أن يظفر به هو تمنّي الرجوع إليه؛ ليتخلّص من مشكلاته, ولعلّه إن عاد، وبُعث من جديد يستطيع أن يمارس بحرية حاجاته البيولوجية والفسيولوجية( ).
وكان الحلّ هو أن يقتل أمّه في داخله, وشرع في ذلك بتحريض من نفسه, لا من جهة ثانية, من أخت مثلاً كما حدث مع (أورست) الذي قتل أمّه بالسيف على الرغم من توسلاتها بالرحمة التي ذهبت أدراج الريح. وكان ذلك القتل في الارتماء في حضن (عنايات), التي فتّقت رجولته عن فحولة كبيرة, ونهل من الجنس معها حتى ارتوى. وقد كان هذا الجنس تخلّصاً من عقدت رحم الأم المتمثّلة في (رباب), ومن سيطرة الأم, ولاسيما وأنّ (عنايات) كانت نموذجاً مختلفاً عن الأم, وعن الزوجة التي هي الصورة عن الأم, فقد كانت عجوزاً, دميمةً جسورة سمينة مملوءة ثقة لا حدّ لها, على العكس من أمّه التي كانت نحيفة جميلة منطوية, لا تحمّله أيّ مسؤولية, وتحيطه بجحيم عنايتها وحبّها. ولذلك وجد في ممارسة الجنس معها تحرّراً من قيوده, ومن سلطة أمه، كما كان يجد في الماضي تحرراً ولذة كبيرة في ممارسة العادة السرية بعيداً عن سلطة أمّه( ).
وكانت المرحلة الأخيرة في قتل أمّه عندما ماتت زوجته (رباب) في عملية إجهاض بعد أن حملت من رجل آخر سفاحاً إثر رحلة حرمان جنسية طويلة، حينها غضب (كامل) على أمّه، وعدّها السبب في المصير المأساوي، الذي آلت إليه الزوجة، بل وعدّ نفسه قد قتلها. ثم قذف في وجه أمّه خبر نيته ترك البيت، والرحيل بعيداً( ) دون أن يستجيب لتوسلات أمّه بالبقاء, "لشّد ما يحزنني كلامك إنك تقتلني بلا رحمة"( ).
وماتت الأم من ليلتها, ومن جديد شعر (كامل) بالحزن, فقد ظن نفسه قاتلاً لأمه, وانزلق في غيبوبة لثلاثة أيام, واستيقظ وحزنٌ كبير يملؤه, وشعر بمرارة الوحدة, وطارده الحزن كما طاردتْ (أورست) آلهة النقمة؛ لأنه قتل والدته, وإن كان (أورست) قد التجأ إلى الهرب من مكان إلى آخر، فقد لزم (كامل) بيته حزيناً موّجداً.
وكان الخلاص (لأورست) من مطاردة آلهة النقمة بمساعدة (أبولو)، الذي نصحه بالذهاب إلى (أثينا), والتضرع إليها لمساعدته, وهذا ما كان. ومَثَلَ (أورست) أمام مجتمع القضاة الأثينين, ولكن أثينا كانت الصوت المرجّح إلى جانبه, وحُكم ببراءة (أورست). ونستطيع أن نعزي مساعدة (أثينا) (لأورست) إلى أن (أثينا) لم تعرف الرّحم، ولم يضمّها واحد قط؛ إذ إنّها ولدت- كما تقول الأسطورة الإغريقية- بكامل دروعها من رأس أبيها (زيوس)( ).
أما (كامل) فقد كان خلاصه في اللجوء إلى التصوّف, إذ فيه الوحدة والعزوف والتفكير, لكن ملاذه الصوفي سرعان ما تبخر إذ انخرط من جديد في الغبّ من متعة الجسد مع (عنايات) التي زارته في أيام النقاهة في بيته حيث اعتزل.
(فكامل) الحالة الغريبة التي غشيها الضعف, ونخرها العجز قد كان مثالاً لمرحلة عاشتها الأمة إبان زمن تأليف الرواية عام 1948, وعاشها نجيب محفوظ الذي كان في أقصى حالات الاضطراب في تلك الفترة. وهذه الحالة التي لم تُقاوم بالشكل الصحيح والمطلوب سرعان ما سقطت، وعاثتْ فساداً بعد أن عجزت عن ايجاد توازن بين مطالب الروح ومطالب الطبيعة.
وكانت الأسطورة المُتكئ عليهما في السراب حاملاً يضطلع بتفكيك الأسطورتين القديمتين: (أوديب), و(أورست). وبناء معمار روائي جديد عليها, يقارب ما بين المآسي الثلاث, ويرصد ضعف البطل, كما يرسم سقوطه أمام معطيات ظروفه. (فكامل رؤبة لاظ) كان حالة غريبة منذ اللحظة الأولى , حتى أنّ اسمه الغريب عديم التفسير كان مظهراً من مظاهر غرابته، إذ إنّ نجيب محفوظ كثيراً ما يصوغ علاقة مابين الاسم وبين الدور, أكان ذلك الاسم الشخصية أم المكان, فالاسم ذو دلالة واضحة عنده( ), ومن مظاهر تلك الحالة الانفصامية التي يعيشها, أنّه عاجزٌ جنسي في حضن زوجته التي يحبها, بينما هو فحل في حضن امرأة دميمة تكاد تكون مومساً لا يحبّها.
وليس هذا الوضع الانفصامي الذي يعيشه (كامل) إلاّ صورة من صور الانفصام العربي والعجز القومي في مواجهة التحديات, وصورة عن الإخفاق في تحديد الأولويات, وتثبيت المحدّدات, وتعثّر في تبنّي برامج العمل والتنمية.
وقد توافر نجيب محفوظ على أحداث أسطورية كثيرة، استفاد منها في بنائه الروائي، وأستلهم بعضاً منها في تشكيل معمار أحداثها، كما انطلق منها في بناء أحداثه الأسطورية الخاصة المتعلّقة بعوالم روايته، والمنبثقة من تجاربها الخاصة، وبذلك خلق أحداثاً أسطورية موازية أو مشابهة لتلك الأحداث الأسطورية المشهورة.ومن تلك الأحداث الأسطورية التي استدعاهه في رواياته,
الصراع مع الآلهة
التاريخ الميثيولوجي لا يحدّثنا عن علاقات سلام واستقرار دائم بين الآلهة، بل نجد كثيراً من صور الصراع بين الآلهة، وبين الآلهة وأنصاف الآلهة في كثير من الأساطير، فإله الظلمة عند اليونان قد خلع أباه عن الحكم، وحكم بدلاً عنه( )والإلهان (أورانس) و(جيا) اليونانيان طردا الإلهين (ايثر) و(هيرميدا)، واستوليا على عرشهما( )، وكذلك (كرونوس) نحّى والده (أورانس) عن رئاسة الآلهة، وسار ابنه (زيوس) على هديه، إذ سرعان ما عزل والده، وأخذ مكانه إلى الأبد( ). و(بروميثيوس) تحدّى (زيوس) كبير آلهة الإغريق، وسرق النار من السماء، وأهداها للبشر، ونال عقاباً مهولاً على ذلك، إذ سلّط (زيوس) عليه نسراً ينهش كبده الذي كلما فني تجدّد بعد أن ربطه في أعلى قمة جبل في القوقاز( ).
كذلك قتل الإله (ست) أخاه (أوزيريس) حسداً وظلماً، وقطّع جسده، ونثرها في أقاليم مصر( )، ثم جاء الإله (حورس) ابن الإله (أوزيريس)، وخاض صراعاً عظيماً مع عمّه، فقد (حورس) فيه إحدى عينيه، بينما فقد ست خصيته، ولم تهدأ الحرب إلاّ بتدخّل (تحوت)( )، كذلك اعتاد الثعبان (أبو فيس) أن يهدّد كلّ صباح ومساء إله الشمس، وهو ممثل لقوى الشّر والظلام، وبذلك تساوى (أبو فيس) بالإله ست عدو الآلهة عندما كان يخوض معركة دامية مع إله الشمس، فيُهزم، وتصطبغ السماء باللون الأحمر، وهو لون دم (أبو فيس) المهزوم( ).
وهذه الصراعات الدامية بين الآلهة تُلقي بظلالها على أحداث رواية (كفاح طيبة)، لا سيما في الصراع بين الهكسوس ممثلاً (بأبو فيس)، والمصريين، أهل طيبة ممثلاً بالفرعون (سيكننرع) ثم (كاموس) وأخيراً (أحمس). ولعلّ إطلاق اسم (أبو فيس) على ملك الهكسوس يسوقنا سريعاً إلى افتراض مؤاده أنّ صراع طيبة يكاد يكون صراع آلهة مع نزير الفروق. (فأبو فيس) هو الثعبان الشرير الذي يمثّل الظلام، ويحاول أن يمنع مسيرة إله الشمس (رع)( )، ولكنّه يُهزم في كلّ مرّة بعد حربٍ طاحنة، ويملأ دمه الأفق، وذلك بعد أن يحاربه (رع) من قاربه المقدّس، ويضربه بحربته النحاسية، لكن سرعان ما ينتصر (أبو فيس) مع الغروب على (رع)، ويقتله، ويرسله إلى مملكة الظلام، وذلك عبر قارب تقوده ربّات الظلام الاثنتا عشرة في طريق لا يعرفه سواهن، حتى أنّ (رع) نفسه يجهله، وفي آخر الرحلة الحزينة مع الإله المقتول (رع)، تُهب له الحياة من جديد، ويستبدل قاربه بآخر جديد، وتُفتح أبواب السماء، ويطلع النهار، ويخرج قارب (رع)، ويفلح (رع) هذه المرة بقتل (أبو فيس)، لتبدأ الدورة من جديد، فصراع (أبو فيس) و(رع) هو صراع أبدي دائري يمثّل دورة الحياة( ).
ومن السهل أن يتلمّس المرء ومضات هذه الأسطورة في كفاح طيبة، (فأبو فيس) الهكسوسي الظالم قتل الفرعون الطيب المحبّ لشعبه (سيكننرع) ثم قتل ابنه (كاموس)، وقطّع جسدهما، ثم هربت أسرتهما عبر النهر الحزين في قارب إلى المجهول، الذي لم تكن الأسرة ذاتها شأن إله الشمس (رع) تعرف الطريق إليه. وفي ذلك المجهول البعيد لبث الفرعون (أحمس) الذي هو امتداد للفرعونين (سيكننرع) و(كاموس) مع أهله فترة من الزمن، ثم عاد إلى وطنه بمعونة المخلصين له عبر البحر في سفينة، تماماً كما عاد (رع) بمساعدة ربّات الظلام إلى السماء في سفينته. وفي طيبة استطاع (أحمس) أن يحاصر جيش (أبو فيس)، وأن يهزمه في حربٍ بحرية، تماماً كما استطاع (رع) أن يهزم (أبو فيس) وهو يركب سفينته. وفي النهاية انتصر (رع)، ودُحر (أبو فيس)، وعمّ نور الصباح الدنيا، وإن كان (أبو فيس) سيعود من جديد، ليبدأ صراع آخر، تكتمل فيه دورة الحياة التي دأبها الحراك، ولا تعرف سكوناً أو خمولاً. تماماً مثلما استطاع (أحمس) أن يهزم (أبو فيس)، ويطرده من بلده، ولكن إلى حين، إذ شهدت مصر بعد ذلك مستعمرين كُثر، جاءوا طامعين حاقدين مثل (أبو فيس)، وكان لزاماً على الشعب المصري أن يتصدّى لهم، وأن يهزمهم؛ لأنّ دورة الحياة لا تعترف بالضعفاء المهزومين، بل تتطلّب الأقوياء المدافعين عن وطنهم. وبذلك تكون أسطورة صراع الآلهة المُسقطة على صراع طيبة مع أعدائها الهكسوس لتحقيق الحرية، هي أسطورة ترسّخ قيم التنوير، وتعطي مثالاً مشرقاً على الحرية، وتدعو بتمتمات سحرية، وتجارب معاشة إلى التمرّد والتكاثف وطرد العدو من الوطن المغتصب.
الصراع مع الكائنات الأسطوريّة
تحدّثنا الأساطير والخرافات والحكايا الشعبية عن دخول الإنسان في صراع مع كثير من الكائنات الأسطوريّة والمخلوقات الخرافية، وهو صراع يعكس من جهة قسوة الصراع وعدم تكافئه، ومن جهة ثانية يكرّس بطولة شخصيات الأساطير، إذ على الرغم من قوة الكائن الأسطوري، الذي غالباً ما يكون شريراً لا يعرف رحمة، ويكاد الانتصار عليه يكون مستحيلاً بسبب الطاقات الخارقة، التي يملكها، إلاّ أنّنا نجد البطل في الغالب على الرغم من تلك الأحوال ينتصر على ذلك الكائن، بل وأحياناً يكرّس ذلك الكائن لخدمته ومساعدته، فالكائن الخرافي الشبيه بالتنين في رواية (ليالي ألف ليلة) يرسله الله لينقذ عابداً مؤمناً، وقع في حفرة، لم يستطع أن يخرج منها، وكاد يهلك فيها، بعد أن رفض أن يصرخ طالباً المساعدة من السابلة؛ إذ "إنّه ليس من الصالح أن أطلب المساعدة إلاّ من الله تعالى"( ). لذلك فقد مَنَّ الله عليه بالعون، وأرسل له وحشاً على شكل تنين في جوف الليل، ومدّ له ذيله، فعلم العابد أنّ الله أرسله لينقذه، فتمسّك بالذيل، وخرج من الحفرة، ونجا.
كذلك نجد (السندباد) في (ليالي ألف ليلة) يستطيع أن ينتصر على طائر الرّخ الأسطوري، ويستغلّه لمصلحته، وينتقل به من مكان إلى آخر، بل ويصب الثراء به؛ إذا ينقله الرّخ إلى جبل كلّه قطع من الماس، فيجمع (السندباد) منها ما استطاع، ويصبح ثرياً، ويكون بذلك "أوّل إنسان يسخّره لأغراضه"( ). وذلك لأنّ (السندباد) بعد أن وجد نفسه منعزلاً في إحدى الجزر، التي غادرها أصدقاؤه في أوّل سفينة عابرة، ألفى نفسه ينام بالقرب من بيضة عملاقة هي بيضة طائر الرّخ، الذي سرعان ما هبط بالقرب من بيضته، فتسلّل (سندباد)، وربط نفسه في طرف ساقه الشبيهة بالصاري، وحلّق معه في السماء، حتى هبطا على قمة أحد الجبال.
ولكن السلطان (شهريار) الذي يجد نفسه في الليالي في مواجهة مع ماردٍ جبّار بعد أن فتح الباب المحرّم فتحه في العالم الأسطوري، الذي دخل إليه من صخرة في الخلاء، يدرك أنّ لا قبل له بمقارعة المارد، إذ إنّه لا يتحلّى بأيّ قوىً خارقة، فما يكوك منه إلاّ أن يصرخ قائلاً: "دعني بربك!"( ) فيستجيب المارد له، ويتركه وشأنه.
أمّا الصراع مع العفاريت في رواية (ليالي ألف ليلة) فهو صراع غير متكافيء، إذ يجمع عفريتاً عتيّاً، وفي الغالب قويّاً مع إنسان ضعيف لا يملك أيّ قوّة، لذلك ينصاع، ويستسلم للمارد، وينفّذ أوامره كارهاً؛ لأنّه لا قِبَل له بمصارعة عفريت خارق القوة، ولو كلّفه ذلك عمره. (فصنعان الجمالي) يقع في صراع مع العفريت (قمقام)، الذي ادّعى أنّ (صنعان) قد داس رأسه، وهو يمدّ ذراعه ليلتمس موقع الشمعدان في غرفة نومه، ويهدّد بالانتقام ممن داس رأسه، فيطلب (صنعان) الرحمة من العفريت، فيرفض العفريت ذلك، ولكنّه يستدرك قائلاً: "لا رحمة بلا ثمن، ولا عفو بلا ثمن"( ). فيبدي (صنعان) استعداده للحصول على العفو مقابل أيّ فعل، ولكنّه يصدم بالمقابل الغريب، فالمارد يطلب منه أن يقتل حاكم الحي (علي السلولي)، معلّلاً ذلك بالقول: "استأنسني بسحر أسود، وهو يستعين بي في قضاء مآرب لا يرضى عنها ضميري"( ). فيحاول (صنعان) أن يستعفي المارد من هذه المهمة الشاقة، لكنّ المارد يصمم على تنفيذ طلبه، واعداً (صنعان) بالعون عند الحاجة "إنّها أمانة عامة لا يجوز أن يتبرّأ منها إنسان أمين، ولكنّها منوطة أوّلاً بأمثالك ممن لا يخلون من نوايا طيّبة"( ) فيستجيب (صنعان) مكرهاً للمارد، فيستلّ خنجره، ويغمده في قلب (علي السلولي) في أوّل لقاء بينهما، ولكن المارد (قمقام) يتخلّى عن مساعدته، ويقول له "فاعل الخير لا تكربه العواقب"( )، ويجد (صنعان) نفسه أمام نطع السيّاف، الذي يطير رأسه بضربة من سيفه.
ولكن الصراع مع العفاريت يستمر على الرغم من هزيمة (صنعان) أمام العفريت (قمقام)، ودفعه حياته ثمناُ لذلك، وتبدأ حلقة جديدة من الصراع مع العفاريت في الليالي. ويربط الناس ظهور العفاريت بعدم وجود العدل، إذ تتدخّل العفاريت، لكي تُجبر الناس على الثورة، وقتل رموز الاستبداد، وإجبار السلطة على تغير سياستها، وانتهاج العدل والمساواة نبراساً "على الوالي أن يقيم العدل من البداية، فلا تقتحم العفاريت علينا حياتنا"( ). (فجمصة البلطي) كبير الشرطة يصطاد قمقماً، وعندما يفتحه يجد نفسه أمام عفريت غاضب، اسمه (سنجام)، يريد أن ينتقم بعد أن ملأه السجن بالحنق والرغبة في الانتقام.( )ولكننا نجده يضرب صفحاً عن الانتقام من جمصة، الذي ذكّره بأنّه كان الوسيلة إلى خلاصه( ). ولكن الصراع مع العفريت يبدأ منذ أوّل يوم، إذ يشرع العفريت يثير شغباً وفساداً في الحي، وتتعاقب حوادث قطع الطريق "داخل سور الحي وخارجه كثرة مزعجة، فنهبت أموال وسلع، وأُعتدي على رجال"( ). ويفشل (جمصة) في العثور على الفاعل، على الرغم من أنّه "نشر الدوريات نهاراً وليلاً، وتفقّد الأماكن المشبوهة بنفسه"( )، فيهدّده حاكم الحي( خليل الهمذاني) بالعزل إن لم ينجح في القبض على الجناة، ولكنّه كان يعلم أنّ لا سبيل إلى ذلك، إذ كان العفريت هو الجاني العابث.
ودخل (جمصة) في صراع نفسي كان العفريت سبباً فيه، فقد جعله يدرك أنّه ليس أكثر من أداة بطش ظالمة في يد اللصوص الحقيقيين، فهو "لص قاتل حامي المجرمين ومعذّب الشرفاء، نسي الله حتى ذكّره به عفريت من الجنّ"( )، فيقرّر لساعته أن يبطش لأوّل مرة في حياته باللص الحقيقي، فيضرب بالسيف عنق الحاكم في أوّل لقاء لهما معلّلاً ذلك بتحقيق "إرادة الله العادلة"( )، ولكنّه يواجه الحكم عليه بالإعدام، الذي يُنفّذ سريعاً، ولكنّ المارد (سنجام) يقلب الصراع لمصلحة (جمصة)، ويقرّر أن يساعده، وكأنّه استطاع أن يحرّره من قيوده، ويجعل منه ثائراً على السلطة الظالمة، وبذلك استحقّ الحياة وَفْق وجهة نظره، على خلاف (صنعان الجمالي)، الذي لم يجاوز أن يكون قاتلاً مرتزقاً، ولم يؤمن بقضيته، لذا فقد دفع حياته ثمناً لهبوط همّته، وخمول فكرته. فحوّل (سنجام) (جمصة) إلى رجلٍ آخر، في حين قتل السّياف صورة من جمصة من صنع يديه( )، عندها مضى (جمصة) يتعبّد لله، ويحقّق العدل بطريقته، إذ اغتال الكثير من رموز التسلّط والقهر في الليالي، أمثال (بطيشة مرجان) كاتم السر، و(إبراهيم العطّار)، و(كرم الأصيل) و(عدنان شومه).
وعندما أُفتضح أمره في نهاية المطاف، لم يعدم العون من قوة خارقة أخرى، إذ وجد ساكناً من سكان الماء اسمه (عبد الله البحري)، يطلب منه أن يتجرّد من ثيابه، وأن ينزل إلى الماء، ففعل (جمصة) ذلك، فأُبدل من جديد بسحنة جديدة، لا هي وجه (جمصة البلطي)، ولا وجه عبد الله "وجه قمحي صافي البشرة، ولحية مسترسلة سوداء، وشعر غزير ينسدل حتى المنكبين، ونظرة عينين تومض بلغة النجوم"( ).
وانطلق من جديد في رحلة جهاده، لا يصدّه صادّ، ولا تقعد به همّة، حتى تحقّق له مراده، وشهدت السلطنة عهداً جديداً من عهود العدل والمساواة، إذ كان الجهاد والثورة على الظلم والبغي، والإيمان بقضية الحرية هي المفتاح السحري للانتصار على العفاريت، التي تقتحم عوالم البشر عندما يعزّ العدل، وما الانتصار عليها إلاّ حصيلة الانتصار على النفس، والتعالي على رغبتها وشهواتها ومزالقها وضعفها، والتسامي على الشهوات، وصولاً إلى الحريّة والعدل، المطلبين المقدّسين في حياة كلّ من أراد أن ينتصر على عفريت، وأن يلزمه حدّه.
وقد تتمثل الحالة الصراعية مع الكائنات الأسطوريّة في حالة التلبّس، فالعفريت مثلاً قد يدخل جسم الإنسان، ويسكن فيه، ويسبّب له الأمراض والعطب، ويقوده إلى سلوك مرفوض، يأبى الخروج منه إلاّ بطقوس احتفالية أسطوريّة خاصة. (فأم زكي) جارة الراوي في (حكايات حارتنا)، تتوعّك صحتها على حين غرّة، وتأخذ في التدهور، فتهزل سريعاً، ويترهّل جسدها، وتفشل كلّ الوصفات في شفائها. ويُعتقد عندئذ أنّ سبب مرضها هو من أفعال الأسياد، والمقصود بهم الجنّ، والطريقة الأسطوريّة لإبعاد شرور هؤلاء الأسياد/الجن، وإخراجهم من جسد المريض هي الزار الذي هو طقسٌ لا يخلو من ممارسات أسطوريّة.
وتشرع الصديقات والجارات في تهيئة هذا الزار، و"يجيء اليوم المشهود، فيكتظّ بيت جارتنا بالنساء، ويعبق البخور، وتنسلّ عليه جوقة من السودانيات يكتنفهّن الغموض والأسرار. وأطلّ برأسي من المنور فأرى صديقتي في مشهد جديد، تجلس على عرش في عباءة مزركشة بالتلى والترتر، متوّجة الرأس بتاج من العاج تتدلّى منه عناقيد الخرز مختلف الألوان، منقوعة القدمين في وعاء من ماء الورد تستقرّ في قعره حبّات من البن الأخضر. وتدقّ الدفوف، وتهزج الخناجر النحاسية بالأناشيد المرعشة، فتفوح في الجو أنفاس العفاريت، ويدعو كلّ عفريت صاحبته المختارة من بين المدعوّات للرقص، فتموج القاعة بالحركات، وتتوهّج بالتأوهات، وتذوب الأجساد في الأرواح. وها هي أم زكي تتلوّى بعنف كأنّما رُدّت إلى جنون الشباب، وعن فيها المُزيّن بالأسنان الذهبية يُصدر صفيراً حاداً، ثم اندفاعٍ رهيبٍ، وتدور حتى تترنّخ من الإعياء، وتتهاوى مغشيّاً عليها.... وجلجلت زغرودة، وارتفع صوت مبتهلاً: ليشهدنا خاتم الرسل الكرام"( ).
ويظنّ البعض هذه الطقوس كفيلة بطرد الجن من جسد أم (زكي). ولكن صحتها لا تتحسن، بل تسوء، ويضطر ابنها المعلم (زكي) إلى نقلها إلى القصر العيني، لتأخذ قسطاً من العلاج، لكنّها على الرغم من ذلك لا تُشفى، وتموت، ولا تعود مرّة أخرى إلى الحارة.
البحث عن الخلود
أمّا البحث عن الخلود فهو من أوائل القضايا التي أرّقت البشرية، وما إحساس الإنسان بمسار الزمن اللاارتجاعي إلاّ تعبير عن إدراكه لحقيقة موته، وما إيمانه بالآخرة سوى محاولة التفاف على هذه الحقيقة اللاإرتجاعية للزمن، ومحاولة التفاف على الموت، وهي فكرة ذات مغزى عظيم؛ لأنّ الإنسان استطاع من خلالها أن يتقبّل الموت محطة ليست نهائية في حياته، وبذلك أعطى لحياته هدفاً ومعنى( ).
ولكنّنا نجد الأسطورة القديمة تذكر لنا أنّ (جلجامش) ملك (أورك) القديمة قد خرج في رحلة أسطورية يبحث عن عشبة الخلود ، وقد مرّ برحلة صعبة، قابل فيها كائنات أسطورية، وشخوص أسطوريين، ووصل إلى أقاليم عجيبة، ثم حصل (جلجامش) على عشبة الخلود بعد أن اجتاز امتحاناً أسطورياً في سبيل ذلك، وكاد ينعم بالخلود، بعد أن أعطاه (أوتانبشتم الناجي) من الطوفان عشبة الخلود، لكن الأفعى الشريرة، اختلست العشبة، ونعمت بالخلود، وحُرم (جلجامش) منه، وبذا بقي حلم البشرية بالخلود حلماً لا سبيل إلى إدراكه، وحسب المرء التمنّي والتنهّدات( ).
ونجيب محفوظ استولد هذا الحدث الأسطوري في سعي الإنسان المحموم في البحث عن الخلود الجسدي في قصة (جلال ابن زهيرة) الناجي في (ملحمة الحرافيش)، الذي ذاق مرارة الموت عندما رأى أمّه تُقتل بأبشع الطرق على يدي زوجها، ثم رأى حبيبته (قمر عزيز الناجي) تستسلم للمرض، وتهلك وهي في عمر الزهور، فقرّر أن ينتصر على الموت، ويبحث عن الخلود، وبدأ رحلته التي سرعان ما حطت رحالها عند المشعوذ الدجّال (شاور) الذي يقيم في (بدروم) في الحارة، الذي اشترط على (جلال) مقابل أن يهبه الخلود أن يوقف على جاريته (حوّاء) عمارة ليكون ريعها للتكفير عن ذنوبه، وأن يشيد مئذنة ارتفاعها عشر طوابق، وأن يعتكف في غرفته عاماً كاملاً، لا يراه إلاّ خادمه، وأن يتجنب في عزلته أيّ شيء يذهله عن نفسه( )، وكأنّ هذه الشروط هي مشاكلة لتلك الشروط التعجيزية التي وُضعت أمام (جلجامش)، فقام بقدراته الأسطورية بتنفيذها، تماماً كما قام (جلال) بتنفيذ شروط (شاور) الغريبة، القابلة للتنفيذ قياساً بالطلبات المستحيلة التي طُلبت من (جلجامش).
ونفّذ (جلال) شروط طلبات (شاور) الأسطوريّة، وفي آخر يوم من العام المكتوب "استقبل شعاع شمس مغسولاً برطوبة الشتاء"( ) وطفق يغبُّ من الشهوات ومتاع الجسد، وضرب صفحاً عن واجبه تجاه فقراء الحارة والمعوزين، ولكن حلمه بالخلود سرعان ما تبخّر، فقد دسّت (زينات) خليلته العاشقة له السمّ في طعامه، وقتلته انتقاماً من إهماله لها، وغيرة عليه، وقالت "قتلتك لأقتل حياة العذاب"( ).
وهكذا وضعت (زينات) الإنسانة الضعيفة حدّاً لأسطورة الخلود التي سعى إليها (جلال)، كما وضعت الحيّة في الأسطورة نهاية مأساوية لحلم (جلجامش) في الخلود، الذي تقول بعض الروايات إنّ قلبه تحطّم حزناً بسبب إخفاقه، ومات حزيناً، في حين تذكر أخرى إنّه اكتشف أنّ الخلود الحقيقي ليس في البقاء الزمني، ولكن في خلود العمل والإنجاز والاجتهاد، لذا نذر نفسه لخدمة شعبه، وللارتقاء ببلده، وهذا ما كان، وبذلك أصاب الخلود الذي طلب.
إلاّ أنّ (جلال) كان دون وعي (جلجامش)، فخسر عمره، وخسر معه خلود الذكر الطيب، حين انقطع على الملاهي والمتع، وكنز المال دون أهل حارته الفقراء المعوزين، وخالف مسيرة أجداده بالبذل والعطاء والكرم، وأخفق في أن يعلم أنّ الخلود هو في العطاء، وذهب شأنه شأن الذاهبين، "فالإنسان يذهب بخيره وشرّه، ولكن تبقى الأساطير"( )
ولكن أيّ أساطير عنى نجيب محفوظ؟ يبدو أنّه عنى أساطير البذل والعطاء التي تخلّد الإنسان، وتحوّل تجربته الحياتية من مسيرة مادية إلى مسيرة روحية، يفنى الجسد فيها، وتبقى هي مرتبطة بعالم الروحانيات والموجودات، وما استحضار نجيب محفوظ لهذه الأسطورةإلاّ صرخة تقول: لا تصدّقوا بخرافة الخلود، بل اصنعوها بالعمل والحبّ والبذل، واسموا على الأنانية والمادية.
ومحفوظ قد يهبّ الخلود والشباب لبعض أبطال روايته، ثم ينزعه من جديد، وكأنّه يقول إنّ تلك الشخصيات لا تستحق الخلود؛ لأنّها لم تحقّق سبب الخلود، وهو العمل، والقيام بالواجب. فالسلطان (شهريار) في رواية (ليالي ألف ليلة)، يحصل على الخلود والشباب بالصدفة، ودون أن يسعى لذلك. إذ إنّه يهجر عرشه، ويتركه لزوجته (شهرزاد) ولولديهما، ويسوح في الأرض، إلى أن وصل إلى موضع اللسان الأخضر، فسمع رجالاً يبكون حول صخرة، بعد أن عجزوا عن تحريكها من مكانها، ومع بزوغ الفجر غادر جميع البكّائين مكانهم، وهم "يتواعدون على اللقاء غداً ثم مضوا نحو المدينة كالأشباح"( ).
وقد قدّر (لشهريار) أن يحرّك الصخرة بقبضته، فوجد أسفلها سلماً يقود إلى عالم أسطوري يبدأ ببركة صافية، تقوم وراءها مرآة مصقولة، وسمع صوتاً يقول له: "افعل ما بدا لك"( )، فما كاد يستحم فيها، وهو ما بدا له أن يفعل حتى ارتدّ "فتى أمرد، قوي الجسم متناسقه، بوجه مفروق وقد طرّ بالكاد شاربه"( )، ثمّ زُفّ عريساً إلى ملكة ذلك العالم الأسطوري، الذي يعجّ بالنساء الحسناوات، ولا رجل فيه، ونعم في حياته معها، إلاّ أنّه خسر شبابه التليد، وخلوده السعيد؛ لأنّه لم يلتزم بشرط البقاء في ذلك العالم، وحاول فتح الباب المحرّم فتحه، فطُرد شرّ طرده، وارتدّ عجوزاً، متقوّس الظهر، سرعان ما انخرط في البكاء شأنه شأن البكّائين( ).
(فشهريار) الذي لم يحسن سياسة ملكه، وواجهه بالظلم أوّلاً، ثم بالهرب ثانياً، لقي الفشل كذلك في عالم الخلود الأسطوري، لأنّه باختصار اعتاد الفشل، ولم يعدّ العدّة للنجاح، وللحفاظ على ما يملك.
ومحفوظ يتسلّل إلى سدّة القدر، ويهب الخلود بطريقته الخاصة، ففي رواية (أمام العرش)، يستدعي نجيب شخصيات تاريخية، ويجعلها تمثل أمام محكمة أسطوريّة، وتقوم عليها الآلهة (أوزيريس) و(إيزيس) و(حورس) و(تحوت). ثم يستنطق الشخصيات المُستدعاة من جديد، لتستعرض أهم مآثرها وكبواتها، ثم يجري محفوظ حكمه على لسان (أيزيس) و(أوزيريس)، فيجعلهما يهبان الخلود أو العذاب أو مقام التافهين للمحاكم. ويجعل محفوظ العمل لمصلحة مصر هو ميزان الخلود، فمن أحسن لمصر، وخدمها كما يجب وهبه محفوظ الخلود، ومن قصّر دون ذلك نال الجحيم، أو على الأقل ركن إلى مقام التافهين مهمّشاً، لا قيمة له.
قتل الشقيق لشقيقه
تتكيء الحكاية الخامسة من (ملحمة الحرافيش) المسمّاة (قرّة عيني) على حدث أسطوري مشهور في التاريخ الميثولوجي الفرعوني، يشكّل الحامل الرئيس لها، ومشكّل اتجاه السّرد فيها، وهو حادث قتل (ست)( ) إله الظلام عند الفراعنة لأخيه (أوزيريس)( ) واستماتة زوجة القتيل (إيزيس)( ) في البحث عن زوجها، ومن ثم انتقام الابن (حورس)( ) لأبيه من عمّه القاتل.
(فست) الأخ الحسود قد أصابته الغيرة من نجاح أخيه (أوزيريس)، فتآمر عليه وقتله، وقطّعه أشلاءً وزّعها على طول أقاليم مصر، إلاّ أنّ الزوجة الوفية (إيزيس) قد ذرعتْ مصر ذهاباً وإياباً؛ وقامت بجمع أشلاء زوجها المغدور بمساعدة (توت)، وأعادت الحياة إلى رفاته بطرق سحريّة، بعد أن كانت قد ربّت ابنها (حورس) على الانتقام من عمّه الظالم (ست)، الذي قتل أخاه ظلماً وبهتاناً، فقام (حورس) بدور المنتقم لأبيه، وشنّ حرباً على عمّه لم تتوقف إلاّ بتدخّل الإله (تحوت)، بعد أن اختار (أوزيريس) أن يغادر العالم الأرضي؛ ليصبح ملكاً على الأموات في العالم السفلي.
وفي حكاية (قرّة عيني) في (ملحمة الحرافيش) نرى هذا الحدث الأسطوري يحضر تماماً، لينفك في قصة أرضية، تعكس علاقات أخوين لا إلهين، مستثمرة كلّ تفاصيل الأسطورة الأم/الحاملة، لتكون حكاية محمولة على الأسطورة الأولى.
(فقرّة) يتزوّج من (عزيزة) كريمة المعلم (إسماعيل البنان) بدافع رجولة وشهامة، بعد أن يغرّر بها (أخوة) المستهتر (رمّانة)، ويسرق عذريتها، ثم يتنكّر لها، في حين يتزوّج أخوه (رمّانة) من (رئيفة) الأخت الشقيقة (لعزيزة)، التي لا تُمانع في أن تتزوج بمن تريد، وإن كانت تعلم أنّه قد غرّر بشقيقتها آنفاً، وهي وإن كانت شبيهة أختها في الشّكل، وتكادان تكونان توأمين، إلاّ أنّهما مختلفتان بالطباع والأخلاق؛ (فعزيزة) هي الطيبة الحنون، في حين (رئيفة) هي الشريرة الماكرة.
وهكذا اجتمع الأخوة الأربعة في بيت واحد، تماماً كما اجتمعتْ الآلهة الأربعة: (ست) و(أوزيريس) و(إيزيس) و(نفتيس) في قطر واحد، وهو مصر، لا سيما أنّ الأسطورة الفرعونية القديمة تذكر إنّ أربعتهم كانوا أشقاء، أبناء (جيب) و(نوث). وإنّ كانت علاقة الكره قد جمعت بين الأخوين الإلهين، فقد جمعت علاقة الحبّ والتعاون بين الإلهتين، في حين كان الكره هو الشعور المتبادل بين الأخوة في البيت الكبير.
وقد بدأ الحقد ينمو في نفس (رمّانة) وفي نفس زوجته عندما لم يُرزقا بطفل، ورُزق به (قرة) و(عزيزة)، وأسموه (عزيزا)، ثم تفجّر الحقد في نفس الأخ (رمّانة) عندما قرّر أن يفك (قرّة) شراكته مع أخيه المستهتر الذي يبدّد ماله في السّكر والعربدة والزنى، فما كان من قرّة إلاّ دبّر مكيدة لأخيه، فقتله، وأخفى جثته، وبذلك لم يعد الأخ الطيب (قرّة) إلى بيته، وعُزي موته إلى اعتداء قطّاع طرق عليه في سفر قام به لشؤون عمله( ). في حين عاشت (عزيزة) حزينة وحيدة، تنتظر إياب الزوج دون فائدة، بل إنّها فكّرت في أن تسير على درب الأسطورة، وتقتدي (بإيزيس)، "فتجوب البلدان بحثاً عنه، فتعثر عليه أو تكتشف بالبينة قاتليه، أن تنتقم، أن تعيد ميزان العدل إلى استوائه الأبدي، أن يستعيد القلب صفاءه"( ) لكن الوضع الاجتماعي الذي يأسر (عزيزة) حال دون ذلك، وإن لم يُحل دون أن تشاكل (عزيزة) (إيزيس) بالعناية بطفلها وحمايته حتى من عمّه الشرير، فقد "أرسلته إلى الكتاب في سنّ مبكرة. وزوّدته بمعلم خاص ليزيده علماً بالحساب والمعاملة، ولم تأل في تذكيره بسير أجداده من آل النبان، بل دفعها إخلاصها لقرة إلى التنويه له ببطولات الناجي ومثله العليا وأمجاده الأسطورية"( ). وبذلك غدا (عزيز) المسلّح بالعلم، هو صورة أرضية آدمية عن الإله (حورس) الذي سلّحته أمّه بالسلاح والقوة والبأس.
وما كاد يصل (عزيز) إلى سِنّ العاشرة حتى طالبت أمّه بأن يتدرّب في محل أبيه، وبعد أن اشتدّ عوده، قالت له: "تستطيع الآن أن تضطلع بشئونك، لم تعد صبياً، استقل بتجارتك، عندي من المال ما يضمن لك نجاحاً مثل نجاح أبيك"( ).
وشرع (عزيز) بالانفصال عن عمّه، وقد كان ذلك الانفصال انتقاماً حقيقياً منه؛ إذ كان نصيبه بعد القسمة قليلاً؛ بعد أن بدّد جُلّ ما يملك على شهواته ومفاسده، وكان الجزء الثاني من انتقام (عزيزة) و(عزيز) من (رمّانة) بتأليب أخيه (وحيد) عليه، الذي كاد يفتك به، وهو الفتوة القوي في ثورة غضب تدخّل رجالات الحارة في إخمادها، وفي رأب الصدع بين الأخوين، تماماً كما تدخّل الإله (تحوت) في الأسطورة الحاملة للحكاية، وفك النزاع بين (ست) و(حورس).
أمّا الجزء الأخير من الانتقام فقد كان بيد (رمّانة) نفسه الذي غرق في الملذّات، وطلّق زوجته (رئيفة) في سورة غضب، وعاش "كما عاشت (رئيفة) في الجحيم، في دنيا الضجر بلا حبّ"( ) ومن ثم تورّط من جديد في القتل، فقتل الشيخة (ضياء) في سكره، فقُبض عليه، وحُكم عليه بتأبيدة، واعترف بأنّه قاتل أخيه، وقال بحزن: "إنّه مدفون بملابسه في قبر وحيد لصق مقام الشيخ يونس"( )، وسرعان ما استخرج عزيز جثة أبيه، وشيّعه في جنازة مهيبة، ودفنه في قبر شمس الدين.
أمّا (رئيفة) فهي الأخرى مثالٌ للشر والحقد، ولم تكن في عون أختها المنكوبة بزوجها، كما كانت (نفتيس) زوجة (ست) في عون أختها (إيزيس)، التي بحثتْ معها طويلاً عن زوجها (أوزيريس)، وانتحبتْ عليه بألم وحرقة شأنها شأن زوجته، فقد كان (أوزيريس) أخاً لها فضلاً عن أنّه زوج أختها( ). بل كانت ممن شجّع رمّانة على قتل أخيه؛ ليحظى بالثروة دون قرّة و(عزيزة) و(عزيز)، ثم حرّضت (رمّانة) على قتل (عزيز) لتمنعه من أن يكمل مشروع والده القديم، الذي قتل لأجله، وهو مشروع الانفصال عن (رمّانة) في التجارة، وتقسيم الحانوت المشترك بينهما( ).
لكنّ (رمّانة) هذه المرّة رفض القتل، قائلاً بدهشة "تحسبين القتل لهواً؟"( ) وإن كان شعور خفي داخله خامرة بأنّ (عزيزاً) قد يكون ابنه من (عزيزة) التي غرّر بها، وهجرها في الماضي، وليس ابناً لأخيه كما يعتقد الآخرون قد حال دونَ أن يقدم على قتله، وهو في هذا الاعتقاد شكّل سبباً مقنعاً لعدم قتله لابن أخيه كما قتل أباه آنفاً، ويقارب به الأسطورة الأولى التي كانت تعتقد أنّ (حورس) هو ابن أخٍ وأخو (لست) في الوقت نفسه، كما كانت (إيزيس) أخت لست و(أوزيريس)، وزوجه في الوقت نفسه (لأوزيريس)( ).
وبالاتكاء على الحدث الأسطوري المشهور، وهو قتل (ست) لأخيه (أوزيريس) ظلماً وبهتاناً استطاع نجيب محفوظ أن يخصّب النص بقوى سردية حكائية قادرة على اختراع الأسطورة في سبيل بناء عالم موازٍ لها، تتكرّر أحداثه وشخوصه، ليسمح بذلك بتكرير رموزه وإحالاته، ومن ثم التنديد بقوى الظلم والحقد التي تعطل الإنتاج، وتقود الإنسان إلى السقوط، الذي قد يصل به إلى قتل أخيه، بدل أن يتخذه نموذجاً للعمل الخيّر المعطاء، وبذلك يمرّر لنا نجيب محفوظ من خلال حكاية مفعمة بالحركة والدراما والدلالات، ومنشّطة بالفعل الموازي للفعل الأسطوري درساً مستفاداً مفاده أنّ الخير ينتصر أخيراً مهما طال الطريق، وأنّ واجب تصحيح الأمور، وردّها إلى نصابها يقع على عاتق الشرفاء من أبناء الأمة أمثال (عزيز)، الذي طفق يمارس الخير، ويساعد المحتاجين من حرافيش الحارة بعد أن جدّد محلّ الغلال الذي يملكه( ).
قتل الأمّ وكره الأبّ
ويجنح نجيب محفوظ في رواية (السراب) إلى موتيفات أسطورية لها دلالتها في وجدان الجماعة, ويحاول صياغتها بطريقته التي تؤدّي الغرض الذي يريده، وهو في هذا الرواية ينهل من أسطورتين شهيرتين, ويقدّمهما بطريقته الروائية الخاصة بقدر يسمح له باستغلال رموزهما الأسطوريّة المدركة عبر النموذج الروائي المطروح, وهاتان الأسطورتان هما أسطورة (أوديب), وأسطورة (أوريست), وكلّ منهما أسطورة لها حضورها في المشهد الأدبي القديم.
(فأوديب) هو ابن (لايوس) ملك (ثيبيس) من زوجته (جوكاستا). أحاطت بولادته نبوءة أنّه سيقتل والده, لذا فقد قام والده منذ ولادته بثقب قدميه بمسمار, وشدّهما سوية بقوة, وأعطاه لراعِ كي يتخلّص منه, لكن الراعي أشفق على الطفل الرضيع, وأعطاه لراعِ آخر سرعان ما وهبه لملك (كورنيث) الذي تبنّاه, وأسماه (أوديب), أيّ دامي القدمين.
لكن (أوديب) يعرف من أحد العرّافين أنّه سيقتل والده, ويتزوّج أمّه, فيفر من المدينة, ظنّاً منه أنه يفرّ من والديه الحقيقين. ويصادف في طريقه رجلاً مع حرّاسه, فتقع مشاجرة بين الطرفين, ويقتل (أوديب) الرجل المُسنّ، تتحقق بذلك نصف النبوءة, إذ إنّ من قتله كان والده (لايوس).
ويتحقّق الجزء الثاني عندما يتزوج من أمّه (جوكاستا) بعد أن ينتصر على وحش النيل المسمّى (السفينكس), ويحلّ لغزه, ويصدف أنّ (كريون) الذي حكم (ثيبيس) بعد (لا يوس)، وشقيق الملكة قد أعلن أنّه سيتنازل عن الحكم لمن يقتل وحش النيل، فيصبح (أوديب) في ليلة وضحاها ملك (ثيبيس).
ويسوس (أوديب) الرعية بالعدل والحبّ, إلى أنْ يجتاح المدينة وباء قاتل هو الطاعون, ويعلن الكهنة أن الوباء لن ينتهي إلا إذا طرد أهل (ثيبيس) قاتل (لايوس) المجهول. وتتابع الأحداث، فتنكشف الحقيقة المفجعة. (فأوديب) هو من قتل أباه, وتزّوج أمّه. فتنتحر الأمّ من هول الصدمة, ويفقأ (أوديب) عينيه حزناً عليها, ثم ينفي نفسه من البلاد إلى أن يختفي بصورة غامضة عن وجه الأرض( ).
أمّا (أورست) فهو بطل أسطوري, جعله (أسخيليوس) بطل المسرحية المسمّاة (حاملات القرابين). وتقوم فكرة المسرحية على انتقام (أورست) من أمّه (كليتمسنرا) لقتلها أبيه (آجاممنون) بمساعدة عشيقها (ايجسثوس)؛ لأنّه كان قد ضحّى بابنتها البكر (ايفيجينيا) في حرب طروادة. وقد قتل (أورست) أمّه بمساعدة شقيقته (الكترا), فانعقدت محكمة المدينة, وبرّأته, إذ رجح صوت الآلهة أثينا هذه التبرئة( ).
واستناداً إلى هاتين الأسطورتين الشهيرتين صاغت مدارس التحليل النفسي لا سيما عند فرويد عُقدتي: عقدة الابن المحبّ لأمه والكاره لأبيه، وأسموها عقدة (أوديب)، وعقدة الفتاة المولعة بوالدها, والكارهة لأمّها, وأسموها عقدة (الكترا), وجعلوا الجامع بين العقدتين الميل الجنسي عند الفرد لأحد أبويه المخالف لجنسه, ومناصبته العداء والغيرة لأحد الوالدين المشابه لجنسه.
ولا يعنينا في هذه الدراسة أن نقف على التحليل النفسي لهذه الرواية؛ لأنّ روّاد أصحاب هذه المدرسة قد أشبعوا الرواية بحثاً في هذا الاتجاه, ولكن يعنينا أن نقف على تلك الأرضية الأسطورية التي انطلق منها نجيب محفوظ في روايته, التي نهضت على حدث أسطوري مشهور, وهو قتل الأم, بل وكره الأب, ومحاولة قتله, ولو معنوياً( ).
ومنذ البداية تطالعنا الوشائج بين الأسطورتين والسراب . فمشكلة (كامل) و(أورست), هي سلطة الأم, التي يسعى كلّ منهما إلى تدميرها, وإن كان أورست قد قتلها حقيقة, ودّمر سلطتها المحكمة عليه, فإن (كامل) قد قتلها معنوياً، بكلامه ومعاملته القاسية "ولشدّ ما يحزنني كلامك إنّك قتلني بلا رحمة "( ). ثم دمّر سلطتها نهائياً عندما قرر أن يهجرها دون عودة. وفعل ذلك, فماتت حزناً وكمداُ "انتهى الماضي بخيره وشره, ولن أعود ماحييت . سأنفرد انفراداً أبدياً, لن أعيش معك تحت سقف واحد, وسأطلب من الوزارة نقلي إلى مكان قصي أقضي فيه البقية الباقية من عمري"( )
فشخصية (كامل) ترتبط (بأوديب) من ناحية, و(بأورست) من ناحية أخرى, مع أنّ كلتا الشخصيتين الأسطوريتين تمثّل حالة ووضعاً في مجتمع ما, وداخل إطار زمني معين( ).
ونستطيع أن نفهم هذا الارتباط في تفقّد الملامح الأسطورية في (السراب), وذلك عبر الإحالة إلى مواطن التشابه الكامنة في أبطال الرواية, وفي بواعثهم وأفكارهم, نفوذاُ إلى الرموز التي تعتقد الدراسة أنّها وُجدت في الأسطورة, واستقرّت منذ القدم في اللاوعي الجماعي, واستثمرها محفوظ في روايته بأدواته الخاصة, وبفهمه الذاتي. وهذا الفهم تمخّض عنه الوصول إلى السراب, إذ سقط (كامل), ولم يستطع أن يدفع عجلة الحياة والانبعاث.
وشخصية (كامل) أسطورية تماماً تمرّ بمخاضات من الأحزان والتحديات والمحن. فهو ابتداءً يكره والده كرهاً كبيراً, الذي يشكّل حالة (أُوديبية) خاصة, إذ حاول أن يدسّ السم لأبيه متعجلاً حظّه من الميراث, فانكشفت خطته بوساطة الطبّاخ , فطرده أبوه من القصر, ووقف نصف ثروته لجهة خيرية, ووقف النصف الآخر على الابن الأكبر( ). ووالده كان المسؤول الأوّل عن معاناته, إذ حطم أسرته بمعاقرته للخمر, وطلق زوجته, وشتّت أبناءه. لذا فقد نشأ كامل على كره أبيه, وحبّ أمّه( )، وانتهى به المطاف إلى أن يتمنّى موت والده كي يرثه, ويتزوّج من (رباب) التي يحبّها, بما سيرث, وغدا مقتنعاً بأنّه ينتمي إلى أسرة "مصابة بداء قتل الوالدين"( ).
وقد نشأ (كامل) في بيت جدّه لأمه وحيداً بعيداً عن أخويه: (راضية) و(مدحت), اللذين ضمّها أبوه إلى حضانته. تماما كما نشأ (أورست) وحيداً بعيداً عن أختيه, إذ ضاع منذ صغره, ورُبيّ في بلاط (ستروفيوس) ملك (فوسيس).
وكان (كامل) موضع حبّ أمّه؛ التي رأت فيه صورة عن أبيه الذي ظلمها, فقمعته بالدلال, وسيطرة عليه سيطرة تامة, حتى نزعت منه أيّ تمرّد أو قوة أو عناد. ولكن (كامل) أحبّ أمّه من أعماق قلبه "إنّها سرّ حياتي وسعادتي, وأننّي لا أحتمل الحياة "( ), ولازمه شعور بأنّ أمّه ضحية لأبيه السكيّر القاسي . وكان (كامل) صورة عن أمه "يا له من وجه شاء الرحمن أن يكرّره في وجهي حتى قيل إنّه لا تُفرّق بيننا إلا الثياب"( ).
وكان في كلّ شأنه يعتمد على أمّه التي أفرطت في تدليله, وفي إحاطته برعايتها, حتى أنها كانت تحمله طوال فترة الطهي, ويمضي معظم يومه في حضنها, ويخلد معها إلى فراش واحد, بل ويستحم معها بعد أن يتجرّد وإياها من ثيابهما( ) وسرعان ما وجد نفسه عالقاً معها في بيتهما, لا علاقة لهما مع العالم الخارجي, يعصرها الحزن, وتعصره الوحدة والخجل والضعف.
وكان (كامل) في كلّ محاولة يبذلها للتخلص من سجنه, ومن سيطرة أمه, يبوء بالفشل, حتى دخل في العقد الثالث من عمره، وهو دون أصدقاء أو معارف أو حبّ أو حتى زواج, لاسيما أنّ لأمّه كانت تغضب أشدّ الغضب ممن يقترح عليها أن تُزوّج (كامل), ولو كان أختها الوحيدة أو دلاّلة الحارة( ).
لكن العقد ينفرط مع أوّل حبّ يخفق له قلب (كامل), إذ يعشق (رباب) الفتاة التي يقابلها يومياً لمدة سنتين في محطة القطار, ويخالف مشيئة أمه، ويتزوج ممن يحبّ بعد أن توفرّ له المال من حصته من إرث والده, الذي كان موته بارقة بحبوحة في عيشه.
ويظنّ (كامل) أنّ فصل السعادة في حياته قد بدأ, وأنّ التعاسة قد ولّت دون رجعة. لكن هيهات ذلك, وهو حبيس حبّه لأمّه. وإن كان (أورست) قد رفض العودة إلى المدينة, والزواج بأخته (إليكترا), فإنّ (كاملاً) قد اقترف الخطأ الذي دمّره, إذ إنّه تزوج (ربابا)ً, التي كانت تجسيداً لأمّه بالجمال والهدوء واللطف والتفرغ لخدمته, ولعّل اختياره لها تعبير عن رغبة في الحصول على الأم لا شعورياً, ولذلك دخل في دائرة الفسق بالمحارم, ولو نفسياً.
ومن هنا بدأت مأساة (كامل), فقد وجد في نفسه نفوراً جنسياً من زوجته التي هي بنظره أمّه, فعجز عن معاشرتها معاشرة الأزواج على الرغم من حبّه الشديد لها, وكان وجود أمّه في بيت الزوجية سبباً ساهم في هذا العجز. إذ كان يخجل من فكرة ممارسة الجنس مع زوجته وأمّه بالقرب منه( ) "والحق أني ما كنت أذكرها حتى يتندي جبيني خجلاً"( ).
ووقع (كامل) في صراع بين حبّه النظيف لأمّه, وكراهيته في إقباله على (رباب), التي جسدت له كلّ عناصر الأمومة. وقد أخفق تماماً, وسقط في الطريق؛ لأنه وُلد من رحم ينبغي أن لا يُفسق به في زوجته (رباب). غاية ما يمكن أن يظفر به هو تمنّي الرجوع إليه؛ ليتخلّص من مشكلاته, ولعلّه إن عاد، وبُعث من جديد يستطيع أن يمارس بحرية حاجاته البيولوجية والفسيولوجية( ).
وكان الحلّ هو أن يقتل أمّه في داخله, وشرع في ذلك بتحريض من نفسه, لا من جهة ثانية, من أخت مثلاً كما حدث مع (أورست) الذي قتل أمّه بالسيف على الرغم من توسلاتها بالرحمة التي ذهبت أدراج الريح. وكان ذلك القتل في الارتماء في حضن (عنايات), التي فتّقت رجولته عن فحولة كبيرة, ونهل من الجنس معها حتى ارتوى. وقد كان هذا الجنس تخلّصاً من عقدت رحم الأم المتمثّلة في (رباب), ومن سيطرة الأم, ولاسيما وأنّ (عنايات) كانت نموذجاً مختلفاً عن الأم, وعن الزوجة التي هي الصورة عن الأم, فقد كانت عجوزاً, دميمةً جسورة سمينة مملوءة ثقة لا حدّ لها, على العكس من أمّه التي كانت نحيفة جميلة منطوية, لا تحمّله أيّ مسؤولية, وتحيطه بجحيم عنايتها وحبّها. ولذلك وجد في ممارسة الجنس معها تحرّراً من قيوده, ومن سلطة أمه، كما كان يجد في الماضي تحرراً ولذة كبيرة في ممارسة العادة السرية بعيداً عن سلطة أمّه( ).
وكانت المرحلة الأخيرة في قتل أمّه عندما ماتت زوجته (رباب) في عملية إجهاض بعد أن حملت من رجل آخر سفاحاً إثر رحلة حرمان جنسية طويلة، حينها غضب (كامل) على أمّه، وعدّها السبب في المصير المأساوي، الذي آلت إليه الزوجة، بل وعدّ نفسه قد قتلها. ثم قذف في وجه أمّه خبر نيته ترك البيت، والرحيل بعيداً( ) دون أن يستجيب لتوسلات أمّه بالبقاء, "لشّد ما يحزنني كلامك إنك تقتلني بلا رحمة"( ).
وماتت الأم من ليلتها, ومن جديد شعر (كامل) بالحزن, فقد ظن نفسه قاتلاً لأمه, وانزلق في غيبوبة لثلاثة أيام, واستيقظ وحزنٌ كبير يملؤه, وشعر بمرارة الوحدة, وطارده الحزن كما طاردتْ (أورست) آلهة النقمة؛ لأنه قتل والدته, وإن كان (أورست) قد التجأ إلى الهرب من مكان إلى آخر، فقد لزم (كامل) بيته حزيناً موّجداً.
وكان الخلاص (لأورست) من مطاردة آلهة النقمة بمساعدة (أبولو)، الذي نصحه بالذهاب إلى (أثينا), والتضرع إليها لمساعدته, وهذا ما كان. ومَثَلَ (أورست) أمام مجتمع القضاة الأثينين, ولكن أثينا كانت الصوت المرجّح إلى جانبه, وحُكم ببراءة (أورست). ونستطيع أن نعزي مساعدة (أثينا) (لأورست) إلى أن (أثينا) لم تعرف الرّحم، ولم يضمّها واحد قط؛ إذ إنّها ولدت- كما تقول الأسطورة الإغريقية- بكامل دروعها من رأس أبيها (زيوس)( ).
أما (كامل) فقد كان خلاصه في اللجوء إلى التصوّف, إذ فيه الوحدة والعزوف والتفكير, لكن ملاذه الصوفي سرعان ما تبخر إذ انخرط من جديد في الغبّ من متعة الجسد مع (عنايات) التي زارته في أيام النقاهة في بيته حيث اعتزل.
(فكامل) الحالة الغريبة التي غشيها الضعف, ونخرها العجز قد كان مثالاً لمرحلة عاشتها الأمة إبان زمن تأليف الرواية عام 1948, وعاشها نجيب محفوظ الذي كان في أقصى حالات الاضطراب في تلك الفترة. وهذه الحالة التي لم تُقاوم بالشكل الصحيح والمطلوب سرعان ما سقطت، وعاثتْ فساداً بعد أن عجزت عن ايجاد توازن بين مطالب الروح ومطالب الطبيعة.
وكانت الأسطورة المُتكئ عليهما في السراب حاملاً يضطلع بتفكيك الأسطورتين القديمتين: (أوديب), و(أورست). وبناء معمار روائي جديد عليها, يقارب ما بين المآسي الثلاث, ويرصد ضعف البطل, كما يرسم سقوطه أمام معطيات ظروفه. (فكامل رؤبة لاظ) كان حالة غريبة منذ اللحظة الأولى , حتى أنّ اسمه الغريب عديم التفسير كان مظهراً من مظاهر غرابته، إذ إنّ نجيب محفوظ كثيراً ما يصوغ علاقة مابين الاسم وبين الدور, أكان ذلك الاسم الشخصية أم المكان, فالاسم ذو دلالة واضحة عنده( ), ومن مظاهر تلك الحالة الانفصامية التي يعيشها, أنّه عاجزٌ جنسي في حضن زوجته التي يحبها, بينما هو فحل في حضن امرأة دميمة تكاد تكون مومساً لا يحبّها.
وليس هذا الوضع الانفصامي الذي يعيشه (كامل) إلاّ صورة من صور الانفصام العربي والعجز القومي في مواجهة التحديات, وصورة عن الإخفاق في تحديد الأولويات, وتثبيت المحدّدات, وتعثّر في تبنّي برامج العمل والتنمية.