عام 1982، كانت صبرا وشاتيلا ما تزالان تنزفان حين حمل الفنان الفلسطيني العالمي سليمان منصور ريشته وذهب إلى الجرح.
لم يرسم خبرًا، ولم يوثّق مجزرةً كي يضعها في أرشيف التاريخ. فعل شيئًا أبقى وأعمق: أخذ الشهداء من لحظة الموت ووضعهم في ذاكرة الفن، كأن اللوحة أصبحت بيتًا آخر لهم، لا يستطيع القاتل أن يصل إليه، ولا تستطيع السنوات أن تهدمه.
في لوحة «صبرا وشاتيلا» لا يبقى السؤال: من كان فلسطينيًا ومن كان لبنانيًا؟
هناك، في المخيم وأزقته وبيوته، اختلط الدم بالدم، كما اختلطت قبل ذلك الحياة بالحياة، والخبز بالخبز، والخوف بالخوف، والمقاومة بالمقاومة. ومن هذا كله تشكلت ذاكرة فلسطينية لبنانية مشتركة، لا ينبغي أن تختصرها المجزرة وحدها، ولا أن تمحوها التحولات والسياسة والسنوات.
ذلك التلاحم اللبناني الفلسطيني يستحق أن يسجل في التاريخ بحروف من دم؛ لا لأن الدم أجمل ما جمعنا، بل لأن الذين نزفوه معًا تركوا لنا أمانة ألا نسمح لأحد بأن يفصل في الذاكرة ما جمعته الحياة والموت.
وسليمان منصور لم يكن فنانًا يقف خارج هذه الذاكرة ويرسمها. هو واحد من كبار الفنانين الفلسطينيين الذين حملوا فلسطين بريشتهم إلى العالم، وجعلوا من الأرض والإنسان والمرأة والشهيد والمخيم والقدس مفردات لذاكرة بصرية فلسطينية لا تحتاج إلى ترجمة كي يفهمها الآخرون.
لهذا، حين ننظر اليوم إلى «صبرا وشاتيلا»، لا ننظر إلى لوحة معلّقة على جدار، ولا إلى حدث بقي في عام 1982.
ننظر إلى ذاكرة ما زالت تتنفس.
كأن الفن يتولى حراسة الشهداء حين يبدأ النسيان عمله، ويعيدهم إلى الضوء كلما حاول الزمن أن يدفعهم إلى العتمة.
بعد أربعين عامًا، وبعد مئة عام، سيقف إنسان أمام هذه اللوحة. قد لا يكون قد عرف المخيم، ولا سمع أصوات الذين كانوا فيه، لكنه سيعرف أن أناسًا عاشوا هنا، أحبوا وخافوا وحلموا، ثم قُتلوا هنا. وسيعرف أيضًا أن فنانًا فلسطينيًا رفض أن يسمح للمجزرة بأن تكون الكلمة الأخيرة.
تحية إجلال لشهداء صبرا وشاتيلا، للضحايا الفلسطينيين واللبنانيين، ولذاكرة شعبين امتزجت في تلك الأزقة بالعيش والوجع والدم.
فالشهداء يموتون مرة واحدة...
إلا إذا نسيناهم.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
18/9/2026
لم يرسم خبرًا، ولم يوثّق مجزرةً كي يضعها في أرشيف التاريخ. فعل شيئًا أبقى وأعمق: أخذ الشهداء من لحظة الموت ووضعهم في ذاكرة الفن، كأن اللوحة أصبحت بيتًا آخر لهم، لا يستطيع القاتل أن يصل إليه، ولا تستطيع السنوات أن تهدمه.
في لوحة «صبرا وشاتيلا» لا يبقى السؤال: من كان فلسطينيًا ومن كان لبنانيًا؟
هناك، في المخيم وأزقته وبيوته، اختلط الدم بالدم، كما اختلطت قبل ذلك الحياة بالحياة، والخبز بالخبز، والخوف بالخوف، والمقاومة بالمقاومة. ومن هذا كله تشكلت ذاكرة فلسطينية لبنانية مشتركة، لا ينبغي أن تختصرها المجزرة وحدها، ولا أن تمحوها التحولات والسياسة والسنوات.
ذلك التلاحم اللبناني الفلسطيني يستحق أن يسجل في التاريخ بحروف من دم؛ لا لأن الدم أجمل ما جمعنا، بل لأن الذين نزفوه معًا تركوا لنا أمانة ألا نسمح لأحد بأن يفصل في الذاكرة ما جمعته الحياة والموت.
وسليمان منصور لم يكن فنانًا يقف خارج هذه الذاكرة ويرسمها. هو واحد من كبار الفنانين الفلسطينيين الذين حملوا فلسطين بريشتهم إلى العالم، وجعلوا من الأرض والإنسان والمرأة والشهيد والمخيم والقدس مفردات لذاكرة بصرية فلسطينية لا تحتاج إلى ترجمة كي يفهمها الآخرون.
لهذا، حين ننظر اليوم إلى «صبرا وشاتيلا»، لا ننظر إلى لوحة معلّقة على جدار، ولا إلى حدث بقي في عام 1982.
ننظر إلى ذاكرة ما زالت تتنفس.
كأن الفن يتولى حراسة الشهداء حين يبدأ النسيان عمله، ويعيدهم إلى الضوء كلما حاول الزمن أن يدفعهم إلى العتمة.
بعد أربعين عامًا، وبعد مئة عام، سيقف إنسان أمام هذه اللوحة. قد لا يكون قد عرف المخيم، ولا سمع أصوات الذين كانوا فيه، لكنه سيعرف أن أناسًا عاشوا هنا، أحبوا وخافوا وحلموا، ثم قُتلوا هنا. وسيعرف أيضًا أن فنانًا فلسطينيًا رفض أن يسمح للمجزرة بأن تكون الكلمة الأخيرة.
تحية إجلال لشهداء صبرا وشاتيلا، للضحايا الفلسطينيين واللبنانيين، ولذاكرة شعبين امتزجت في تلك الأزقة بالعيش والوجع والدم.
فالشهداء يموتون مرة واحدة...
إلا إذا نسيناهم.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
18/9/2026