يحيى بركات - ثلاث سنوات لا تعود كيف نستعيد تعليم أطفال غزة من دون أن نسرق من أعمارهم ثلاث سنوات أخرى؟

هذا الصباح، عاد طفل في غزة إلى المدرسة.

ربما لم تكن مدرسة.

ربما كانت خيمة نُصبت فوق قطعة أرض، ووُضعت فيها سبورة وبعض المقاعد، ثم عُلّقت عليها كلمة: مدرسة.

خرج الطفل من خيمة يعيش فيها مع أسرته، أو من غرفة بقيت صالحة للسكن في مبنى أصابته الحرب، ومشى بين الركام حتى وصل إلى خيمة أخرى ليتعلم فيها.

يحمل دفترًا جديدًا.

لكنه لا يحمل العمر نفسه الذي ترك فيه المدرسة.

كان في التاسعة.

أصبح في الثانية عشرة.

ثلاث سنوات كاملة عبرت من جسده وذاكرته، ولم تعبر بالطريقة نفسها من كتبه.

عاد الطفل إلى المدرسة.

لكن السنوات الثلاث لم تعد معه.

يبدأ في غزة عام دراسي ليس كأي عام دراسي.

نحو 541 ألف طالب وطالبة يفترض أن تستوعبهم العملية التعليمية، عبر قرابة سبعمئة نقطة للتعليم الوجاهي وخمس وعشرين مدرسة مؤقتة، إلى جانب التعليم الافتراضي لمن يتعذر عليهم الوصول إليها.

لكن الرقم لا يصور المشهد كله.

نحو سبعمئة ألف طفل في غزة حُرموا من التعليم المدرسي الوجاهي الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية. وقرابة 98 في المئة من مباني المدارس أصابها الضرر، وأكثر من 93 في المئة منها يحتاج إلى إعادة تأهيل كبيرة أو إعادة بناء كاملة.

وهناك رقم آخر لن يدخل الصفوف.

حتى نهاية حزيران الماضي، كان قد أُبلغ عن مقتل ما لا يقل عن 21,700 طفل فلسطيني في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.

لذلك، عندما نقول إن الأطفال عادوا إلى المدرسة، علينا أن نتوقف قليلًا.

لم يعودوا جميعًا.

هناك مقاعد لن يعود أصحابها.

وهناك طفل سيدخل الصف، وينظر إلى المكان الذي كان يجلس فيه صديقه، فلا يجده.

وربما لا يكون الغائب صديقًا.

قد يكون أخًا.

أو أختًا.

أو أبًا.

أو أمًا.

أو معلمًا.

ولهذا لا يبدأ السؤال من المنهج.

يبدأ من الطفل.

---

لم تُدمَّر المدرسة وحدها.

دُمِّر حولها البيت والمستشفى والشارع والماء والكهرباء، وأحياء كاملة فقدت ملامحها، ودُفع الفلسطيني من مكان إلى آخر في حرب إبادة فرضتها دولة الاحتلال الإسرائيلي، فيما أصبح الحفاظ على أبسط مقومات الحياة معركة يومية.

نحن إذن لا نتحدث عن طفل انقطع عن المدرسة ثلاث سنوات ثم عاد.

هذه صورة مريحة أكثر مما ينبغي.

نحن نتحدث عن طفل عاش ثلاث سنوات كان عليه خلالها، قبل أن يفكر في واجبه المدرسي، أن يبقى حيًا.

واليوم نقول له:

عد إلى مقعدك.

لكن أين المقعد؟

وأين الصف؟

وأين المدرسة؟

وإذا كانت المدرسة خيمة، فماذا ستفعل بها شمس الصيف؟

وماذا ستفعل بها أمطار الشتاء ورياحه وبرده؟

أين المياه؟

أين دورة المياه؟

أين الكهرباء والضوء والتهوية؟

وكيف يشرح المعلم درسًا لأطفال بينما الريح تحرك جدران صفهم؟

الخيمة لا تصبح مدرسة لمجرد أن نضع فيها سبورة.

ثم يأتي السؤال الأصعب.

إلى أي صف يعود هذا الطفل؟

إلى الصف الذي تركه قبل ثلاث سنوات؟

أم إلى الصف الذي يفترض أن يكون فيه اليوم بحسب عمره؟

إذا كان في الصف الثالث عندما بدأت الحرب وأصبح الآن في عمر الصف السادس، فهل نضعه في السادس؟

وماذا نفعل بما لم يتعلمه في الرابع والخامس؟

وإذا أعدناه إلى الثالث وطلبنا منه أن يعبر السنوات الثلاث بالطريقة التقليدية نفسها، فماذا نكون قد فعلنا؟

حرب الإبادة أخذت منه ثلاث سنوات من التعليم.

فهل نأخذ نحن منه ثلاث سنوات أخرى من مستقبله ونحن نحاول أن نعوضها؟

هنا يبدأ السؤال الذي أعتقد أننا لم نناقشه بما يكفي.

---

لدينا قدرة فلسطينية مدهشة على تحويل كل شيء إلى سؤال سياسي، ثم حصر السياسة نفسها في بضعة ملفات لا نكاد نغادرها.

نختلف على أوسلو، ونعود إلى السابع من أكتوبر، وننتقل إلى فتح وحماس، ثم إلى منظمة التحرير والانتخابات والشرعية والرواتب واليوم التالي.

تكتب الأقلام.

تعقد الندوات.

تشتعل صفحات النقاش.

ونختلف أحيانًا حتى على الفاصلة.

وكل هذا يستحق النقاش.

لكن في طرف آخر من الصورة، كان طفل يكبر.

دخل الحرب في التاسعة، وخرج منها في الثانية عشرة.

ثلاث سنوات كاملة مرت من عمره، ولم تجد مكانًا مماثلًا لها في صخبنا الثقافي.

كأن التعليم شأن وزارة التربية.

والصحة شأن وزارة الصحة.

أما السياسة الحقيقية فهي ما يجري بين السلطة والفصائل.

ربما أخطأنا في تعريف السياسة نفسها.

فالسياسة ليست فقط من يجلس على الكرسي، بل أي مجتمع سيجلس أمام ذلك الكرسي بعد عشر سنوات.

وليست فقط من يمثل الفلسطيني، بل أي فلسطيني نصنع لكي يكون قادرًا غدًا على اختيار من يمثله.

وليست فقط كيف نحمي المشروع الوطني، بل كيف نحمي الإنسان الذي يفترض أن يحمل هذا المشروع أصلًا.

لذلك أتمنى، ولو لمرة، أن نضع فتح وحماس وأوسلو والانتخابات والمجلس الوطني على الرف ساعة واحدة فقط.

لن تهرب.

لقد انتظرتنا عقودًا، وتستطيع أن تنتظر ساعة أخرى.

ولنذهب إلى طفل غزة.

ونسأله سؤالًا أبسط من كل أسئلتنا الكبرى:

ماذا سنفعل بالسنوات الثلاث التي أخذتها الحرب من تعليمك؟

بحثت عن الجواب.

واكتشفت أن العالم واجه هذا السؤال من قبل، وإن لم يواجهه بحجم مأساة غزة وظروفها.

هناك مجال كامل في التربية يسمى التعليم المسرّع.

وهو لا يعني أن نأتي بكتب السنوات الثلاث، نضع بعضها فوق بعض، ثم نقول للمعلم:

اختصرها.

ذلك ليس تعليمًا مسرّعًا.

ذلك ضغط مسرّع.

الفكرة مختلفة.

حين تحرم الحرب أو النزوح أو الأزمات طفلًا من سنوات طويلة من التعليم، ويصبح عمره أكبر من صفه، لا تكون الإجابة بالضرورة إعادته إلى نقطة الصفر.

نبحث أولًا عما يعرفه.

ثم عما فقده.

ثم نبني طريقًا أقصر للوصول إلى الكفايات التي يحتاج إليها كي يعود إلى مساره التعليمي.

جُرّبت هذه الفكرة في مجتمعات خرج أطفالها من الحروب والنزوح.

وفي بعض البرامج أمكن ضغط سنوات من التعليم الأساسي في مدة أقصر، ليس بحذف المعرفة الضرورية، بل بإعادة بناء المنهج حول المهارات والكفايات الأساسية، ومراعاة أن الطفل الأكبر يستطيع أحيانًا تعلم بعض الأشياء بسرعة مختلفة عن طفل أصغر منه.

هذا لا يعني أن لدينا معادلة سحرية تقول:

ثلاث سنوات تساوي سنة.

ولا أن تجربة بلد آخر يمكن نسخها ووضعها فوق غزة.

لكنها تقول شيئًا يستحق أن نتوقف عنده:

الزمن المدرسي المفقود لا يجب بالضرورة أن يُستعاد يومًا بيوم، وشهرًا بشهر، وسنة بسنة.

ربما نستطيع استعادة المعرفة بطريقة أخرى.

لكنني سأرتكب خطأ إذا أخذت طفل غزة غدًا ووضعت أمامه اختبارًا تشخيصيًا.

فهذا يعني أنني ما زلت أتعامل معه كأنه عاد من عطلة طويلة.

وأطفال غزة لم يعودوا من عطلة، ولم يخرجوا بعد من حرب الإبادة.

إنهم يعودون إلى التعليم فيما الحرب ما زالت تحيط بحياتهم، وإن انخفضت وتيرة القصف والقتل عن ذروتها. يعودون إلى خيام ومدارس مؤقتة، وإلى بيوت وأحياء مدمرة، فيما الأمان نفسه لم يصبح بعد حقيقة مستقرة.

لهذا أقترح أن تبدأ خطتنا بشيء يسبق التعليم المسرّع نفسه.

ثلاثة أشهر لاستعادة الطفل.

لا أقدم الأشهر الثلاثة بوصفها رقمًا علميًا مقدسًا.

أضعها أمام خبراء التربية وعلم النفس والمعلمين للنقاش.

قد يقولون شهرين.

وقد يقولون أربعة.

لكنني مقتنع بأننا نحتاج إلى مرحلة فاصلة بين ما يعيشه الطفل والمدرسة التقليدية.

مرحلة لا نستقبله فيها بامتحان يخبره منذ أسبوعه الأول كم أصبح متأخرًا عن الآخرين.

يعود فيها إلى إيقاع اليوم.

إلى معلم يعرف اسمه.

إلى أطفال يجلسون حوله.

إلى قلم.

وكتاب.

وحكاية.

يلعب.

يرسم.

يغني.

يمارس الرياضة.

يقرأ.

يكتب.

ويعود الحساب واللغة والعلوم إليه بالتدريج.

ليس لأننا نريد إضاعة ثلاثة أشهر أخرى.

بل لأننا نريد أن نجعله قادرًا على استعادة السنوات الثلاث.

الدعم النفسي هنا ليس غرفة صغيرة في آخر الممر نرسل إليها الطفل عندما يبكي.

إنه جزء من المنهج.

اللعب جزء من المنهج.

الرسم والموسيقى والمسرح والرياضة جزء من المنهج.

فالطفل الذي يعيش حرب الإبادة لا يحمل فجوة في الرياضيات وحدها.

يحمل ذاكرة.

بعد ذلك نبدأ التشخيص.

لا امتحان نجاح ورسوب.

بل خريطة لكل طفل.

أين هو في القراءة؟

أين هو في الكتابة؟

أين هو في الحساب؟

ماذا بقي لديه من العلوم؟

ما الذي استطاع أن يتعلمه خلال الحرب؟

وما الذي فقده؟

قد نجد طفلين في الثانية عشرة، لكن أحدهما يقرأ بطلاقة ويحتاج إلى تعويض في الرياضيات، بينما يحتاج الآخر إلى إعادة تأسيس في القراءة نفسها.

فلماذا نضعهما في المسار ذاته لمجرد أنهما وُلدا في السنة نفسها؟

ومن هنا يبدأ بناء المنهج الفلسطيني لاستعادة السنوات الضائعة.

يجلس خبراء المناهج مع المعلمين وأساتذة الجامعات والمتخصصين في التربية وعلم النفس.

يفتحون كتب السنوات الثلاث.

لا ليجمعوها.

بل ليفككوها.

ما المعرفة التي لا يمكن الانتقال من دونها؟

ما الذي يبنى بعضه على بعض؟

ما الذي يمكن دمجه؟

ما التكرار الذي يمكن اختصاره؟

وما الذي لا يجوز اختصاره مهما كنا مستعجلين؟

وهنا يجب أن تكون القاعدة واضحة:

نختصر المنهج حيث يسمح العلم.

ونسرّع التعلّم.

لكننا لا نسرّع الطفل.

ولا أعتقد أن الحل سيكون عامًا واحدًا للجميع.

طفل في السابعة ليس طفلًا في الرابعة عشرة.

وربما يستطيع طفل أن يستعيد الفجوة الأساسية في عام، ويحتاج آخر إلى ثمانية عشر شهرًا أو أكثر.

أما من أصبح في السادسة عشرة أو السابعة عشرة فمشكلته أخطر.

إذا قلنا لشاب في السابعة عشرة: عد ثلاث سنوات إلى الوراء، واجلس مع أطفال أصغر منك، وانتظر حتى تنهي السلم كله، فقد لا يعود إلى المدرسة أصلًا.

نكون عندها قد خسرناه مرتين.

لهؤلاء نحتاج إلى طريق مختلف.

تعليم أكاديمي مكثف يحفظ أساسيات المعرفة، إلى جانبه تعليم مهني وتقني ورقمي، مع إبقاء الطريق مفتوحًا لمن يريد العودة إلى المسار الأكاديمي والجامعة.

لا أريد أن نحافظ على شكل المدرسة ونفقد الطالب.

أريد أن نحافظ على الطالب، حتى لو اضطررنا إلى إعادة اختراع المدرسة.

ثم يأتي المكان.

إذا كان جزء كبير من أطفال غزة سيدرس مؤقتًا في الخيام والكرفانات، فلا يجوز أن نستسلم للخيمة كما هي.

نحتاج إلى التفكير فيها كمهندسين، لا كموزعي مساعدات.

كيف نعزلها من الحر؟

كيف نحميها من المطر والبرد؟

كيف نوفر التهوية؟

هل يمكن أن نزودها بالطاقة الشمسية؟

أين المياه ودورات المياه؟

كيف نحمي الكتاب والجهاز؟

كيف نخفف الضجيج؟

كيف نحول المكان المؤقت إلى مكان يستطيع طفل أن يتعلم فيه عامًا أو عامين إلى أن تقوم المدرسة الحقيقية؟

فمشروع استعادة التعليم يبدأ قبل الكتاب.

يبدأ من مكان صالح للتعلم.

لا يكفيني أن أعرف كم طفلًا عاد إلى التعليم.

أريد أن أعرف:

إلى ماذا عاد؟

ولا أقترح أن نجرب كل هذا مرة واحدة على أكثر من نصف مليون طالب.

نبدأ بنماذج.

نختار نقاطًا تعليمية في مناطق مختلفة.

وأعمارًا مختلفة.

نجرب مرحلة التأهيل.

نجري التشخيص.

نبني المسارات.

ندرب المعلمين.

ثم نقيس.

بعد ثلاثة أشهر: ماذا حدث؟

بعد ستة أشهر: كم من الفجوة استعدنا؟

بعد عام: هل اقترب الطفل من المسار الذي يناسب عمره فعلًا؟

إذا نجحت التجربة، نوسعها.

وإذا فشلت، نقول إنها فشلت ونغيرها.

فهذا ليس مشروعًا علينا الدفاع عنه لأنه مشروعنا.

إنه طفل علينا الدفاع عنه.

---

في مقال سابق اقترحت صندوق الإنقاذ الوطني المجتمعي الفلسطيني للتعليم والصحة.

واليوم أرى أمام هذا الصندوق أول مشروع يمكن أن يكون له اسم وهدف ونتيجة قابلة للقياس:

استعادة السنوات التعليمية الضائعة.

يمول إعداد المنهج الاستدراكي.

وتدريب المعلمين.

وتطوير أماكن التعليم المؤقتة.

والأجهزة والمواد.

والدعم النفسي والاجتماعي.

والمسارات الخاصة بالمراهقين.

ثم نضع النتائج أمام المجتمع.

لا نقول له فقط كم أنفقنا.

نقول:

كم طفلًا أعدنا إلى مساره؟

وكم شهرًا من الفجوة التعليمية استطعنا استعادته؟

أنا لست خبير تربية.

أنا مخرج سينمائي.

ولهذا أفعل ما أعرفه.

أنظر إلى المشهد.

أحاول أن أرى ما وراء الكادر.

ثم أضع سيناريو أولًا على الطاولة.

وهذه المرة أضعه أمام معلمي فلسطين وخبراء التربية وأساتذة الجامعات وعلماء النفس وأولياء الأمور، وقبلهم أمام المعلمين الذين عاشوا هذه السنوات مع أطفال غزة.

قولوا لنا أين أخطأنا.

هل يمكن اختصار ثلاث سنوات؟

إلى أي حد؟

ولأي عمر؟

هل ثلاثة أشهر للتأهيل كثيرة أم قليلة؟

ما الذي يمكن دمجه من المناهج؟

وما الذي لا يجوز المساس به؟

وإذا كان هذا السيناريو خطأ، فضعوا أمامنا سيناريو أفضل.

لكن لا تقولوا للطفل فقط:

عد إلى المدرسة.

فالمدرسة التي تركها لم تعد هناك.

والطفل الذي تركها لم يعد هو نفسه.

نعود إليه.

جلس في الخيمة.

فتح الدفتر الجديد.

أمامه الصفحة الأولى.

بيضاء تمامًا.

أما السنوات الثلاث خلفه فليست بيضاء.

كتبت حرب الإبادة فيها الخوف.

والنزوح.

والفقد.

والركام.

وتركت بين سطورها مدرسة لم تعد موجودة، وأصدقاء لن يدخلوا من الباب.

لا نستطيع أن نمحو تلك الصفحات.

ولا أن نعيد للطفل عمره.

ولا أن نعيد إليه كل ما فقد.

لكن الصفحة التي أمامه ما زالت بيضاء.

يمسك القلم.

يكتب السطر الأول.

ثم يقلب الصفحة.

حرب الإبادة كتبت ثلاث سنوات من حياته بالقوة.

أما الصفحة التالية، فلا يجوز أن نتركها لها.

يحيى بركات
19/9/2026




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...