غانية ملحيس - حين يواصل الحوار طريقه: من «فجوة الزمن» إلى سؤال الفاعلية

حين نشرت الهيئة الفلسطينية للإعلام وتفعيل الشباب «بيالارا» الحوار حول كتابي «فجوة الزمن السياسي: فلسطين بين تسارع الاستعمار وتكلس البنية وإعادة تعريف الممكن»، لم يكن المقصود منه أن يغطي الكتاب، أو أن يحل محل قراءته، أو أن يقدم مراجعة له؛ بل كان محاولة للاقتراب من بعض أفكاره المركزية، ومن السؤال الذي دفع إلى كتابته: كيف يمكن أن نفهم اتساع الفجوة بين تسارع الواقع الفلسطيني وتحولاته، وبين الأدوات السياسية والفكرية التي ما تزال تحاول التعامل معه بمنطق سابق؟
أما قراءة الكتاب نفسه، بما يتضمنه من أطروحات وحجج وتفاصيل، فمهمة مختلفة؛ لأنها تقتضي الاشتباك مع النص كاملا، لا مع الرسالة التي حملها الحوار عنه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث لأي حوار فكري هو ألا ينتهي عند نشره، وهذا ما بدأ يحدث.
في مقاله «حين يصبح الزمن نفسه سؤالًا سياسيًا» قرأ أمين كعابنة الحوار، فالتقط السؤال الذي أثاره مفهوم «فجوة الزمن السياسي»، وذهب به إلى مساحة أوسع: ماذا يحدث حين يتقدم الواقع علينا، بينما نبقى نبحث عن أدوات الأمس لفهمه؟
ثم جاء يحيى بركات في تعليقه على الحوار، فقرأه من زاوية أخرى، وتوقف عند سؤال مختلف: إذا كانت البنية متكلسة، وإذا كان الوعي والتعليم والشباب شروطا للتغيير، فكيف تتحول هذه الطاقة إلى فاعلية مؤسسية، وكيف نمنع أدوات المستقبل من أن تصبح هي نفسها أدوات الماضي؟
وهكذا بدأ الحوار يتسع، وهذا في حد ذاته أمر أراه جديرا بالاحتفاء.

أمين كعابنة: من فجوة السياسة إلى فجوة الوعي
لفتني في قراءة أمين أنه لم يتوقف عند السؤال: لماذا تأخر النظام السياسي؟
بل نقل السؤال إلى مستوى أكثر إيلاما: «لماذا تأخر وعينا نحن أيضا؟»
بهذه النقلة، أصبحت «الفجوة» عنده أكثر من مسافة بين سرعة الأحداث وبطء السياسة؛ أصبحت مسافة بين زمن يتحرك وزمن يفكر، وبين واقع جديد وأدوات ذهنية ومؤسسية لم تعد تكفي لفهمه.
ثم وسّع كعابنة السؤال أكثر، فأخرج النقد من حدود المؤسسة السياسية إلى الإنسان الذي تنتج المؤسسات من وعيه وثقافته وتعليمه وتجربته.
سأل عن المدرسة التي تنتج الإنسان، والجامعة التي تصنع الباحث، والثقافة التي تمنحه القدرة على السؤال، والمجال العام الذي يسمح له أن يقول «لا أفهم» قبل أن يقول «أنا أعرف».
وهذه إضافة مهمة إلى الحوار. فإذا كنا نتحدث عن تكلس البنية السياسية، فلا بد أن نسأل أيضا عن البنية المعرفية والثقافية التي تسمح لهذا التكلس بأن يستمر.
ولفتني كذلك استحضاره تجربته بوصفه «ابن البادية». فقد جعل مفهوم الفجوة أقرب إلى الحياة اليومية: القرار الذي يصل متأخرا، والخدمة التي تتأخر، والمدرسة التي لا تلحق باحتياجات الناس، والحضور المؤسسي الذي يأتي بعد أن يكون الزمن قد تجاوز الحاجة إليه. هنا تصبح الفجوة أيضا فجوة بين زمن المواطن وزمن المؤسسة. وهذا توسيع جميل للسؤال.

الشباب: من جمهور المستقبل إلى شركاء في صناعة الحاضر
أشار أمين إلى ما قلته في الحوار عن ضرورة ألا يرث الشباب إجابات الأجيال السابقة كما هي، وأن احترام التاريخ لا يعني البقاء أسرى له. وقد صاغ ذلك بعبارات مكثفة: «التاريخ ليس صنما»، و«الأجيال لا تخون بعضها حين تختلف».
أحسب أن هذه الفكرة تحتاج إلى أن تبقى حاضرة في أي نقاش جاد حول مستقبل المشروع الوطني. فالمشكلة ليست في الذاكرة، ولا في احترام التضحيات، وإنما في أن تتحول الذاكرة إلى بديل عن التفكير.
كما أن التجديد لا يعني التنكر للماضي، وإنما يعني أن نمتلك القدرة على قراءة الماضي بحيث يساعدنا على صناعة المستقبل، لا أن يمنعنا من تخيّله.
ومن هنا يصبح الشباب أكثر من «جيل المستقبل». إنهم شركاء في إنتاج السؤال الآن.

يحيى بركات، ماذا بعد الوعي؟
إذا كان أمين قد سأل: لماذا تأخر وعينا؟ فإن يحيى سأل بصورة عملية أكثر: كيف نمنع الوعي الجديد من أن يبقى وعيا فقط؟
توقف عند السؤال الذي طرحته حول الانتقال من الثورة إلى السلطة، وعند السؤال الأعمق: ماذا حل بالمشروع الوطني الذي كانت الحركة الوطنية تحمله؟
لكنه لم يتوقف عند تشخيص المشكلة. سأل: «إذا كانت البنية السياسية متكلسة، فمن سيقود عملية تفكيكها؟» ثم طرح سؤالا أكثر تعقيدا:
«وإذا كانت النخب جزءا من المشكلة، فما الذي يضمن ألا تتحول النخب الجديدة، بعد سنوات، إلى طبقة أخرى تتحدث باسم المجتمع ثم تستغني عنه؟»
وهنا يضيف يحيى طبقة أخرى إلى الحوار. فليس كافيا أن نغير الوجوه، وليس كافيا أن يأتي جيل جديد، وليس كافيا أن نمتلك خطابا جديدا. لأن المشكلة قد تعيد إنتاج نفسها إذا بقيت قواعد إنتاج السلطة والقرار والمساءلة كما هي.

من الوعي إلى «مأسسة الفاعلية»
استوقفني في قراءة يحيى استدعاؤه لحوارنا السابق لمفهوم «مأسسة الفاعلية». فالتعليم والوعي والحوار ومشاركة الشباب شروط ضرورية، لكنها لا تتحول إلى قوة تاريخية إلا عندما تتجسد في مؤسسات وقواعد ومساءلة.
وهنا ينقل أمين النقاش من سؤال الوعي إلى سؤال الفعل.
كيف ينتقل السؤال من الورق إلى المؤسسة؟
كيف تنتقل الفكرة من الندوة إلى المدرسة؟
كيف ينتقل الشباب من موقع المتلقي إلى موقع المنتج؟
وكيف يصبح المواطن حاضرا في صناعة القرار، لا مجرد متلق لنتائجه؟
هذه الأسئلة تستحق أن نضيفها إلى الأسئلة التي فتحها الحوار الأول.

من سؤال الوعي إلى سؤال الفاعلية
حين أضع قراءة أمين كعابنة وقراءة يحيى بركات جنبا إلى جنب، أجد أن بينهما مسارا يمكن البناء عليه.
أمين يقول لنا، بصورة أساسية: لا يمكن تجديد السياسة من دون تجديد الإنسان الذي ينتجها.
ويحيى يضيف أن هذا التجديد لا يكتمل إلا حين يجد هذا الإنسان مؤسسات وقواعد ومجالا للمساءلة، تمكنه من تحويل وعيه إلى فاعلية.
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: ماذا يحدث بعد بناء المؤسسة؟
فالمؤسسة التي تنشأ لتجاوز التكلس يمكن أن تتكلس هي الأخرى، والجيل الذي يأتي لتجديد أدوات السلطة قد يجد نفسه، مع الوقت، يعيد إنتاج الآليات التي انتقدها. لذلك لا تكمن المسألة في إنتاج «مؤسسة جديدة» مرة واحدة، ولا في استبدال جيل بجيل، وإنما في أن تمتلك المؤسسات قدرة دائمة على التعلم والمراجعة والمساءلة وتصحيح المسار.
عند هذه النقطة يأخذ مفهوم «إعادة تعريف الممكن» معنى أوسع. فالممكن ليس فقط ما نستطيع أن نتخيله اليوم، وإنما أيضا قدرتنا على بناء أدوات قابلة للتجدد كلما تغير الواقع. وربما تكون هذه هي الطريقة الأهم للخروج من «فجوة الزمن»: ألا نحاول اللحاق بالزمن مرة واحدة، بل أن نبني قدرة وطنية على مواكبته باستمرار، وصناعة بعض اتجاهاته، دون أن نفقد معنى المشروع وبوصلته.

الحوار الذي لا ينتهي عند الحوار
ما أسعدني في قراءتيْ أمين ويحيى أنهما لم يحاولا أن يقدما «مراجعة» للكتاب، وهذا لم يكن هدف «بيالارا» في الحوار الأول أصلا. فالحوار كان مدخلا إلى رسالة الكتاب وأسئلته.
وأمين أخذ هذه الأسئلة إلى الإنسان والوعي والشباب والتعليم والمواطن.
ويحيى أخذها إلى الفاعلية والمأسسة والمساءلة وتحويل الطاقة الاجتماعية إلى قدرة على التأثير.
وبذلك أصبح لدينا، من دون تخطيط مسبق، حوار ثالث يولد من الحوار الأول.
وهذا هو أحد الأدوار التي أتمناها لأي كتاب فكري: ألا يكون مجرد نص مغلق بين غلافيه، وإنما أن يصبح مناسبة لكي يسأل آخرون أسئلة لم يطرحها المؤلف، وأن يعيد كل قارئ ترتيب بعض الأسئلة من موقعه وتجربته.
فالكتاب لا يكتمل عند مؤلفه، والمراجعة النقدية للكتاب ستأتي في وقتها، وأتمنى أن تتعدد القراءات النقدية للكتاب، وأن تتجاوز دوائر النخب، وأن ينخرط فيها الشباب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده داخل فلسطين المحتلة وخارجها.
أما في هذه المرحلة، فأرى أن مجرد انتقال السؤال من كتاب إلى حوار، ومن الحوار إلى قراءتين من زاويتين مختلفتين، هو بحد ذاته بداية تستحق التقدير.
بدأنا بسؤال عن فجوة الزمن السياسي، ثم اتسع السؤال إلى فجوة الوعي، ومنها إلى مأسسة الفاعلية، وصولا إلى سؤال القدرة على التجدد. وهذه، في تقديري، ليست إجابات متتابعة بقدر ما هي حلقات في سؤال واحد: كيف يستطيع مجتمع أن يراجع أدواته كلما تغير الواقع، من دون أن يفقد بوصلته؟
وربما عند هذه النقطة تحديدا يأخذ الحديث عن «إعادة تعريف الممكن» مداه الحقيقي.
وأنا ممتنة لأمين كعابنة ويحيى بركات، ليس لأنهما قالا كل ما يمكن قوله عن الكتاب، وإنما لأنهما فعلا شيئا أراه أكثر أهمية في هذه المرحلة: أنهما أبقيا السؤال مفتوحا، ودفعا الحوار خطوة أخرى إلى الأمام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...