لم أكن أعرف شيئاً عن الأدرينالين إلا مؤخراً، كنت أعيشه فحسب. لم لا أقول، لا بل كان يسكنني، ويلون مشاعري وانفعالاتي، إلى درجة التوتير، والحالة الأخيرة هي الأهم في العلاقة التي لم أردها، لقد وعيته بعد حين ولم يفارقني حتى اللحظة؟.
تسألونني عن الأدرينالين، عن هذا الإفراز الهرموني في الجسم والمرتبط بحالاتنا النفسية ومواقفنا أو بنيتنا العصبية. حسن. يعني أننا نُعرَف به جميعاً، ولكل منا طريقة خاصة ذات صلة بأسلوبه في الحياة ومعايشتها.
سوى أن الذي أستطيع تأكيده، والقول عن أننا حيث نعيش لا بمئات ألوفنا، إنما بملايينا المؤلفة، نعيشه، وهو مرتفع في دمنا، كما هو سلوكنا اليومي.
أتراني أبالغ؟
لا أريد جواباً من أحد. فخبرتي المتواضعة، وثقافتي المتواضعة، وعمري غير" المتواضع " بطول سِنِيه، كل ذلك يسمح لي أن أثبت النقاط التالية، وليقرأ أي كان ما سطرته، وهو مستقر في أدرينالينه:
-قبل أن نعرف تهجئة حتى بابا وماما أسهل الكلمات الشفوية تلفظاً، جرى تخويفنا من العتمة ومن العفريت الرهيب في وصفه وأسلوب تعامله مع البشر، والصغار على وجه التحديد.
تلك كانت الانطلاقة الأولى لهذا الغازي الداخلي: الأدرينالين، ليمارس طغيانه بالصلاحيات التي أعِدتْ له.
ونحن بالكاد نتهجى بابا وماما، ونلتفت حين ننادى باسمنا، وتؤثر فيها ملامح الوجه، جرى تخويفنا من الشرطة. صه، لا تتكلم، لا تتحرك، اجلس بصمت، لا ترفع صوتك، سيأتيك الشرطي بعصاه. كبر الشرطي مثل العفريت ولباسه الرهيب: الظلام، وكبرت عصا الشرطي لتصبح أطول وأثخن منه، وبتنا نخاف من النظر هنا وهناك.
-بعد أن وعينا قليلاً، جرى وصار يجري تخويفنا معلّم المدرسة ومعه عصا، والويل لمن يتصرف خارج المرسوم له .
-جرى تخويفنا مما لم نبصره أو نسمع صوته حتى الآن، وهو أن عدم طاعة الأهل سيكون مصدر عقاب لنا، من الله نفسه، ومن قرآنه الذي نضعه دائماً فوق رأسنا ونقبّله تجاوباً على هذا الموقف، ودون ذلك، تكون نار جهنم ومن يديرون أمورها هي في انتظارنا، كما كان مقرىء القرآن يوجه تلامذته ويهددهم بكل ذلك.
-حين بلغنا سن الرشد، كان علينا أن نحسب حساباً لمن أصبحنا نلتقي بهم، في المدرسة وخارجها، ممن يراقبوننا، ويحصون علينا كلماتنا.
-وفي المجتمع الذي كبرنا فيه، ولا نزال نعيش فيه، ووجهنا بكم كبير ممن يكونون مصدر هذا الخوف بأدريناليته، ومن ذلك تجنب لفظ كلمات معينة، والخوض في موضوعات معينة، إنما الحرص على قول ما هو مفروض علينا، والقواعد التي يجب اتباعها، دون ذلك سيكون ذلك مجلبة للشر لنا وأهلنا ومعارفنا حتى بقدر ما يكون الجرْم المرتكب كبيراً، كما هو موصوف هنا وهناك.
-أصبح من الصعوبة بمكان، وربما من باب المستحيل، أن يفكّر أحدنا، وهو هادىء البال، بنفسه، وبما يجري حوله، أن يبدي رأيه في موضوع ما، أو يشارك في نقاش مفتوح، أو يكتب موضوعاً، أو يرسم لوحة بالطريقة التي يعتبرها ممثّلة لحالة نفسية يعيشها، وخاصة في الأمور التي تخص ما يسمّى بـ" أمن الوطن " ومن يمثّل الوطن، والعقيدة المرسوم بدقة، ليكون الأدرينالين المرتفع على مدار الساعة شاهد عيان محسوساً داخلاً وخارجاً، على وجود حدود يُظَّر خرقها، وبذلك يكون لنا سبق الفوز بهذا النوع من الخوف الفردي والجماعي، الخوف الذي يبقينا حرّاساً أنفسنا، رقباء ذاتيين على ما نفكر فيه ونقوله، لنتجنب ما لا يحمد عقباه.
تعممت صورة الشرطي، البوليس المعتبر حامي أمن البلاد، في كل مكان، في شبكة حواسنا، وعلاقاتنا، فيما بيننا، حتى ونحن نأكل ونشرب، حتى ونحن ننام، وحين نستيقظ، ونمضي إلى أعمالنا، حتى حين نسمع من يطرق الباب في وقت متأخر من الليل، ليتداخل الشرطي مع رجل الأمن مع العفريت، والهولة الليلية، في مقام الحسيب الرقيب في نفاذ تأثيره، ومن يكون معنياً بإدارة أمورنا من البيت إلى المؤسسة، فبتنا نخاف من كل من يحمل عصا، وكل من يتمطق بسلاح، أو هو بلباسه العسكري، بشهادة التجارب الحية طبعاً.
بهذا، يخاف صغارنا من الكبار، حيث عجينتهم تتعرض لتأثير خميرة أولئك، ويخاف الكبار من الكبار، لأن فيهم من يستهويهم القيام بمثل هذا الدور: أن يبقوا الأدرينالين في أوج نشاطه ، بقدر ما يشعر من يمارسون تخويف مَن هم حولهم، حتى أهاليهم ، لأن يعيشوا ارتفاع الأدرينالين نفسه في دمائهم، لخوفهم ممن يخيفونهم؟
أليس جائزاً القول: إذا عرفت أن تعرف مدى رقيّ مجتمع ما، في سويته وإنجازاته، أي في إبداعاته المختلفة، وابتكاراته المختلفة، فلا أسهل من أن تنظر في " هوية " الأدرينالين " ذي العظمة والسطوة والصفاقة أيضاً!؟
تسألونني عن الأدرينالين، عن هذا الإفراز الهرموني في الجسم والمرتبط بحالاتنا النفسية ومواقفنا أو بنيتنا العصبية. حسن. يعني أننا نُعرَف به جميعاً، ولكل منا طريقة خاصة ذات صلة بأسلوبه في الحياة ومعايشتها.
سوى أن الذي أستطيع تأكيده، والقول عن أننا حيث نعيش لا بمئات ألوفنا، إنما بملايينا المؤلفة، نعيشه، وهو مرتفع في دمنا، كما هو سلوكنا اليومي.
أتراني أبالغ؟
لا أريد جواباً من أحد. فخبرتي المتواضعة، وثقافتي المتواضعة، وعمري غير" المتواضع " بطول سِنِيه، كل ذلك يسمح لي أن أثبت النقاط التالية، وليقرأ أي كان ما سطرته، وهو مستقر في أدرينالينه:
-قبل أن نعرف تهجئة حتى بابا وماما أسهل الكلمات الشفوية تلفظاً، جرى تخويفنا من العتمة ومن العفريت الرهيب في وصفه وأسلوب تعامله مع البشر، والصغار على وجه التحديد.
تلك كانت الانطلاقة الأولى لهذا الغازي الداخلي: الأدرينالين، ليمارس طغيانه بالصلاحيات التي أعِدتْ له.
ونحن بالكاد نتهجى بابا وماما، ونلتفت حين ننادى باسمنا، وتؤثر فيها ملامح الوجه، جرى تخويفنا من الشرطة. صه، لا تتكلم، لا تتحرك، اجلس بصمت، لا ترفع صوتك، سيأتيك الشرطي بعصاه. كبر الشرطي مثل العفريت ولباسه الرهيب: الظلام، وكبرت عصا الشرطي لتصبح أطول وأثخن منه، وبتنا نخاف من النظر هنا وهناك.
-بعد أن وعينا قليلاً، جرى وصار يجري تخويفنا معلّم المدرسة ومعه عصا، والويل لمن يتصرف خارج المرسوم له .
-جرى تخويفنا مما لم نبصره أو نسمع صوته حتى الآن، وهو أن عدم طاعة الأهل سيكون مصدر عقاب لنا، من الله نفسه، ومن قرآنه الذي نضعه دائماً فوق رأسنا ونقبّله تجاوباً على هذا الموقف، ودون ذلك، تكون نار جهنم ومن يديرون أمورها هي في انتظارنا، كما كان مقرىء القرآن يوجه تلامذته ويهددهم بكل ذلك.
-حين بلغنا سن الرشد، كان علينا أن نحسب حساباً لمن أصبحنا نلتقي بهم، في المدرسة وخارجها، ممن يراقبوننا، ويحصون علينا كلماتنا.
-وفي المجتمع الذي كبرنا فيه، ولا نزال نعيش فيه، ووجهنا بكم كبير ممن يكونون مصدر هذا الخوف بأدريناليته، ومن ذلك تجنب لفظ كلمات معينة، والخوض في موضوعات معينة، إنما الحرص على قول ما هو مفروض علينا، والقواعد التي يجب اتباعها، دون ذلك سيكون ذلك مجلبة للشر لنا وأهلنا ومعارفنا حتى بقدر ما يكون الجرْم المرتكب كبيراً، كما هو موصوف هنا وهناك.
-أصبح من الصعوبة بمكان، وربما من باب المستحيل، أن يفكّر أحدنا، وهو هادىء البال، بنفسه، وبما يجري حوله، أن يبدي رأيه في موضوع ما، أو يشارك في نقاش مفتوح، أو يكتب موضوعاً، أو يرسم لوحة بالطريقة التي يعتبرها ممثّلة لحالة نفسية يعيشها، وخاصة في الأمور التي تخص ما يسمّى بـ" أمن الوطن " ومن يمثّل الوطن، والعقيدة المرسوم بدقة، ليكون الأدرينالين المرتفع على مدار الساعة شاهد عيان محسوساً داخلاً وخارجاً، على وجود حدود يُظَّر خرقها، وبذلك يكون لنا سبق الفوز بهذا النوع من الخوف الفردي والجماعي، الخوف الذي يبقينا حرّاساً أنفسنا، رقباء ذاتيين على ما نفكر فيه ونقوله، لنتجنب ما لا يحمد عقباه.
تعممت صورة الشرطي، البوليس المعتبر حامي أمن البلاد، في كل مكان، في شبكة حواسنا، وعلاقاتنا، فيما بيننا، حتى ونحن نأكل ونشرب، حتى ونحن ننام، وحين نستيقظ، ونمضي إلى أعمالنا، حتى حين نسمع من يطرق الباب في وقت متأخر من الليل، ليتداخل الشرطي مع رجل الأمن مع العفريت، والهولة الليلية، في مقام الحسيب الرقيب في نفاذ تأثيره، ومن يكون معنياً بإدارة أمورنا من البيت إلى المؤسسة، فبتنا نخاف من كل من يحمل عصا، وكل من يتمطق بسلاح، أو هو بلباسه العسكري، بشهادة التجارب الحية طبعاً.
بهذا، يخاف صغارنا من الكبار، حيث عجينتهم تتعرض لتأثير خميرة أولئك، ويخاف الكبار من الكبار، لأن فيهم من يستهويهم القيام بمثل هذا الدور: أن يبقوا الأدرينالين في أوج نشاطه ، بقدر ما يشعر من يمارسون تخويف مَن هم حولهم، حتى أهاليهم ، لأن يعيشوا ارتفاع الأدرينالين نفسه في دمائهم، لخوفهم ممن يخيفونهم؟
أليس جائزاً القول: إذا عرفت أن تعرف مدى رقيّ مجتمع ما، في سويته وإنجازاته، أي في إبداعاته المختلفة، وابتكاراته المختلفة، فلا أسهل من أن تنظر في " هوية " الأدرينالين " ذي العظمة والسطوة والصفاقة أيضاً!؟