أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة) - الذّات القامعة والآخر في "رحلة جبليّة رحلة صعبة"

تتولّد الذّات الجمعيّة في سيرة فدوى طوقان "رحلة جبليّة رحلة صعبة" عن ذوات قامعة لذاتها ولجنسها؛فالغريب أنّنا لا نجد المرأة في عالم فدوى تناصر المرأة،وتشفق على ظلمها،بل تتحوّل هي الأخرى إلى ذات أبويّة تجلد المرأة وتجلد نفسها،وتنتصر للرّجل في كلّ أمره؛فأمّ فدوى تتنكّر لفدوى،وتحرمها من حنان أمومتها؛لأنّها لم تكن تريد أن تنجبها أساساً،وعملت على إجهاضها،وتتشائم منها؛لأنّ نفي والدها خارج البلاد تزامن مع ولادتها،ولا تتذكّر أيّ معلومة تخصّها من تفاصيل طفولتها حتى تاريخا ميلادها لا تعرفه،وتساهم في حرمانها من الذّهاب إلى المدرسة لمجرّد أنّها حصلت على وردة من شاب صغير في الحيّ،ولا تحاول أبداً أن تساعدها في الخروج من سجنها البيت،على الرّغم من معاناتها الشّخصيّة من هذا الحصار الدّائم الذي كان مفروضاً عليها مثل سائر نساء الأسرة.وعلى الرّغم من ذلك تتعاطف فدوى مع مأساتها،وتشعر بسعادة غامرة عندما تراها تتحرّر من قيود" السّجن الأثريّ المقيت"؛إلاّ أنّ أم فدوى تمثّل الأم المازوشيّة التي تستسلم لقدرها قابلة بدور الضّحيّة دون محاولة للثورة على واقعها وعلى قهرها.
ومن جهة أخرى نرى العمّة "شيخة" تلعب دور البوليس السرّي في العائلة،فتراقب النّساء بمنطق الرّجال،وتنقل لهم التقارير السّريّة،،وتحرّض على قمعهنّ لاسيما قمع فدوى التي تغار من اهتمام أخيها إبراهيم بشاعريتها،وتحمل شعار عنصريّ يتلخّص في "كلما طلع للبنت قرن اكسره""،وتثور على فكرة أن تكتب امرأة الشّعر مثل الرّجال!
وفي السّياق نفسه نجد "شهيرة" ابنة العمّ وأمّها ونساء الأسرة يناصبن فدوى العداء؛لأنّها تكتب الشّعر،بل إنّ معلماتها غير القارئات أو المثقفات كُنّ يلقينها بروح عدائيّة،ويجرحن شعورها في كلّ فرصة مواتية،إذ عندما تقرّر المرأة أن تكتب،أيّ أن تنتج الثقافة فلابدّ أنّها ستخلق سلطة لها،وهذه السّلطة مثل أيّ سلطة"تخلق خصومها من داخل،وتغذّي معارضتها بقدر ما تكبحها".
إنّ خيانة المرأة للمرأة،ووقوفها ضدّها لصالح الرّجل إنّما هي امتداد لنظام ثقافي موروث وإجباريّ يضع المرأة ضدّ المرأة.والغريب في المجتمع الذي عاشت فيه فدوى طوقان" أنّ النّساء لا يشعرن بالحرمان الذي يعشنه،كما لا يعرفن حقوقهنّ"،وذلك في صراع منافسة طويل تحكمها"قواعد الرّجل وشروطه".
في"رحلة جبليّة رحلة صعبة" يبرز الآخر في مستويين:البناء والهدم.وذلك في مفارقة محزنة وصادمة؛فمن نتوقّع منه إنسانيّاً أن يدعم فدوى،هو ذاته من يعمل على تحطيمها،ووالدها أبرز نموذج على الآخر السّلبيّ والهادم في حياتها؛فلطالما رفضها،وهو من كان يرغب في أن تكون ذكراً نزولاً على الثقافة الذّكوريّة العربيّة التي تريد إنجاب الذّكور لا الإناث،ولا يتحدّث معها أو يلاطفها أو يفتقدها،بل يبلغ به أن يتجاهل وجودها،ويخاطبها بصيغة الغائب حتى ولو كانت حاضرة وتنظر في عينيه،ويراها لا تصلح لشيء،ويكفر بشاعريتها زمناً طويلاً،وعندما يموت أخوها إبراهيم يفرض وصايته على شاعريتها،ويطالبها بأن تكتب الشّعر السيّاسيّ الدّاعم للقضيّة الفلسطينيّة،لتكون امتداداً للذّكر الابن/إبراهيم الذي مات،لا أن تكون صورة لنفسها فتعجز فدوى عن ذلك،وتتوّقف عن كتابة الشّعر إلى حين موت والدها،عندئذ تعود إلى كتابة الشّعر على الرّغم من بروز سلطة قمعيّة جديدة لها،وهي سلطة الاحتلال الصّهيونيّ لفلسطين؛ولكن هذه السّلطة بالنسبة لها هي أقل سلطويّة عليها من سلطة والدها التي جعلتها دائماً أسيرة حالة تناقض حادة وصاخبة تجذبها بين السّكون والانطواء تحت ثقل الأحزان وبين إرادة الانبعاث التي تعتمل في نفسها".
وهناك ابن العمّ الذي يقمعها،ويمزّق ثوبها لأنّه جميل،ويحرمها من تعلّم الإنجليزيّة وأخوها يوسف الذي ضربها،وحرمها من الذّهاب إلى المدرسة بل ومن الخروج من البيت لسنوات طويلة لأنّ شاباً في الحيّ أهداها زهرة.وهو بذلك عاقبها بالموت البطيء بدل الموت المباشر الذي قد يقدم عليه بحجة الدّفاع عن شرف العائلة في أيّ لحظة يريدها مادام ذلك وارداً،وقد يكون مقبولاً في ثقافة المجتمع الفلسطينيّ التقليديّ.
في المقابل نجد فدوى تلجأ إلى عمليّة استبداليّة للآخر الهادم في حياتها،لتحصل على حاجتها من المحبّة والدّعم من مستويات بنّاءة في حياتها،ويضطلع عمّها وثم أخوها إبراهيم فأخوها نمر بهذه المهمة الحيويّة؛فالعمّ يغدق عليها بحنانه،ويكون نموذجها الأعلى في البطولة الوطنيّة،وأخوها إبراهيم يصبح الأب الرّوحيّ لها،ويدعم موهبتها الشّعريّة،ويساهم في نشر شعرها،في حين أنّ أخاها نمر يلعب في حياتها دور الصّديق والرّفيق والحبيب.
أمّا الآخر الرّجل الحبيب،فمنذ طفولتها قد أُجبرت على التعامل مع الحبّ على أنّه خطيئة وجريمة،ولم يكن عالم الرّجل إلاّ مجرد أحلام وعشق ساذج لأبطال القصص،وشعراء الماضي.وهذا القمع لعواطفها ولجسدها إنّما هو امتداد للنّظام الأبويّ الذي "يجعل من التحّكم بجنسانيّة المرأة الأداة الأقوى لقمعها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...