حسين عبروس- قراءة موجزة في قصيدة «مَليكُ العُشِّ» لنصيرة عزيزي

مليكُ العُشِّ بين شعرية الصورة وإيقاع الهَزَج
قراءة موجزة في قصيدة «مَليكُ العُشِّ» لنصيرة عزيزي
................
- يُعدّ شعر الطفل فضاءً تتكامل فيه الكلمة والصورة والإيقاع والخيال، إذ لا يتلقى الطفل القصيدة بمعناها فحسب، بل يتفاعل معها سمعًا وصورةً وحركةً. ومن هذا المنظور تأتي قصيدة «مَليكُ العُشِّ» لنصيرة عزيزي، محاولةً استثمار عالم العش والعصفور لبناء تجربة شعرية تجمع بين جمال الصورة والقيمة التربوية، وهو ما يدعو إلى تأمل بنائها الدلالي واللغوي والإيقاعي، ومدى نجاحها في مخاطبة حساسية الطفل الجمالية والمعرفية.
تأتي قصيدة «مَليكُ العُشِّ» للشاعرة نصيرة عزيزي من عالم قريب من وجدان الطفل وخياله؛ إذ تستمد صورها من العش والبيض والغصون والقش والعصفور، ثم تحاول أن ترتقي بهذا العالم المحسوس إلى قيمة إنسانية تتمثل في السلم ونبذ العنف. وهذه نقطة قوة في التجربة، لأن شعر الطفل الناجح ينطلق غالبًا من المحسوس المألوف ليبني منه معنى أوسع.
وتبدو القصيدة، من حيث الإيقاع، متجهة إلى بحر الهَزَج، في صورته القائمة على: مَفاعيلُنْ مَفاعيلُنْ، ومن شواهد ذلك قولها: «يَصيرُ البَيْضُ عُصفورًا»، وهو ما ينسجم مع هذا الإيقاع. واختيار الهزج مناسب لطبيعة الشعر الموجه إلى الطفل لما فيه من خفة وقابلية للإنشاد والترديد، غير أن الحكم على استقامة القصيدة عروضيا يقتضي فحص جميع أشطرها، وعدم الاكتفاء بشاهد واحد.
أما من الناحية الدلالية، فالنص يقوم على مجموعة من الحقول المتصلة: الطبيعة، والطائر، والقيم، ثم ينتقل في النهاية إلى المليك والعرش والتتويج. ويظل الحقل الطبيعي أكثرها انسجامًا، بينما يحتاج الانتقال إلى صورة «مليك العش» إلى تمهيد أوضح، حتى تبدو الخاتمة نتيجة طبيعية لمسار القصيدة، لا صورة أضيفت في نهايتها.
وفي مستوى الصورة واللغة، ينجح النص حين يجعل العش بيتًا دافئًا للطائر، لكنه يتعثر في بعض المفردات والتراكيب. فلفظة «الرِّمش» في قولها «يضم البيض بالرِّمش» لا تنسجم مع السياق الطبيعي، وكان من الأفضل أن تستخدم كلمة «الرِّيش». كما أن عبارات مثل «رائع العيش» و«تصاميم من الفرش» لا تمنح الطفل صورة حسّية واضحة، وتحتاج إلى ألفاظ أكثر التصاقًا بعالم العش وبنائه.
وتحتاج عبارة «يَصيرُ البَيْضُ عُصفورًا» إلى شيء من الدّقة إذا أريد لها أن تجمع بين الشعر والمعرفة؛ فالبيضة يخرج منها الفرخ صغيرا ثم ينمو إلى أن يصيرطائرا. والشعر لا يُطالب بالدّقة العلمية الجافة، لكنه مطالب بألا يقدم للطفل صورة يمكن أن تُفهم بوصفها حقيقة علمية غير صحيحة. وكذلك تبدو عبارة «يُجيدُ البحثَ بالنَّبشِ» أقل وضوحًا، مما يوحي بأن القافية قد
أسهمت في اختيار بعض الألفاظ.،وفي الجانب القيمي، فإن الدعوة إلى السلام ونبذ العنف قيمة جميلة، غير أن الشعر يكون أكثر تأثيرًا حين يجسد القيمة في الفعل والصورة بدل التصريح بها. فمشهد الطائر وهو يبني عشه، ويحمل القش، ويحمي بيضه، ويعود إلى صغاره، يستطيع أن يوحي بالأمان والتعاون والسلام بصورة أعمق من الخطاب المباشر.
أمّا القافية الموحدة، القائمة في معظم الأشطر على وقع صوت الشين: العش، الرمش، العيش، الفرش، النبش، النهش، القش، العرش، فتمنح القصيدة وحدة موسيقية تساعد على الحفظ والإنشاد، لكنها ينبغي ألا تتحول إلى قيد يفرض ألفاظًا على المعنى؛ فالقافية في الشعر خادمة للدلالة وليست حاكمة عليها.
وتتمثل القيمة الفنية الأبرز التي يمكن أن تنمو منها القصيدة في بناء مسار متدرج: العش → البيض - الفرخ - العصفور - بناء العش بالقش - الألفة والأمان - السلام - مليك العش. وبهذا التدرج يمكن أن تصبح صورة «مليك العش» خاتمة نابعة من التجربة نفسها، ومناسبة لخيال الطفل.
وخلاصة القول إن «مَليكُ العُشِّ» تمتلك نواة شعرية خصبة، موضوعها قريب من الطفل، وقيمتها الإنسانية واضحة، وإيقاعها يتجه إلى الهزج بما يتيحه من موسيقى ملائمة للإنشاد. غير أن اكتمال التجربة يتطلب مزيدًا من الصقل في المفردة والصورة والتركيب، وتدقيق بعض الدلالات، ومراجعة الأشطر عروضيا على أساس مَفاعيلُنْ مَفاعيلُنْ، مع تحقيق وحدة عضوية أوثق بين العش والطائر والسلام والتتويج. فشعر الطفل لا يكتفي بأن يكون بسيطًا وموزونًا، بل ينبغي أن يجمع وضوح المعنى، وجمال الصورة، ودقة اللغة، واستقامة الإيقاع؛ حتى تتحول الفكرة التربوية إلى شعر حيّ، لا إلى تعليم منظوم.
Voir moins


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...