أثلج صدري أن يحصل «ثلاثة عشر في غزة» على جائزة NETPAC في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي.
ليس لأن الجوائز هي التي تمنح الفيلم قيمته.
ولا لأن جائزة تستطيع أن تعيد إلى رغد بيتها أو أفراد عائلتها الذين فقدتهم.
بل لأنني، لحظة قرأت الخبر، تذكرت فيلمًا آخر.
«نازا».
هناك، كان من شارك في القتل يقف أمام الكاميرا ويعترف.
وهنا، تقف أمام الكاميرا الضحية التي تعيش ما تركه القتل وراءه.
وهذا فرق ليس صغيرًا.
فالقتل لا ينتهي عندما تتوقف الرصاصة.
ولا ينتهي عندما يسقط البيت.
بالنسبة إلى الضحية، قد يكون ذلك هو البداية فقط.
قبل أيام، عندما كتبت عن «ثلاثة عشر في غزة» قبل عرضه العالمي الأول في تورونتو، تركت حسام أبو دان في غزة، وتركت فيلمه يعبر الحدود وحده.
سبع وسبعون دقيقة استطاعت أن تفعل ما لم يستطع مخرجها أن يفعله.
خرجت من غزة.
وصلت إلى تورونتو.
دخلت القاعة.
وانطفأت الأنوار.
أما حسام فبقي هناك.
وسألت في نهاية المقال:
هل وصلت الصورة فعلًا إلى العالم؟
أم أن الذي وصل إلى تورونتو كان الفيلم وحده، وبقيت غزة مرة أخرى خلف الحدود؟
اليوم جاء جواب أول.
الفيلم لم يصل فقط.
لقد رآه الناس.
وتوقفت أمامه لجنة NETPAC ومنحته جائزتها.
لكن ما استوقفني أكثر من الجائزة كان تعليلها.
رأت اللجنة أن الفيلم لم يحوّل المعاناة إلى فرجة، ولم يختزل الإنسان في صورة الضحية، بل التقط الحياة بكل تعقيدها.
وهنا عدت إلى رغد.
طفلة في الثالثة عشرة.
تهدم بيتها، وفقدت معظم أفراد عائلتها، وانتقلت مع أبيها إلى مخيم للنازحين.
لكن حسام أبو دان لا يضعها أمام الكاميرا لكي تبكي لنا.
يتركها تعيش.
إنها في العمر الذي تبدأ فيه طفلة باكتشاف جسدها والعالم.
وتأتيها دورتها الشهرية الأولى.
حدث عادي جدًا.
حدث تعيشه ملايين الفتيات في العالم.
لكن لا شيء عاديًا في حياة طفلة فقدت بيتها.
تحتاج إلى مكان خاص.
إلى قليل من الماء.
إلى باب تغلقه خلفها.
ولا تجد.
هنا لا يحتاج حسام أبو دان إلى أن يرينا طائرة كي يرينا الحرب.
القنبلة تهدم البيت مرة واحدة.
لكن فقدان البيت يستمر كل صباح.
والنزوح ليس الانتقال من مكان إلى آخر.
إنه أن تصبح طفلة في الثالثة عشرة بلا باب تستطيع أن تغلقه خلفها.
الحرب هنا لا تبقى في السماء.
تنزل إلى الجسد.
إلى الماء.
إلى الطعام.
إلى العلاقة بين أب وابنته.
الأب يحاول أن يبقى أبًا.
أن يحمي ابنته.
أن يأتي بالطعام.
أن يدبر يومًا آخر.
ثم تقوده الحاجة إلى خليل، رجل يعرف كيف تتحول الحرب إلى سوق، وكيف يمكن للجوع أن يمنح إنسانًا سلطة على إنسان آخر.
وهنا يدخل الخراب مكانًا لا تصله الصواريخ وحدها.
الأخلاق.
إلى أي مسافة يستطيع الإنسان أن يساوم كي يبقى حيًا؟
وإلى أي مسافة يمكن أن تدفعه الحرب قبل أن يبدأ بخسارة شيء من نفسه؟
الجوع هنا ليس رقمًا عن المساعدات.
إنه أب لا يعرف من أين ستأتي الوجبة التالية لابنته.
واقتصاد الحرب ليس جدول أسعار.
إنه ما يمكن أن يفعله إنسان بإنسان عندما تصبح الحاجة أقوى من القدرة على الاختيار.
قال حسام أبو دان إنه أراد أن يلتقط تلك التفاصيل الصغيرة التي تضيع عادة تحت صور الدمار والقتلى.
ورآها الجمهور.
توقف بعض من كتبوا عن الفيلم بعد عرضه عند رغد نفسها.
عند خوف فتاة في الثالثة عشرة وهي تدخل البلوغ وسط مكان لا يمنحها أبسط خصوصية.
عند عنادها.
وعند محاولتها أن تبقى فتاة عادية في عالم لم يعد فيه شيء عادي.
وهنا، للحظة، تختفي المسافة بين غزة وتورونتو.
فالفتاة التي تجلس في مقعد داخل القاعة قد لا تعرف غزة.
قد لا تعرف معنى النزوح.
قد لا تكون قد سمعت يومًا صوت طائرة مسيّرة فوق بيتها.
لكنها تعرف الثالثة عشرة.
تعرف ارتباك الجسد.
تعرف الحاجة إلى الخصوصية.
تعرف لماذا تحتاج الفتاة إلى باب.
وهنا تفعل السينما شيئًا لا تفعله الأرقام.
تعيد للضحية اسمها.
وجسدها.
وعمرها.
وحياتها.
ولهذا أزعجني دائمًا ذلك الاختلال في عدالة الصورة.
وأعود إلى «نازا».
هناك، يقف من شارك في القتل أمام الكاميرا.
يعترف.
يتكلم.
يتردد.
ربما يبكي.
ويجلس الجمهور أمامه مأخوذًا باعترافه.
كيف فعلت؟
ماذا رأيت؟
ماذا شعرت؟
هل ندمت؟
ويمتلك الاعتراف قوة درامية لا يمكن إنكارها.
فالقاتل الذي يعترف يبدو وكأنه يفتح لنا بابًا سريًا إلى الجريمة.
لكنني كنت دائمًا أبحث في الجهة الأخرى من الصورة.
عن الإنسان الذي كان أمام البندقية.
هو لا يملك سرًا يكشفه.
ولا جريمة يعترف بها.
ولا بطولة أخلاقية في أن يقول إنه نادم.
لم يفعل شيئًا.
ومع ذلك يحمل النتائج كلها.
رغد لم تطلب الحرب.
لم تهدم بيت أحد.
لم تقتل أحدًا.
ولم يكن عليها أن تعترف بشيء.
لكنها فقدت بيتها ومعظم أفراد عائلتها.
ثم استمرت الحرب في ملاحقتها.
في الخيمة.
في الماء.
في الطعام.
في جسد طفلة تدخل سن البلوغ بلا خصوصية.
وفي أب يحاول أن يحمي ما بقي له من عائلة، وهو نفسه يُسحق تحت شروط البقاء.
المفارقة القاسية أن الفاعل يستطيع أحيانًا، بمجرد اعترافه، أن يصبح مركز الحكاية.
أما الضحية فعليها أن تفقد بيتها وعائلتها وحياتها القديمة، ثم تكافح أيضًا لكي يلتفت العالم إليها.
كأن الجريمة لا تسرق من الضحية بيتها وأهلها ومستقبلها فقط.
قد تسرق منها حتى الاهتمام بقصتها.
ولهذا أسعدتني جائزة «ثلاثة عشر في غزة».
لأن الكاميرا، ولو لهذه اللحظة، عادت إلى الجهة التي كان ينبغي ألا تغادرها.
إلى رغد.
ليس إلى من يشرح لنا كيف شارك في سحق حياة إنسان.
بل إلى الإنسان الذي عليه أن يستيقظ في صباح اليوم التالي ويعيش وسط ما بقي منها.
لكن الحكاية في تورونتو لم تنته عندما عادت الأنوار.
ظهر حسام وبعض أفراد فريق الفيلم أمام الجمهور عبر اتصال من غزة.
هم على الشاشة.
والجمهور أمامهم.
يسألهم عن الفيلم الذي شاهده قبل لحظات.
عن التصوير.
عن غزة.
عن الحياة تحت القصف.
ثم، بحسب شهادات عدد من الذين حضروا الجلسة، سُمع انفجار قريب من المكان الذي كان يتحدث منه الفريق.
تحرك أحدهم نحو النافذة.
نظر إلى الخارج.
وقال:
سقطت قذيفة.
شهق الجمهور في تورونتو.
قبل دقائق كانوا يشاهدون فيلمًا عن غزة.
الآن دخلت غزة إلى القاعة.
لم يعد الانفجار جزءًا من شريط الصوت.
ولم يعد القصف مشهدًا.
ولم يعد حسام أبو دان مخرجًا يشرح فيلمه.
صار رجلًا يقف على الطرف الآخر من الشاشة، في المكان نفسه الذي صنع عنه الفيلم.
الحرب التي انتهت بالنسبة إلى الجمهور عندما أضيئت القاعة لم تنته بالنسبة إليه.
الجمهور يستطيع أن يخرج بعد الفيلم.
حسام لا يستطيع.
وهذا ربما هو كل شيء.
فالفاعل يستطيع أن يغادر موقع الجريمة.
أما الضحية، فقد تضطر إلى أن تعيش فيه.
تنام فيه.
تستيقظ فيه.
تكبر فيه.
وتتعلم كيف تدبر الماء والطعام والخوف واليوم التالي.
ثم يأتي الفيلم ويحمل حياتها إلى العالم.
قال حسام إن الآخرين يستطيعون أن يرووا قصتك، لكن الأمر يصبح مختلفًا عندما ترويها أنت بطريقتك وبلغتك.
وهذه ليست مسألة ملكية قصة فقط.
إنها مسألة مكان الكاميرا.
من يقف أمامها؟
ومن يقف خلفها؟
ومن يقرر أين تبدأ الحكاية وأين تنتهي؟
في «ثلاثة عشر في غزة» يقف الفلسطيني في الجهتين.
أمام الكاميرا وخلفها.
وربما لهذا لم تصبح رغد مجرد رقم آخر في حصيلة الحرب.
لها اسم.
لها عمر.
لها أب.
لها جسد يتغير.
ولها باب مفقود.
رغد لا تحتاج إلى تصفيق طويل.
تحتاج أن يراها العالم.
أن يسمعها.
وأن يفهم أن الحرب لا تنتهي عندما يصمت السلاح.
اليوم يحمل «ثلاثة عشر في غزة» جائزة من تورونتو.
وأنا سعيد بها.
لكنني حين أنظر إلى الصورة لا أرى الجائزة.
أرى طفلة في الثالثة عشرة تبحث عن مكان تستطيع أن تكون فيه وحدها.
أرى أبًا يحاول أن يبقى أبًا.
وأرى مخرجًا وصل فيلمه إلى تورونتو وبقي هو في غزة.
ثم أرى بابًا.
بابًا عاديًا جدًا.
من تلك الأبواب التي نفتحها ونغلقها عشرات المرات في اليوم من دون أن نفكر فيها.
بالنسبة إلى رغد أصبح ذلك الباب حلمًا.
وربما هنا تكمن قوة «ثلاثة عشر في غزة».
أن يجعلنا نفهم أن الحرب لا تسحق الأشياء الكبيرة فقط.
أحيانًا تسحق أبسط الأشياء.
بيتًا.
وجبة.
قليلًا من الماء.
لحظة خصوصية.
بابًا.
ثم يأتي الفيلم ليعيد إلى هذه الأشياء الصغيرة معناها الكبير.
ويعيد إلى الضحية شيئًا حاولت الحرب أن تنتزعه منها:
أن تكون هي صاحبة الحكاية.
لا هامشًا في اعتراف قاتلها.
يحيى بركات
20/9/2026
ليس لأن الجوائز هي التي تمنح الفيلم قيمته.
ولا لأن جائزة تستطيع أن تعيد إلى رغد بيتها أو أفراد عائلتها الذين فقدتهم.
بل لأنني، لحظة قرأت الخبر، تذكرت فيلمًا آخر.
«نازا».
هناك، كان من شارك في القتل يقف أمام الكاميرا ويعترف.
وهنا، تقف أمام الكاميرا الضحية التي تعيش ما تركه القتل وراءه.
وهذا فرق ليس صغيرًا.
فالقتل لا ينتهي عندما تتوقف الرصاصة.
ولا ينتهي عندما يسقط البيت.
بالنسبة إلى الضحية، قد يكون ذلك هو البداية فقط.
قبل أيام، عندما كتبت عن «ثلاثة عشر في غزة» قبل عرضه العالمي الأول في تورونتو، تركت حسام أبو دان في غزة، وتركت فيلمه يعبر الحدود وحده.
سبع وسبعون دقيقة استطاعت أن تفعل ما لم يستطع مخرجها أن يفعله.
خرجت من غزة.
وصلت إلى تورونتو.
دخلت القاعة.
وانطفأت الأنوار.
أما حسام فبقي هناك.
وسألت في نهاية المقال:
هل وصلت الصورة فعلًا إلى العالم؟
أم أن الذي وصل إلى تورونتو كان الفيلم وحده، وبقيت غزة مرة أخرى خلف الحدود؟
اليوم جاء جواب أول.
الفيلم لم يصل فقط.
لقد رآه الناس.
وتوقفت أمامه لجنة NETPAC ومنحته جائزتها.
لكن ما استوقفني أكثر من الجائزة كان تعليلها.
رأت اللجنة أن الفيلم لم يحوّل المعاناة إلى فرجة، ولم يختزل الإنسان في صورة الضحية، بل التقط الحياة بكل تعقيدها.
وهنا عدت إلى رغد.
طفلة في الثالثة عشرة.
تهدم بيتها، وفقدت معظم أفراد عائلتها، وانتقلت مع أبيها إلى مخيم للنازحين.
لكن حسام أبو دان لا يضعها أمام الكاميرا لكي تبكي لنا.
يتركها تعيش.
إنها في العمر الذي تبدأ فيه طفلة باكتشاف جسدها والعالم.
وتأتيها دورتها الشهرية الأولى.
حدث عادي جدًا.
حدث تعيشه ملايين الفتيات في العالم.
لكن لا شيء عاديًا في حياة طفلة فقدت بيتها.
تحتاج إلى مكان خاص.
إلى قليل من الماء.
إلى باب تغلقه خلفها.
ولا تجد.
هنا لا يحتاج حسام أبو دان إلى أن يرينا طائرة كي يرينا الحرب.
القنبلة تهدم البيت مرة واحدة.
لكن فقدان البيت يستمر كل صباح.
والنزوح ليس الانتقال من مكان إلى آخر.
إنه أن تصبح طفلة في الثالثة عشرة بلا باب تستطيع أن تغلقه خلفها.
الحرب هنا لا تبقى في السماء.
تنزل إلى الجسد.
إلى الماء.
إلى الطعام.
إلى العلاقة بين أب وابنته.
الأب يحاول أن يبقى أبًا.
أن يحمي ابنته.
أن يأتي بالطعام.
أن يدبر يومًا آخر.
ثم تقوده الحاجة إلى خليل، رجل يعرف كيف تتحول الحرب إلى سوق، وكيف يمكن للجوع أن يمنح إنسانًا سلطة على إنسان آخر.
وهنا يدخل الخراب مكانًا لا تصله الصواريخ وحدها.
الأخلاق.
إلى أي مسافة يستطيع الإنسان أن يساوم كي يبقى حيًا؟
وإلى أي مسافة يمكن أن تدفعه الحرب قبل أن يبدأ بخسارة شيء من نفسه؟
الجوع هنا ليس رقمًا عن المساعدات.
إنه أب لا يعرف من أين ستأتي الوجبة التالية لابنته.
واقتصاد الحرب ليس جدول أسعار.
إنه ما يمكن أن يفعله إنسان بإنسان عندما تصبح الحاجة أقوى من القدرة على الاختيار.
قال حسام أبو دان إنه أراد أن يلتقط تلك التفاصيل الصغيرة التي تضيع عادة تحت صور الدمار والقتلى.
ورآها الجمهور.
توقف بعض من كتبوا عن الفيلم بعد عرضه عند رغد نفسها.
عند خوف فتاة في الثالثة عشرة وهي تدخل البلوغ وسط مكان لا يمنحها أبسط خصوصية.
عند عنادها.
وعند محاولتها أن تبقى فتاة عادية في عالم لم يعد فيه شيء عادي.
وهنا، للحظة، تختفي المسافة بين غزة وتورونتو.
فالفتاة التي تجلس في مقعد داخل القاعة قد لا تعرف غزة.
قد لا تعرف معنى النزوح.
قد لا تكون قد سمعت يومًا صوت طائرة مسيّرة فوق بيتها.
لكنها تعرف الثالثة عشرة.
تعرف ارتباك الجسد.
تعرف الحاجة إلى الخصوصية.
تعرف لماذا تحتاج الفتاة إلى باب.
وهنا تفعل السينما شيئًا لا تفعله الأرقام.
تعيد للضحية اسمها.
وجسدها.
وعمرها.
وحياتها.
ولهذا أزعجني دائمًا ذلك الاختلال في عدالة الصورة.
وأعود إلى «نازا».
هناك، يقف من شارك في القتل أمام الكاميرا.
يعترف.
يتكلم.
يتردد.
ربما يبكي.
ويجلس الجمهور أمامه مأخوذًا باعترافه.
كيف فعلت؟
ماذا رأيت؟
ماذا شعرت؟
هل ندمت؟
ويمتلك الاعتراف قوة درامية لا يمكن إنكارها.
فالقاتل الذي يعترف يبدو وكأنه يفتح لنا بابًا سريًا إلى الجريمة.
لكنني كنت دائمًا أبحث في الجهة الأخرى من الصورة.
عن الإنسان الذي كان أمام البندقية.
هو لا يملك سرًا يكشفه.
ولا جريمة يعترف بها.
ولا بطولة أخلاقية في أن يقول إنه نادم.
لم يفعل شيئًا.
ومع ذلك يحمل النتائج كلها.
رغد لم تطلب الحرب.
لم تهدم بيت أحد.
لم تقتل أحدًا.
ولم يكن عليها أن تعترف بشيء.
لكنها فقدت بيتها ومعظم أفراد عائلتها.
ثم استمرت الحرب في ملاحقتها.
في الخيمة.
في الماء.
في الطعام.
في جسد طفلة تدخل سن البلوغ بلا خصوصية.
وفي أب يحاول أن يحمي ما بقي له من عائلة، وهو نفسه يُسحق تحت شروط البقاء.
المفارقة القاسية أن الفاعل يستطيع أحيانًا، بمجرد اعترافه، أن يصبح مركز الحكاية.
أما الضحية فعليها أن تفقد بيتها وعائلتها وحياتها القديمة، ثم تكافح أيضًا لكي يلتفت العالم إليها.
كأن الجريمة لا تسرق من الضحية بيتها وأهلها ومستقبلها فقط.
قد تسرق منها حتى الاهتمام بقصتها.
ولهذا أسعدتني جائزة «ثلاثة عشر في غزة».
لأن الكاميرا، ولو لهذه اللحظة، عادت إلى الجهة التي كان ينبغي ألا تغادرها.
إلى رغد.
ليس إلى من يشرح لنا كيف شارك في سحق حياة إنسان.
بل إلى الإنسان الذي عليه أن يستيقظ في صباح اليوم التالي ويعيش وسط ما بقي منها.
لكن الحكاية في تورونتو لم تنته عندما عادت الأنوار.
ظهر حسام وبعض أفراد فريق الفيلم أمام الجمهور عبر اتصال من غزة.
هم على الشاشة.
والجمهور أمامهم.
يسألهم عن الفيلم الذي شاهده قبل لحظات.
عن التصوير.
عن غزة.
عن الحياة تحت القصف.
ثم، بحسب شهادات عدد من الذين حضروا الجلسة، سُمع انفجار قريب من المكان الذي كان يتحدث منه الفريق.
تحرك أحدهم نحو النافذة.
نظر إلى الخارج.
وقال:
سقطت قذيفة.
شهق الجمهور في تورونتو.
قبل دقائق كانوا يشاهدون فيلمًا عن غزة.
الآن دخلت غزة إلى القاعة.
لم يعد الانفجار جزءًا من شريط الصوت.
ولم يعد القصف مشهدًا.
ولم يعد حسام أبو دان مخرجًا يشرح فيلمه.
صار رجلًا يقف على الطرف الآخر من الشاشة، في المكان نفسه الذي صنع عنه الفيلم.
الحرب التي انتهت بالنسبة إلى الجمهور عندما أضيئت القاعة لم تنته بالنسبة إليه.
الجمهور يستطيع أن يخرج بعد الفيلم.
حسام لا يستطيع.
وهذا ربما هو كل شيء.
فالفاعل يستطيع أن يغادر موقع الجريمة.
أما الضحية، فقد تضطر إلى أن تعيش فيه.
تنام فيه.
تستيقظ فيه.
تكبر فيه.
وتتعلم كيف تدبر الماء والطعام والخوف واليوم التالي.
ثم يأتي الفيلم ويحمل حياتها إلى العالم.
قال حسام إن الآخرين يستطيعون أن يرووا قصتك، لكن الأمر يصبح مختلفًا عندما ترويها أنت بطريقتك وبلغتك.
وهذه ليست مسألة ملكية قصة فقط.
إنها مسألة مكان الكاميرا.
من يقف أمامها؟
ومن يقف خلفها؟
ومن يقرر أين تبدأ الحكاية وأين تنتهي؟
في «ثلاثة عشر في غزة» يقف الفلسطيني في الجهتين.
أمام الكاميرا وخلفها.
وربما لهذا لم تصبح رغد مجرد رقم آخر في حصيلة الحرب.
لها اسم.
لها عمر.
لها أب.
لها جسد يتغير.
ولها باب مفقود.
رغد لا تحتاج إلى تصفيق طويل.
تحتاج أن يراها العالم.
أن يسمعها.
وأن يفهم أن الحرب لا تنتهي عندما يصمت السلاح.
اليوم يحمل «ثلاثة عشر في غزة» جائزة من تورونتو.
وأنا سعيد بها.
لكنني حين أنظر إلى الصورة لا أرى الجائزة.
أرى طفلة في الثالثة عشرة تبحث عن مكان تستطيع أن تكون فيه وحدها.
أرى أبًا يحاول أن يبقى أبًا.
وأرى مخرجًا وصل فيلمه إلى تورونتو وبقي هو في غزة.
ثم أرى بابًا.
بابًا عاديًا جدًا.
من تلك الأبواب التي نفتحها ونغلقها عشرات المرات في اليوم من دون أن نفكر فيها.
بالنسبة إلى رغد أصبح ذلك الباب حلمًا.
وربما هنا تكمن قوة «ثلاثة عشر في غزة».
أن يجعلنا نفهم أن الحرب لا تسحق الأشياء الكبيرة فقط.
أحيانًا تسحق أبسط الأشياء.
بيتًا.
وجبة.
قليلًا من الماء.
لحظة خصوصية.
بابًا.
ثم يأتي الفيلم ليعيد إلى هذه الأشياء الصغيرة معناها الكبير.
ويعيد إلى الضحية شيئًا حاولت الحرب أن تنتزعه منها:
أن تكون هي صاحبة الحكاية.
لا هامشًا في اعتراف قاتلها.
يحيى بركات
20/9/2026