هل يصبح الخلود مشروعًا تكنولوجيًا؟ - أحمد رجب شلتوت

حينما ظهر "شات جي بي تي"، وجد الإنسان نفسه في مواجهة تطبيق يمكنه أن يحاوره، وأن يعيد صياغة أفكاره، وأيضا ينتج صورا ونصوصًا يصعب أحيانًا على الشخص العادي أن يميز بينها وبين ما ينتجه البشر. فماذا سيبقى من الإنسان حينما تفوقه الآلة في القدرة على التفكير والكتابة والتذكر؟ وهل يمكن أن يكون الخلود هو النتيجة القصوى لهذه الثورة التكنولوجية؟
من هذا السؤال ينطلق الجراح والمفكر الفرنسي "لوران ألكسندر" في كتابه "شات جي بي تي ومسألة خلود الإنسان"، الصادر بالعربية عن المنظمة العربية للترجمة عام 2025، وهو ما يكشف منذ البداية عن طموح إلى محاولة رسم صورة واسعة لمستقبل الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي.
يرى "لوران ألكسندر" أن المسألة لا تتعلق بـشات جي بي تي في حد ذاته، وإنما بما يكشفه ظهوره عن تزاوج الذكاء الاصطناعي مع علوم الأعصاب والهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية والروبوتات، بما قد يجعل الإنسان قادرًا على إطالة عمره بصورة غير مسبوقة، وربما على نقل بعض مظاهر وجوده إلى الفضاء الرقمي.
الخلود الرقمي
الحقيقة أن رغبة الإنسان في التغلب على الموت ليست جديدة، فمنذ أساطير بداية الخلق والإنسان يبحث عن طريقة ما تتيح له أن يتجاوز نهايته. فالأديان وعدته بالخلود في عالم آخر، والأساطير تحكي عن آلهة لا تموت، والأدب يحاول بالكلمات أن يمنح البشر حياة ثانية.
والجديد في عصرنا أن الحلم القديم بدأ يتحول، في نظر الكاتب، من وعد ميتافيزيقي إلى مشروع علمي، لذلك يبدو هذا الكتاب امتدادا لما جاء في أعمال ألكسندر السابقة، وخصوصًا كتابه «موت الموت»، لكن مع انتقال تركيزه من الطب والتكنولوجيا الحيوية إلى الذكاء الاصطناعي، حيث يراه القوة التي تربط بين مختلف التقنيات، وتسرّع تطورها، وتشارك في اكتشاف أدوية وطرق علاج جديدة لفهم الجسم والدماغ.
والخلود الذي يتصوره الكتاب ليس خلود الجسد كما نعرفه. فهناك فرق بين أن نعيش مئات السنين بفضل إبطاء الشيخوخة أو علاج الأمراض، وبين أن يصبح بالإمكان الاحتفاظ بعناصر أساسية من شخصيتنا وذاكرتنا ومشاعرنا في صورة رقمية بعد انتهاء الجسد، هنا يظهر مفهوم «الخلود الرقمي»، أو ما يمكن تسميته بالانتقال من الإنسان البيولوجي إلى أثر رقمي قادر على الاستمرار. فبدل أن يكون الموت لحظة اختفاء كامل، يمكن أن يصبح مجرد انتقال من نمط وجود إلى نمط آخر. لكن لو صنعت تقنية ما نسخة رقمية كاملة من إنسان مات، تستطيع أن تتحدث بصوته، وتروي ذكرياته، وتستعيد مواقفه، وتجيب عن الأسئلة بالطريقة التي كان سيجيب بها، فهل يكون قد عاد إلى الحياة؟
الإجابة بالطبع ليست سهلة، قد يكون ذلك الإنسان قد انتهى، لكن شيئًا ما يشبهه يستمر. وهنا يتحول الخلود، من خلود الإنسان إلى خلود المعلومات الخاصة به.
لكن الإنسان ليس مجرد مجموع بياناته، إنسانيته مرتبطة بالجسد، وبالزمن، وبالألم، وبالتجربة، والذاكرة نفسها تتغير، فنحن نعيد اختراع الأشياء كلما تذكرناها. فهل تستطيع الآلة أن تفعل كل ذلك؟
ثمن الخلود
يهتم الكتاب بالدور الذي يلعبه كبار الأثرياء في الدفع بهذا الاتجاه، فالحلم بالخلود أصبح مشروعًا لدى رجال يمتلكون مليارات الدولارات وشركات تستطيع توجيه مليارات أخرى نحو البحث العلمي، وهنا تظهر أسماء مثل إيلون ماسك، وجيف بيزوس، وبيل جيتس وغيرهم، إلى جانب عالم شركات الذكاء الاصطناعي الذي أصبح يمثل قوة اقتصادية وسياسية ومعرفية هائلة.
إن مليارديرات الذكاء الاصطناعي يريدون إرجاء الموت، بينما تتجه التكنولوجيا نحو عالم ما بعد إنساني، فإذا أصبح الخلود ممكنا، سيكون متاحا فقط لمن يملك ثمنه، وبالتالي تتحول تقنياته إلى أعظم أداة لإعادة إنتاج التفاوت بين البشر، بامتداد التاريخ. فقد يصبح لدينا بشر يعيشون قرنًا أو قرنين، وآخرون يظلون أسرى متوسط العمر البيولوجي الحالي، وحينها قد يثور الجدل حول توزيع الزمن، قد يصبح أغنى إنسان هو ذلك الذي يملك سنوات أكثر من غيره.
سكان بومبي
يشبه لوران ألكسندر مجتمعاتنا بسكان بومبي قبل بركان فيزوف. فالبركان هنا تسارع تكنولوجي هائل لا تبدو المؤسسات السياسية والاجتماعية والأخلاقية مستعدة له، لأن المشكلة، وفق هذا التصور، أن التكنولوجيا ستأتي بسرعة تفوق قدرة المجتمعات على استيعاب آثارها.
هنا يستند ألكسندر إلى تصور متشائم حول سرعة التحول. فمثلا يرى "سام ألتمان" أنه في حدود عام 2038، سوف تمثل الذكاء البشري نسبة ضئيلة جدًا مقارنة بإجمالي الذكاء على الأرض. وذلك يدفع إلى التفكير في احتمال أن تكون علاقتنا الحالية بالذكاء الاصطناعي مجرد المرحلة الأولى، فالتحول الحقيقي يحدث عندما يصبح الاعتماد على الآلة هو القاعدة، ويصبح التفكير البشري المستقل استثناءً.
أنا رقمي إذن أنا موجود
يتعامل الكتاب مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قوة حضارية يمكن أن تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والزمن والجسد والمعرفة، لكن بعض التنبؤات المستقبلية تبدو شديدة الثقة، فالفارق بين الممكن علميًا، والمتوقع تقنيًا، والمتحقق فعليًا، كبير جدًا. والمستقبل لا يتحرك وفق قانون تقني وحده؛ فهناك الاقتصاد والسياسة والقوانين والثقافة والمقاومة الاجتماعية والأخلاق. كما أن الحديث عن «الخلود» يحتاج إلى قدر أكبر من التمييز بين أنواع مختلفة منه، مثل إطالة العمر البيولوجي، وإيقاف بعض مظاهر الشيخوخة، واستبدال أجزاء من الجسد، وزيادة القدرات العقلية، وحفظ الذاكرة رقميًا، ومحاكاة الشخصية.
ولعل العبارة التي تضعها المنظمة العربية للترجمة في تقديمها للكتاب: «أنا رقمي إذن أنا موجود»، تختصر فكرة الكتاب، فهل وجود البيانات هو وجود الإنسان؟ إذا بقيت صورنا ورسائلنا وكتاباتنا وأصواتنا ومقاطع الفيديو الخاصة بنا بعد موتنا، فنحن بالفعل نترك وراءنا «نسخة» رقمية منا. وإذا استطاع الذكاء الاصطناعي أن يتعلم أسلوبنا في الكلام والتفكير، فقد يصبح قادرًا على إنتاج شخصية رقمية شديدة الشبه بنا، لكن ذلك ليس خلودا للإنسان نفسه بقدر ما هو امتداد لأثره. وهنا يلتقي الكتاب بالأدب والفلسفة أكثر مما يلتقي بالتكنولوجيا.
وأخيرا فإذا كان الهدف هو أن يعيش الإنسان حياة أطول وأكثر صحة وحرية، فإن التكنولوجيا تستطيع أن تكون واحدة من أعظم أدوات التحرر في تاريخ البشرية، أما إذا تحول الخلود إلى محاولة للهروب من الموت، فقد نجد أنفسنا أمام عالم شديد التقدم تقنيًا، لكنه أكثر فقرًا في المعنى، فالخلود، في النهاية، ليس مجرد أن يستمر وجودنا إلى ما لا نهاية؛ بل أن يكون لهذا الوجود معنى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...