غانية ملحيس - إلى مصطفى النبيه… وإلى غزة التي لم نتخلَّ عنها

قرأت مقالك كمن يصغي إلى شخص يحاول أن يتنفس وسط ركام لا ينتهي. وربما لهذا السبب تحديدا يصعب الرد عليك؛ لأن بعض النصوص لا تحتاج إلى تفنيد بقدر ما تحتاج إلى أن نضع بجانبها كلمة أخرى، لا لتناقضها، بل لتفتح نافذة في الجدار الذي أغلقه الألم.
أفهم تماما ذلك الشعور الذي تصفه: أن ترى كل هذا الخراب، وأن تكتب من داخله، وأن تشعر بأن قدرتك على الفعل أقل بكثير من حجم المأساة، وأن يصبح العجز حملا أثقل من قدرة العقل والقلب على الاحتمال، وأن يتحول هذا العجز إلى سؤال أخلاقي ثقيل: ماذا فعلنا؟ وكيف نستطيع أن نعيش بينما هناك من يُسحق أمام أعيننا؟
لكنني أريد أن أقول لك، ولغزة، شيئًا آخر. ما يبدو أحيانا تخلّيا عن غزة، أو فتورا تجاه ما يجري فيها، وما يمتد إلى مخيمات وقرى وبادية الضفة الغربية، أو حتى ابتعادا عنها، قد لا يكون دائما تخلّيا بالمعنى الذي نتصوره.
قد يكون تيها أكثر منه مقصدا. وقد يكون عجزا، أو إنهاكا، أو خوفا، أو فقدانا للبوصلة، أو انكسارا أمام مأساة أكبر من قدرة الناس على الفهم والاحتمال.
وهذا لا يجعل الصمت بريئا، ولا يجعل الابتعاد أمرا يمكن تبريره. لكنه يجعلنا أكثر حذرا قبل أن نحكم على كل من ابتعد بأنه اختار الابتعاد.
ثم إن هناك خطأ آخر قد نقع فيه ونحن نحاول قراءة فلسطين: أن نختصر الشعب الفلسطيني في الطبقة السياسية المهيمنة على المشهد، أو أن نسمح لصورة الفصائل والقيادات والخلافات السياسية بأن تحجب عنا فلسطين نفسها.
غزة ليست طبقتها السياسية، وفلسطين ليست من يهيمن على صورتها السياسية أو يتحدث باسمها. فلسطين أوسع من الفصيل، وأوسع من القيادة، وأوسع من الخطاب الذي يتحدث باسمها.
فلسطين هي الطفل الذي يرفع يده داخل الخيمة، كما قلتَ أنت.
وهي الأم التي تحاول أن تصنع من المستحيل يومًا عاديًا لأطفالها.
وهي المعلم الذي يعود إلى التعليم فوق الركام.
وهي العامل، والطبيب، والطالب، والنازح، والشاب الذي يريد أن يحب ويتزوج ويبني بيتا، والطفلة التي تريد أن ترسم شجرة بدلًا من أن ترسم خريطة للدمار.
وهي الجدّة التي ما تزال تحفظ أسماء البيوت والقرى.
وهي اللاجئ الذي يتطلع إلى العودة.
وهي الفلسطيني الأصلاني الصامد في أرضه الذي يسبق وجوده المستعمرة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية بقرون، ويواجه واقعا قانونيا وسياسيا يستثنيه من المواطنة.
هؤلاء هم فلسطين التي يجب ألا نسمح لأحد أن يحجبها عنا.
وهو الفلسطيني الذي قد يختلف مع هذه القيادة أو تلك، ويرفض هذا الخطاب أو ذاك، لكنه لا يتخلى عن حقه في المكان والحياة والحرية والكرامة وتقرير المصير.
لأن اختزال الفلسطيني في صورته السياسية ظلم آخر يضاف إلى كل ما يتعرض له. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن اختزال الفلسطيني في ممثله السياسي يضاعف الظلم عليه: مرة حين يُحاصر ويُقتل ويُهجّر، ومرة حين يُطلب منه أن يدفع ثمن صورة سياسية لم يخترها بالضرورة، أو أن يُقرأ كله من خلالها.
ولذلك ربما نحتاج، وسط كل هذا الألم، إلى أن نفصل بين فلسطين وبين من يهيمن على صورتها السياسية، وبين الشعب وبين من يتحدث باسمه، وبين حق الإنسان الفلسطيني في الحياة والكرامة وبين كل الحسابات التي تحيط بهذا الحق.

يا مصطفى

أنت تقول إننا «شبعنا أخلاقًا وكرامةً وعدلًا يُقال ولا يُرى». وأظن أن هذه الجملة تختصر شيئًا عميقًا في وجعنا جميعًا: التعب من الكلام حين يصبح الكلام بديلا عن الفعل. لكن هناك شيء لا ينبغي أن نسمح له بأن يضيع وسط هذا التعب: ألا يتحول عجزنا عن تغيير الواقع إلى فقدان للقدرة على رؤيته بوضوح.
أن نرى الطفل، لا الشعار.
أن نرى الإنسان، لا الصورة السياسية.
أن نرى فلسطين التي يعيشها أهلها، لا فلسطين التي تتنافس القوى على تمثيلها.
وأن نفهم أيضًا أن الذين تاهوا في الطريق ليسوا بالضرورة قد اختاروا الطريق الآخر. ربما أكثرهم لم يتخلَّ عن غزة؛ ربما لم يعد يعرف كيف يصل إليها. وربما هذه هي المأساة الأخرى التي لا تظهر في الصور: أن كثرة الخراب لا تقتل الأشياء وحدها، بل تربك المعاني أيضًا؛ تجعل الإنسان يسأل نفسه: ماذا أفعل؟ أين أقف؟ ماذا يمكن أن يصنع صوتي؟ وهل يكفي أن أبكي؟ وهل يكفي أن أكتب؟ وهل يكفي أن أواصل حياتي بينما هناك من لا يستطيع مواصلتها.
لا أملك جوابا شافيا لهذه الأسئلة. لكنني أظن أن جوابا واحدا يجب أن يبقى حاضرا: أن نحاول أن نعيش لا يعني أننا نسينا من لا يستطيعون العيش.
وأن نتمسك بالحياة لا يعني أننا تصالحنا مع الموت.
وأن نختلف سياسيًا لا يعني أننا اختلفنا على حق شعب في أن يكون موجودًا.
ربما الحياة التي تتحدث عنها في نهاية مقالك ليست مجرد استمرار الأيام.
ربما هي أيضًا أن نرفض أن يُختصر الفلسطيني في موته، وأن تُختصر فلسطين في مأساتها، وأن يُختصر العالم كله في عجزه.
يا مصطفى،
أعرف أن الكلمات قليلة أمام ما رأيتموه وما تعيشونه. وأعرف أن من يجلس بعيدا لا يملك الحق في أن يطلب ممن يعيشون تحت النار أن يكونوا أقوياء طوال الوقت. لكنني أريد أن أقول لك إن محاولتكم للحياة ليست أمرًا صغيرًا.
ولذلك، حين تقول: «لن نسمح لمن تسبب بموتنا أن يكتب نهايتنا»، أشعر أن هذه ليست فقط عبارة عن الصمود. إنها أيضًا استعادة للحق في تعريف أنفسكم. أنتم لستم موتكم. ولستم ركام بيوتكم. ولستم أرقامًا في نشرات الأخبار. ولستم صورة سياسية واحدة.
أنتم بشر يحاولون أن يعيشوا. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لعبارة «نحاول أن نعيش»: لا يعني ذلك أننا نسينا الموت، أو سامحنا من تسبب به، أو لم نعد نرى الخراب؛ بل يعني أننا نرفض أن يكون الخراب هو التعريف الأخير لنا
وأقول لك، يا مصطفى، ولأهل غزة: لا تجعلوا تيه الآخرين دليلًا على أنهم تخلوا عنكم جميعًا.
قد يكون بعضنا تائهًا، أو صامتًا، أو خائفًا، أو عاجزًا. لكن فلسطين لا تُقاس فقط بعدد الأصوات المرتفعة من أجلها؛ هناك حب صامت، وذاكرة لا تنطفئ، وألم لا يجد لغة، وأناس بعيدون يشعرون أنهم عاجزون عن الوصول إليكم، لكنهم لم يخرجوا من الحكاية.
لا، لم تنتهِ الحكاية.
ليس لأننا نملك وعدًا بأن الغد سيكون سهلًا، ولا لأن الخراب قليل، ولا لأن العالم كان عادلًا. بل لأن الإنسان، حتى في أقصى لحظات انكساره، يستطيع أن يرفض أن تكون نهايته مكتوبة بيد غيره. ونحن، مهما تاه بنا الطريق، لا نريد أن نتخلى عن غزة. نريد فقط أن نجد الطريق إليها من جديد.

ليس الأمل الساذج، بل الإنسان نفسه. ولهذا، نعم، نحاول أن نعيش. ونحاول، في الوقت نفسه، أن نتذكر لماذا يجب أن تبقى الحياة ممكنة لنا جميعا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...