تمرّ اليوم ذكرى رحيل الصديق الحبيب، زميل الدراسة والعمل الوطني والنضال، الفنان المسرحي المبدع الكبير خالد الطريفي.
أستعيده اليوم، فلا تأتيني صورته من سنوات الشهرة، ولا من الجوائز والمهرجانات، ولا من قاعات التدريس التي وقف فيها أستاذًا أمام أجيال من طلبة المسرح.
تعود الصورة أبعد من ذلك.
القاهرة، منتصف السبعينيات.
شاب قادم من الأردن ليدرس الفن.
في الصباح، يدخل المعهد العالي للفنون المسرحية. قاعات تمثيل، حركة، صوت، نصوص، أساتذة، وبروفات تمتد ساعات.
وفي المساء يتغير المكان.
مقر الاتحاد العام لطلبة فلسطين.
وجوه فلسطينية شابة جاءت من المنافي والمخيمات والبلدان العربية. نقاشات لا تنتهي: فلسطين، الثورة، منظمة التحرير، ما يجري في الأرض المحتلة، وما يحدث في العواصم العربية.
بين المكانين كان يتحرك خالد.
بين المسرح والسياسة.
لكننا، في ذلك الزمن، لم نكن نراهما عالمين منفصلين.
اتحاد طلبة فلسطين لم يكن مجرد إطار طلابي يقدم الخدمات للدارسين. كان مدرسة سياسية وثقافية ووطنية، خرجت من فضائها أجيال لعب كثير من أبنائها أدوارًا لاحقة في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية.
وكان الفن حاضرًا هناك أيضًا.
مسرح، موسيقى، سينما، شعر، أغنية، ملصق سياسي.
لم نكن نسأل: هل هذا فن أم سياسة؟
كان السؤال: ماذا يستطيع الفن أن يفعل؟
ومن ذلك المناخ خرجت تجارب مسرحية طلابية مبكرة. وكان خالد مع فتحي عبد الرحمن ونادر عمران ووليد عبد السلام وآخرين يبحثون، وهم ما يزالون طلابًا، عن مسرح لا يعيش داخل جدران المعهد وحدها.
«العروسة» كانت واحدة من تلك البدايات.
لم تكن المسألة إنتاج عرض مسرحي وحسب.
كان هناك جيل يكتشف أن الخشبة يمكن أن تصبح مكانًا آخر لفلسطين.
ثم تتغير القاهرة.
زيارة السادات إلى إسرائيل.
الغضب يتصاعد في أوساط الطلبة الفلسطينيين.
مظاهرات. اعتصامات. أصوات في الشارع.
وخالد بينهم.
الطالب الذي كان قبل ساعات في قاعة المسرح أصبح في مواجهة سياسية مباشرة.
ثم...
السجن.
تختفي قاعة التمثيل.
تختفي الخشبة.
باب حديدي يُغلق.
خالد وعدد من زملائه الطلبة الفلسطينيين يُعتقلون بسبب نشاطهم وموقفهم السياسي.
ثم يأتي القرار:
الترحيل.
لم يعد السؤال أين ستكون البروفة المقبلة.
أصبح السؤال: إلى أين نذهب؟
---
بغداد.
مدينة أخرى.
معهد آخر.
يصل خالد مع عدد من زملائه الذين أُبعدوا من مصر، ويستكمل دراسته المسرحية.
لكن خالد الذي دخل معهد الفنون في بغداد لم يكن خالد نفسه الذي دخل معهد المسرح في القاهرة.
بين المعهدين كانت هناك زنزانة.
وكان هناك موقف دُفع ثمنه.
في بغداد تتعمق المعرفة: التمثيل، الإخراج، النص، الفضاء المسرحي، مدارس المسرح وأسئلته.
وفي عام 1979 يتخرج خالد متخصصًا في المسرح.
شهادة جامعية في اليد.
وكان الطريق الطبيعي أن يبدأ البحث عن مسرح، وظيفة، استقرار.
لكن جيلنا آنذاك كان يرى الخريطة بطريقة مختلفة.
كانت هناك مدينة تجذب كثيرًا من الفلسطينيين والعرب الذين أرادوا أن يكونوا قريبين من مركز الفعل.
بيروت.
---
بيروت في نهاية السبعينيات لم تكن بالنسبة إلينا مجرد عاصمة عربية.
كانت الحلقة المركزية للنضال الفلسطيني.
هناك قيادة الثورة.
هناك مؤسسات منظمة التحرير.
هناك الصحافة والإذاعة والسينما والمسرح والفن التشكيلي والأغنية.
وهناك، قبل كل شيء، المخيمات.
صبرا.
شاتيلا.
برج البراجنة.
تل الزعتر الذي بقي جرحه مفتوحًا في الذاكرة.
أماكن مكتظة بالبشر وبالحكايات وبفلسطين التي خرجت من أرضها وظلت تحمل مفاتيح بيوتها.
إلى هناك ذهب خالد.
ولم يذهب وحده.
ذهب فنانون ومسرحيون وموسيقيون وكتاب اختاروا أن يكون عملهم الثقافي جزءًا من ذلك المشروع الوطني.
في المخيم يتغير معنى المسرح.
لا توجد تلك المسافة المريحة بين الفنان والجمهور.
الممثل قد يسكن إلى جوار من يشاهده.
والطفل الذي يجلس في الصف الأول قد تراه في اليوم التالي يحمل الماء إلى بيته.
والمرأة التي تصفق للمسرحية تحمل في ذاكرتها قرية تركتها عائلتها سنة 1948.
هنا يصبح الفن الشعبي شيئًا آخر.
والمسرح شيئًا آخر.
والجمهور شيئًا آخر.
عمل خالد ورفاقه في النشاط الفني والثقافي داخل المخيمات: مسرح، فن شعبي، نشاط جماهيري، وتعبئة وطنية.
ولم يكن خالد يعلّم الناس المسرح فقط.
كان الناس يعيدون تعليم خالد معنى المسرح.
المخيم عمّق وعيه السياسي.
لكن، وهذا ما أراه أكثر أهمية، عمّق وعيه الثقافي والفني والجماهيري.
هناك اكتشف الفنان أن الجمهور ليس مجموعة مقاعد أمام الخشبة.
الجمهور حياة كاملة.
ذاكرة.
خوف.
حلم.
وغضب.
وأن المسرح، إذا لم يعرف لمن يتحدث، يصبح مجرد أصوات فوق خشبة.
---
ثم...
1982.
تدخل الحرب إلى الكادر.
بيروت تحت القصف.
المخيمات تحت النار.
الثورة الفلسطينية أمام واحدة من أقسى لحظاتها.
وفي مكان ما، وسط ذلك كله، ما زال هناك فنانون يفكرون في عرض، وبروفة، ونص، ومسرح.
قد تبدو الصورة اليوم غير معقولة:
مدينة تُقصف...
وفنانون يتدربون.
لكن بالنسبة إلينا لم يكن ذلك تناقضًا.
كان الفن نفسه جزءًا من محاولة البقاء.
ثم خرجت منظمة التحرير من بيروت.
وتفرّق كثيرون ممن جمعتهم تلك السنوات.
عمّان.
يعود خالد.
لكن أي خالد عاد؟
ليس الطالب الذي غادر قبل سنوات بحثًا عن دراسة المسرح.
عاد رجلًا مرّ بالقاهرة وبغداد وبيروت.
مرّ بالمعهد، وباتحاد الطلبة، وبالسجن، وبالإبعاد.
مرّ بالثورة والمخيم والحرب.
وعاد يحمل كل ذلك داخله.
ومن هنا، ربما، يجب أن نقرأ تجربة خالد الطريفي اللاحقة في المسرح الأردني.
مشاركته في تأسيس مسرح الفوانيس، ثم تجاربه في الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا، واشتغاله على التراث والفرجة الشعبية، ثم التدريس وتكوين أجيال جديدة من المسرحيين...
لم تبدأ هذه التجربة من الصفر في عمّان.
كان وراءها طريق طويل.
القاهرة أعطته السؤال.
السجن أعطاه ثمن الموقف.
بغداد أعطته المعرفة.
بيروت أعطته التجربة.
والمخيم أعطاه الجمهور.
وعندما عاد إلى عمّان، جمع كل ذلك على الخشبة.
ولهذا، عندما أقرأ اليوم سيرة خالد الطريفي في بعض ما يُكتب عنه، أشعر أن شيئًا أساسيًا يغيب.
نقرأ أسماء المسرحيات.
نقرأ الجوائز.
نقرأ المهرجانات.
نقرأ أنه ممثل ومخرج وأستاذ مسرح.
لكن أين ذلك الشاب الذي خرج من المعهد إلى مقر اتحاد طلبة فلسطين؟
أين المعتقل؟
أين المُبعَد؟
أين الفنان الذي قرر بعد التخرج ألا يبحث عن الطريق الأسهل، بل أن يذهب إلى بيروت؟
أين سنوات المخيم؟
وأين تلك التجربة التي صنعت رؤيته للإنسان وللجمهور وللمسرح؟
هذه ليست حواشي في سيرة خالد الطريفي.
هذه هي السيرة.
وجيل خالد الطريفي، وفتحي عبد الرحمن، ونادر عمران، ووليد عبد السلام، وغيرهم، يحتاج إلى أن نعود إليه من جديد.
لا لنجمع أسماء أعمالهم فقط.
بل لنسأل:
كيف وُلد ذلك المسرح؟
كيف انتقل الفن من قاعات الدراسة إلى اتحادات الطلبة، ومن اتحادات الطلبة إلى الشارع، ومن الشارع إلى السجن، ومن السجن إلى المنفى، ومن المنفى إلى المخيم، ثم عاد بعد كل ذلك إلى الخشبة؟
ربما عندها فقط نفهم لماذا كان المسرح بالنسبة إلى خالد ورفاقه أكثر من مهنة.
كان طريقة لفهم العالم.
وطريقة للمشاركة في تغييره.
اليوم، في ذكرى رحيلك يا خالد، أبحث عنك فلا أجدك في صورة واحدة.
أراك شابًا في القاهرة.
ثم يختفي الكادر خلف باب السجن.
يفتح من جديد في بغداد.
ثم أراك في بيروت، بين المخيمات والفنانين والمقاتلين والأطفال.
ثم عمّان.
خشبة مضاءة.
طلاب ينتظرون أستاذهم.
يدخل خالد الطريفي.
ربما لم يعرف بعضهم كل الطرق التي قطعها الرجل الواقف أمامهم قبل أن يصل إلى تلك القاعة.
لكن شيئًا من القاهرة...
وشيئًا من بغداد...
وشيئًا كثيرًا من بيروت والمخيم...
كان يدخل معه إلى المسرح كل مرة.
وهكذا أحب أن أتذكرك يا خالد.
لا كصورة معلقة على جدار الذاكرة،
بل رفيقًا ما زال يمشي في ذلك الطريق.
من الخشبة إلى الشارع...
ومن الشارع إلى الوطن...
ثم يعود إلى الخشبة من جديد.
ستبقى خالد ياخالد
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
21/9/2026
أستعيده اليوم، فلا تأتيني صورته من سنوات الشهرة، ولا من الجوائز والمهرجانات، ولا من قاعات التدريس التي وقف فيها أستاذًا أمام أجيال من طلبة المسرح.
تعود الصورة أبعد من ذلك.
القاهرة، منتصف السبعينيات.
شاب قادم من الأردن ليدرس الفن.
في الصباح، يدخل المعهد العالي للفنون المسرحية. قاعات تمثيل، حركة، صوت، نصوص، أساتذة، وبروفات تمتد ساعات.
وفي المساء يتغير المكان.
مقر الاتحاد العام لطلبة فلسطين.
وجوه فلسطينية شابة جاءت من المنافي والمخيمات والبلدان العربية. نقاشات لا تنتهي: فلسطين، الثورة، منظمة التحرير، ما يجري في الأرض المحتلة، وما يحدث في العواصم العربية.
بين المكانين كان يتحرك خالد.
بين المسرح والسياسة.
لكننا، في ذلك الزمن، لم نكن نراهما عالمين منفصلين.
اتحاد طلبة فلسطين لم يكن مجرد إطار طلابي يقدم الخدمات للدارسين. كان مدرسة سياسية وثقافية ووطنية، خرجت من فضائها أجيال لعب كثير من أبنائها أدوارًا لاحقة في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية.
وكان الفن حاضرًا هناك أيضًا.
مسرح، موسيقى، سينما، شعر، أغنية، ملصق سياسي.
لم نكن نسأل: هل هذا فن أم سياسة؟
كان السؤال: ماذا يستطيع الفن أن يفعل؟
ومن ذلك المناخ خرجت تجارب مسرحية طلابية مبكرة. وكان خالد مع فتحي عبد الرحمن ونادر عمران ووليد عبد السلام وآخرين يبحثون، وهم ما يزالون طلابًا، عن مسرح لا يعيش داخل جدران المعهد وحدها.
«العروسة» كانت واحدة من تلك البدايات.
لم تكن المسألة إنتاج عرض مسرحي وحسب.
كان هناك جيل يكتشف أن الخشبة يمكن أن تصبح مكانًا آخر لفلسطين.
ثم تتغير القاهرة.
زيارة السادات إلى إسرائيل.
الغضب يتصاعد في أوساط الطلبة الفلسطينيين.
مظاهرات. اعتصامات. أصوات في الشارع.
وخالد بينهم.
الطالب الذي كان قبل ساعات في قاعة المسرح أصبح في مواجهة سياسية مباشرة.
ثم...
السجن.
تختفي قاعة التمثيل.
تختفي الخشبة.
باب حديدي يُغلق.
خالد وعدد من زملائه الطلبة الفلسطينيين يُعتقلون بسبب نشاطهم وموقفهم السياسي.
ثم يأتي القرار:
الترحيل.
لم يعد السؤال أين ستكون البروفة المقبلة.
أصبح السؤال: إلى أين نذهب؟
---
بغداد.
مدينة أخرى.
معهد آخر.
يصل خالد مع عدد من زملائه الذين أُبعدوا من مصر، ويستكمل دراسته المسرحية.
لكن خالد الذي دخل معهد الفنون في بغداد لم يكن خالد نفسه الذي دخل معهد المسرح في القاهرة.
بين المعهدين كانت هناك زنزانة.
وكان هناك موقف دُفع ثمنه.
في بغداد تتعمق المعرفة: التمثيل، الإخراج، النص، الفضاء المسرحي، مدارس المسرح وأسئلته.
وفي عام 1979 يتخرج خالد متخصصًا في المسرح.
شهادة جامعية في اليد.
وكان الطريق الطبيعي أن يبدأ البحث عن مسرح، وظيفة، استقرار.
لكن جيلنا آنذاك كان يرى الخريطة بطريقة مختلفة.
كانت هناك مدينة تجذب كثيرًا من الفلسطينيين والعرب الذين أرادوا أن يكونوا قريبين من مركز الفعل.
بيروت.
---
بيروت في نهاية السبعينيات لم تكن بالنسبة إلينا مجرد عاصمة عربية.
كانت الحلقة المركزية للنضال الفلسطيني.
هناك قيادة الثورة.
هناك مؤسسات منظمة التحرير.
هناك الصحافة والإذاعة والسينما والمسرح والفن التشكيلي والأغنية.
وهناك، قبل كل شيء، المخيمات.
صبرا.
شاتيلا.
برج البراجنة.
تل الزعتر الذي بقي جرحه مفتوحًا في الذاكرة.
أماكن مكتظة بالبشر وبالحكايات وبفلسطين التي خرجت من أرضها وظلت تحمل مفاتيح بيوتها.
إلى هناك ذهب خالد.
ولم يذهب وحده.
ذهب فنانون ومسرحيون وموسيقيون وكتاب اختاروا أن يكون عملهم الثقافي جزءًا من ذلك المشروع الوطني.
في المخيم يتغير معنى المسرح.
لا توجد تلك المسافة المريحة بين الفنان والجمهور.
الممثل قد يسكن إلى جوار من يشاهده.
والطفل الذي يجلس في الصف الأول قد تراه في اليوم التالي يحمل الماء إلى بيته.
والمرأة التي تصفق للمسرحية تحمل في ذاكرتها قرية تركتها عائلتها سنة 1948.
هنا يصبح الفن الشعبي شيئًا آخر.
والمسرح شيئًا آخر.
والجمهور شيئًا آخر.
عمل خالد ورفاقه في النشاط الفني والثقافي داخل المخيمات: مسرح، فن شعبي، نشاط جماهيري، وتعبئة وطنية.
ولم يكن خالد يعلّم الناس المسرح فقط.
كان الناس يعيدون تعليم خالد معنى المسرح.
المخيم عمّق وعيه السياسي.
لكن، وهذا ما أراه أكثر أهمية، عمّق وعيه الثقافي والفني والجماهيري.
هناك اكتشف الفنان أن الجمهور ليس مجموعة مقاعد أمام الخشبة.
الجمهور حياة كاملة.
ذاكرة.
خوف.
حلم.
وغضب.
وأن المسرح، إذا لم يعرف لمن يتحدث، يصبح مجرد أصوات فوق خشبة.
---
ثم...
1982.
تدخل الحرب إلى الكادر.
بيروت تحت القصف.
المخيمات تحت النار.
الثورة الفلسطينية أمام واحدة من أقسى لحظاتها.
وفي مكان ما، وسط ذلك كله، ما زال هناك فنانون يفكرون في عرض، وبروفة، ونص، ومسرح.
قد تبدو الصورة اليوم غير معقولة:
مدينة تُقصف...
وفنانون يتدربون.
لكن بالنسبة إلينا لم يكن ذلك تناقضًا.
كان الفن نفسه جزءًا من محاولة البقاء.
ثم خرجت منظمة التحرير من بيروت.
وتفرّق كثيرون ممن جمعتهم تلك السنوات.
عمّان.
يعود خالد.
لكن أي خالد عاد؟
ليس الطالب الذي غادر قبل سنوات بحثًا عن دراسة المسرح.
عاد رجلًا مرّ بالقاهرة وبغداد وبيروت.
مرّ بالمعهد، وباتحاد الطلبة، وبالسجن، وبالإبعاد.
مرّ بالثورة والمخيم والحرب.
وعاد يحمل كل ذلك داخله.
ومن هنا، ربما، يجب أن نقرأ تجربة خالد الطريفي اللاحقة في المسرح الأردني.
مشاركته في تأسيس مسرح الفوانيس، ثم تجاربه في الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا، واشتغاله على التراث والفرجة الشعبية، ثم التدريس وتكوين أجيال جديدة من المسرحيين...
لم تبدأ هذه التجربة من الصفر في عمّان.
كان وراءها طريق طويل.
القاهرة أعطته السؤال.
السجن أعطاه ثمن الموقف.
بغداد أعطته المعرفة.
بيروت أعطته التجربة.
والمخيم أعطاه الجمهور.
وعندما عاد إلى عمّان، جمع كل ذلك على الخشبة.
ولهذا، عندما أقرأ اليوم سيرة خالد الطريفي في بعض ما يُكتب عنه، أشعر أن شيئًا أساسيًا يغيب.
نقرأ أسماء المسرحيات.
نقرأ الجوائز.
نقرأ المهرجانات.
نقرأ أنه ممثل ومخرج وأستاذ مسرح.
لكن أين ذلك الشاب الذي خرج من المعهد إلى مقر اتحاد طلبة فلسطين؟
أين المعتقل؟
أين المُبعَد؟
أين الفنان الذي قرر بعد التخرج ألا يبحث عن الطريق الأسهل، بل أن يذهب إلى بيروت؟
أين سنوات المخيم؟
وأين تلك التجربة التي صنعت رؤيته للإنسان وللجمهور وللمسرح؟
هذه ليست حواشي في سيرة خالد الطريفي.
هذه هي السيرة.
وجيل خالد الطريفي، وفتحي عبد الرحمن، ونادر عمران، ووليد عبد السلام، وغيرهم، يحتاج إلى أن نعود إليه من جديد.
لا لنجمع أسماء أعمالهم فقط.
بل لنسأل:
كيف وُلد ذلك المسرح؟
كيف انتقل الفن من قاعات الدراسة إلى اتحادات الطلبة، ومن اتحادات الطلبة إلى الشارع، ومن الشارع إلى السجن، ومن السجن إلى المنفى، ومن المنفى إلى المخيم، ثم عاد بعد كل ذلك إلى الخشبة؟
ربما عندها فقط نفهم لماذا كان المسرح بالنسبة إلى خالد ورفاقه أكثر من مهنة.
كان طريقة لفهم العالم.
وطريقة للمشاركة في تغييره.
اليوم، في ذكرى رحيلك يا خالد، أبحث عنك فلا أجدك في صورة واحدة.
أراك شابًا في القاهرة.
ثم يختفي الكادر خلف باب السجن.
يفتح من جديد في بغداد.
ثم أراك في بيروت، بين المخيمات والفنانين والمقاتلين والأطفال.
ثم عمّان.
خشبة مضاءة.
طلاب ينتظرون أستاذهم.
يدخل خالد الطريفي.
ربما لم يعرف بعضهم كل الطرق التي قطعها الرجل الواقف أمامهم قبل أن يصل إلى تلك القاعة.
لكن شيئًا من القاهرة...
وشيئًا من بغداد...
وشيئًا كثيرًا من بيروت والمخيم...
كان يدخل معه إلى المسرح كل مرة.
وهكذا أحب أن أتذكرك يا خالد.
لا كصورة معلقة على جدار الذاكرة،
بل رفيقًا ما زال يمشي في ذلك الطريق.
من الخشبة إلى الشارع...
ومن الشارع إلى الوطن...
ثم يعود إلى الخشبة من جديد.
ستبقى خالد ياخالد
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
21/9/2026