يحيى بركات - حين بدأت بريطانيا تخاف من إسرائيل على إسرائيل

تدخل الكاميرا إلى مجلس العموم البريطاني.

إد ميليباند يقف أمام النواب.

لا يبدأ بغزة.

ولا بالضفة الغربية.

ولا بالمستوطنات.

يبدأ بجدته.

يقول إنه يهودي بريطاني فخور بيهوديته، ويحكي عن جدته التي فقدت زوجها، جدّه، وستين فردًا من عائلتها على أيدي النازيين. يتذكر إسرائيل التي منحتها بيتًا، ويتذكر نفسه طفلًا يقطف البرتقال في الكيبوتس حيث عاش أقرباؤه.

لحظة شخصية جدًا.

لكن الكاميرا لا تبقى هناك.

تغادر ذاكرة العائلة إلى فلسطين اليوم.

غزة مدمرة.

وفي الضفة قرى يطرد أهلها، وبيوت تحرق، وأرض تستولي عليها المستوطنات، وأشجار تقتلع، ومستوطنون مسلحون يتحركون تحت حماية جيش الاحتلال.

وهنا يستخدم وزير خارجية بريطانيا كلمات لم نعتد سماعها بهذه الصراحة من حكومة بريطانية.

«تطهير عرقي».

«إرهاب المستوطنين».

ثم يذهب أبعد:

الاحتلال الإسرائيلي نفسه غير قانوني.

ماذا حدث لبريطانيا؟

هل استيقظ ضمير الإمبراطورية التي أعطت وعد بلفور، متأخرًا أكثر من قرن؟

هل اكتشفت لندن فجأة أن للفلسطيني أرضًا وبيتًا وحقًا؟

أم أن بريطانيا بدأت تخاف من إسرائيل...

على إسرائيل؟

ميليباند نفسه يقدم نصف الإجابة.

فالرجل الذي يستخدم هذه اللغة يعود ليؤكد ارتباطه بإسرائيل ودعمه لوجودها، وأن التجارة البريطانية مع إسرائيل داخل الخط الأخضر ستستمر، ويعلن بوضوح معارضته لحركة المقاطعة BDS.

كأنه يقول لإسرائيل:

أنا لا أحاول إسقاطك.

أنا أحاول منعك من إسقاط نفسك.

هنا يصبح القرار البريطاني أكثر تعقيدًا من أن نضعه في صندوق اسمه «صحوة أخلاقية»، أو في صندوق آخر اسمه «خديعة».

فبريطانيا التي اكتفت طويلًا ببيانات القلق والإدانة انتقلت هذه المرة إلى العقوبات والاقتصاد: حظر منتجات المستوطنات، وإجراءات ضد أفراد وشركات تسهم في النشاط الاستيطاني أو تستفيد منه، وقيود على الترويج لعقارات المستوطنات في بريطانيا.

خطوة مهمة.

وفي الاتجاه الصحيح.

لكن الكاميرا تترك لندن وتنزل إلى الأرض.

هناك يتغير معنى الكلمات.

مشروع E1 ليس بضعة آلاف من الوحدات السكنية فوق تلة.

إنه جغرافيا يعاد رسمها.

يفصل القدس الشرقية عن امتدادها الفلسطيني في الضفة الغربية، ويجعل الدولة التي ظل الغرب يعد الفلسطينيين بها منذ عقود أكثر صعوبة على الأرض.

وحين يقول بتسلئيل سموتريتش إن المشروع سيدفن فكرة الدولة الفلسطينية، يصبح السؤال محرجًا للغرب نفسه:

كيف تواصل الحديث عن حل الدولتين بينما أحد الطرفين يدفن الدولة الثانية أمامك؟

قال الغرب للفلسطيني طويلًا:

اعترف بإسرائيل.

فاوض.

انتظر.

وستأتي الدولة.

انتظر الفلسطيني.

وفي أثناء الانتظار كانت الأرض التي يفترض أن تقوم عليها دولته تختفي قطعة بعد أخرى.

لكن الاختفاء لم يعد هادئًا.

صار له دخان ونار ودم، وقرى تفرغ من أهلها، ومستوطنة تتقدم بينما تتراجع فلسطين.

وقبل القرار البريطاني بأيام، كانت هناك صورة أخرى.

ترمسعيا.

مايك هاكابي، السفير الأميركي لدى إسرائيل، والرجل المعروف بقربه التاريخي منها وبخلفيته الإنجيلية، يقف بعد اعتداءات للمستوطنين.

يتحدث عن حرق الممتلكات ودور العبادة والاستيلاء على ما ليس لهم.

ثم يستخدم الكلمة التي ظلت طويلًا بعيدة عن قاموس حلفاء إسرائيل:

إرهاب.

هاكابي لم يطلق القطار البريطاني.

كان القطار قد بدأ يتحرك قبل وصوله إلى ترمسعيا.

لكن وجوده هناك كان علامة على أن اللغة التي أحاطت بالاستيطان وحمته عقودًا بدأت تتشقق.

ثم جاء الثامن من أيلول.

بريطانيا تتحرك.

ودول أوروبية وغربية أخرى تتحرك بدرجات مختلفة.

وإسبانيا تدفع نحو إجراءات أوروبية أوسع ضد المستوطنات والمستوطنين المتطرفين.

وهنا يبدو أن إسرائيل فهمت الخطر أسرع من الآخرين.

فالقضية ليست صندوق تمر أو زجاجة نبيذ ستختفي من متجر بريطاني.

الخطر في السابقة.

ماذا يحدث عندما تتحول عبارة «المستوطنات غير قانونية» من جملة دبلوماسية إلى نتيجة اقتصادية؟

عندما يسأل البنك:

هل أمول مشروعًا مقامًا على أرض محتلة؟

ثم تسأل شركة التأمين.

وصندوق الاستثمار.

وشركة العقارات.

وسلسلة المتاجر.

عندها لا تعود المستوطنة مشكلة سياسية يصدر بشأنها بيان ثم ينتهي الأمر.

تصبح عبئًا قانونيًا واقتصاديًا على كل من يتعامل معها.

وربما لهذا جاء الرد الإسرائيلي أعنف من الأثر الاقتصادي المباشر للعقوبات.

إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية.

إجراءات ضد شخصيات بريطانية.

إبعاد بريطانيين عن مجالات من التعاون والتنسيق.

رسالة تبدو أكبر من العقوبة نفسها:

لا تجعلوا من بريطانيا بداية.

لكن الكاميرا تنتقل هذه المرة إلى داخل إسرائيل.

جدعون ليفي يفسد راحة الصورة كلها.

يقول للبريطانيين، بمعنى بالغ البساطة والقسوة:

إذا كنتم ترون تطهيرًا عرقيًا، فلماذا تعاقبون المستوطن وحده؟

ويختصر اعتراضه بجملة:

«المستوطنات هي إسرائيل، وإسرائيل هي المستوطنات».

فالمستوطن لم يشق الطريق إلى المستوطنة وحده.

ولم يمد إليها الكهرباء والماء.

ولم يضع الجيش لحراستها.

ولم يسن القوانين التي تحميها.

ولم يمول المشروع الذي نقل مئات الآلاف إلى الأرض المحتلة.

فعلت ذلك الدولة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا:

هل يمكن معاقبة اليد وترك الجسد الذي يحركها؟

وليفي يذهب أبعد.

نتنياهو لم يؤسس مشروع الاستيطان.

وسموتريتش وبن غفير لم يبتكراه.

المشروع أقدم منهم جميعًا.

وهنا نقترب من سؤال ربما يكون أكثر أهمية من العقوبات نفسها.

ماذا لو أصبح هؤلاء هم كبش الفداء؟

يرحل نتنياهو.

يختفي سموتريتش وبن غفير.

تأتي حكومة أخرى.

تهدأ اللغة.

وتعود إسرائيل التي عرفها الغرب طويلًا.

أكثر علمانية.

أكثر أناقة.

وأسهل دفاعًا عنها.

فإسرائيل لم تحصل على دعم الغرب بالقوة والمصالح واللوبيات وحدها.

لقد قدمت نفسها أيضًا إلى شعوب الغرب باعتبارها واحدة منهم.

دولة حديثة.

علمانية.

ديمقراطية.

جزيرة غربية في منطقة صُورت طويلًا في الوعي الغربي باعتبارها عالمًا من التخلف والعشائرية والاستبداد.

وكانت عبارة «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» أكثر من شعار.

كانت جسرًا إلى المواطن الغربي.

ثم تغيرت الصورة.

ظهر المستوطن المسلح.

وظهر سموتريتش وبن غفير.

وظهر وزراء يتحدثون عن التهجير.

وجاءت غزة.

ولم تعد الصورة التي بنتها إسرائيل لنفسها طوال عقود سهلة الدفاع عنها أمام شعوب ترى كل يوم ما يجري على شاشاتها.

ربما يريد جزء من الغرب إنقاذ إسرائيل من هذا الوجه.

وإعادتها لا إلى حضن حكومات الغرب، فهي لم تغادره أصلًا، بل إلى حضن شعوب الغرب.

لكن جدعون ليفي يضع إصبعه على الجرح:

ماذا لو ذهب المتطرفون وبقيت المستوطنة؟

بعد أيام، تعود الكاميرا إلى بريطانيا.

لويز هيغ، وزيرة الدولة الأولى في حكومة أندي بيرنهام، تقف أمام مؤتمر نقابات العمال.

تقول إن بريطانيا كانت بطيئة في ردها.

ثم تقول إنها لن تقف مكتوفة الأيدي بينما تتمزق العائلات الفلسطينية، ويقتل الأطفال في غزة، ويتبخر أمل حل الدولتين.

لغة لم نعتد سماعها بهذا الوضوح من هذا المستوى في الحكومة البريطانية.

لكن خلف الكلمات تظهر صورة أخرى.

بريطانيا علقت عددًا من تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، لكنها أبقت استثناء يتعلق بسلسلة الإمداد العالمية لطائرات F-35، مبررة ذلك بأمن بريطانيا وحلفائها.

لا حاجة إلى اتهام أحد بالنفاق.

تكفي الصورتان.

وزيرة تقول:

لن نقف مكتوفي الأيدي.

وفي الخلفية تبقى المصالح الأمنية والعسكرية قائمة.

بين الصورتين نعرف مقدار ما تغير...

ومقدار ما لم يتغير بعد.

لهذا لا أذهب مع جدعون ليفي إلى اعتبار العقوبات بلا جدوى.

ولا أذهب مع من يحتفل بها كأن بريطانيا انتقلت إلى الضفة الأخرى.

محدودية الخطوة لا تلغي أهميتها.

لكن أهميتها الحقيقية تبدأ من السؤال الذي فتحته.

إذا كان الاستيطان غير قانوني، فمن المسؤول عنه؟

وإذا كان الاحتلال نفسه غير قانوني، فكيف تبقى العلاقة مع الدولة التي تديره كأن شيئًا لم يكن؟

هنا ينبغي ألا يقف الفلسطيني متفرجًا.

لا نصفق لبريطانيا.

ولا نشتمها لأنها تأخرت.

نأخذها من النقطة التي وصلت إليها، وندفعها إلى النقطة التي لم ترد بعد الوصول إليها.

ومن لندن تنتقل الكاميرا إلى بروكسل.

هناك اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وهناك المادة الثانية التي تجعل احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية عنصرًا أساسيًا في العلاقة بين الطرفين.

إذا كانت أوروبا تقول إن المستوطنات غير قانونية، وتتحدث عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، يصبح السؤال مشروعًا:

متى تتحول هذه اللغة إلى سياسة تمس الامتيازات التي تحصل عليها إسرائيل من أوروبا؟

هنا يحتاج الفلسطيني إلى عمل سياسي منظم مع الحكومات والبرلمانات والنقابات والجامعات والرأي العام الأوروبي.

لا نذهب إلى أوروبا طالبين التعاطف.

نذهب إليها حاملين ما تقوله هي عن نفسها:

القانون.

حقوق الإنسان.

والاتفاقيات التي وقعتها.

وينبغي ألا ينفصل ذلك عن الحصار المالي المفروض على الفلسطينيين.

أموال المقاصة ليست مساعدة إسرائيلية.

إنها أموال فلسطينية.

واحتجازها واستخدامها أداة للعقاب السياسي والاقتصادي جزء من منظومة الاحتلال نفسها.

من الأرض إلى المال، ومن الاقتصاد إلى السياسة، القضية واحدة.

احتلال.

---

تعود الكاميرا إلى مجلس العموم.

إد ميليباند ما زال هناك.

خلفه ذاكرة جدته اليهودية التي نجت من أوروبا.

وأمامه فلسطيني يحاول اليوم النجاة على أرضه.

وبين الصورتين أكثر من قرن من السياسة البريطانية.

شيء ما تغير.

ما كان يقال في الشارع دخل البرلمان.

وما كان يسمى «عنف المستوطنين» أصبح إرهابًا.

وما كان يقدم باعتباره «خلافًا على الأرض» عاد إلى اسمه:

احتلال.

لم يحدث ذلك لأن العالم استيقظ ذات صباح أكثر عدلًا.

منذ السابع من أكتوبر، وغزة تحت النار، والصورة تخرج من تحت الركام إلى شوارع العالم وجامعاته، تغير شيء في عين العالم. وحتى الجندي والمستوطن الإسرائيلي، وهما يصوران ما يفعلان، ساهما في هدم صورة بنتها إسرائيل لنفسها طوال عقود.

كل ذلك فعل فعله.

لكن الدول لا تتحرك بالضمير وحده.

لها مصالحها وحساباتها ومخاوفها.

وربما لهذا بدأت بريطانيا تخاف من إسرائيل على إسرائيل.

قد يرحل نتنياهو.

وقد يختفي سموتريتش وبن غفير.

وقد تعود إسرائيل بوجه أكثر علمانية، ولغة أكثر هدوءًا، وربطة عنق أكثر قبولًا في عواصم الغرب.

لكن الكاميرا لا تبقى هناك.

تنزل إلى الأرض.

المستوطنة ما زالت مكانها.

والجدار مكانه.

والحاجز مكانه.

والفلسطيني ما زال ينتظر حريته.

هنا فقط نعرف إن كان العالم قد تغير فعلًا...

أم أنه غيّر الوجوه وأبقى الحكاية القديمة.

تبقى الكاميرا على الفلسطيني.

هذه المرة لا يسأل العالم أن يتعاطف معه.

يسأله سؤالًا أبسط:

إذا كنتم قد بدأتم أخيرًا ترون الاحتلال... فماذا ستفعلون به؟

يحيى بركات
22/9/2026


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...