يحيى بركات - حين أطفأت واشنطن الكاميرا… وأضاءها العرب لترامب

قرأت الخبر، فضحكت.

خمس من أكبر الشبكات التلفزيونية الأمريكية: ABC وCBS وCNN وNBC وFox News، تقرر تعليق التغطية التلفزيونية المشتركة لفعاليات الرئيس دونالد ترامب، بعد أن منع البيت الأبيض CNN من أداء دورها المقرر في نظام التغطية الصحفية المشتركة.

لم تذهب الشبكات إلى مظاهرة.

لم ترفع لافتة.

لم تطلب عشرة محللين لشرح معنى حرية الصحافة.

قالت ببساطة، بالفعل لا بالكلام: إذا كنت ستختار مَن يصورك، فلن نرسل لك مصوراً بديلاً.

وبقي مكان الكاميرا فارغاً.

وهنا ضحكت أكثر.

ليس بسبب ترامب.

بل لأنني تذكرتنا نحن.

تذكرت الشاشة العربية التي لا يكاد الرجل يغادرها منذ بدأت هذه الحرب.

أفتح التلفزيون صباحاً:

ترامب قال.

بعد ساعة:

ترامب هدد.

ظهراً:

ترامب كتب منشوراً.

مساءً:

ترامب تراجع.

ليلاً:

هل تراجع ترامب فعلاً؟

وقبل أن ننام:

مصادر أمريكية تشرح ماذا كان يقصد ترامب عندما قال إنه لم يتراجع عما تراجع عنه!

ثم تبدأ الحفلة.

مذيع.

وخبير إستراتيجي.

ومحلل عسكري.

وأستاذ علاقات دولية.

وصحفي من واشنطن.

وآخر من طهران.

وثالث من لندن.

وأمريكي يخبرنا أن ترامب يعرف تماماً ماذا يفعل.

وآخر يؤكد أن الرجل لا يعرف ماذا سيفعل بعد خمس دقائق.

والجميع يحاولون حل اللغز الكبير:

ماذا يقصد ترامب؟

كأننا أمام نص لشكسبير عُثر على صفحته الأخيرة بعد أربعة قرون.

قال إنه سيفعل.

هل سيفعل؟

قال إنه لن يفعل.

لماذا لن يفعل؟

عاد وقال إنه قد يفعل.

متى سيفعل؟

ثم لا يفعل.

فتنعقد حلقة أخرى بعنوان:

لماذا لم يفعل ترامب ما قال إنه سيفعله؟

وفي اليوم التالي يقول ترامب إنه لم يقل أصلاً إنه سيفعل.

فتبدأ الحلقة من جديد.

هذه ليست مبالغة أدبية تماماً.

خلال الأسابيع الأخيرة وحدها، تنقلت تصريحاته بشأن إيران ومضيق هرمز بين التهديد والتصعيد والحديث عن فتح المضيق وتدفق النفط والخيارات العسكرية، حتى إن منشورات مولدة بالذكاء الاصطناعي نشرها عن تدمير منشأة نفطية إيرانية أصبحت بدورها خبراً يجري تفسيره ومناقشته، مع أن الهجوم الذي صورته تلك المقاطع لم يقع.

المشكلة، في رأيي، لم تعد في ترامب وحده.

المشكلة فينا نحن الذين قررنا أن كل ما يقوله يستحق أن يتحول إلى حدث.

الرجل اكتشف شيئاً عرفه أصحاب السيرك منذ زمن بعيد:

ليس ضرورياً أن تقدم كل يوم عرضاً جديداً.

يكفي أن تجعل الجمهور ينتظر العرض.

والإعلام يقوم بالباقي.

ترامب يكتب بضعة أسطر، فنضع تحتها شريط عاجل.

يقول جملة، فنفتح الاستوديو.

يلقي تهديداً، فنحضر الخريطة.

يذكر إيران، فنحرك حاملات الطائرات على الشاشة.

يذكر هرمز، فنحسب براميل النفط.

يذكر إسرائيل، فيبدأ المحللون بقياس المسافة بين تل أبيب وطهران.

ثم يذهب الرجل لينام.

ونبقى نحن مستيقظين نحلل ما قاله قبل أن ينام.

وربما يستيقظ في الصباح، يفتح هاتفه، فيغير رأيه.

فتبدأ وردية جديدة.

عندها خطر لي سؤال أكثر إزعاجاً:

هل الإعلام ينقل ترامب، أم أن ترامب تعلّم كيف يشغّل الإعلام؟

فالتهديد الذي لا يتحول إلى صاروخ قد يتحول إلى آلاف العناوين.

والمنشور الذي لا يحتاج إلى أكثر من دقيقة لكتابته قد يحتاج إلى ساعات من البث لتحليله.

والجملة الغامضة تصبح أكثر قيمة من الجملة الواضحة، لأن الواضحة تموت بعد قراءتها، أما الغامضة فتطعم استوديو كاملاً حتى منتصف الليل.

وهنا تصبح المسألة كوميديا سوداء.

نحن، في هذه المنطقة تحديداً، لسنا بحاجة إلى كل هذا الجهد كي نكتشف أن تصريحات السياسيين ليست كتباً مقدسة.

الناس هنا عاشوا من الوعود والتهديدات والخطوط الحمراء ما يكفي لإنشاء متحف.

اسأل طفلاً فلسطينياً مَن هو ترامب، ولن يحتاج إلى خبير إستراتيجي كي يشرح لك الرجل.

لكننا، لسبب لا أفهمه، نحتاج كل مساء إلى طاولة كبيرة لنعيد اكتشافه.

وأكثر ما أثار سخريتي أن هذا يحدث في اللحظة نفسها التي وقع فيها شيء مختلف تماماً داخل الولايات المتحدة.

ترامب منع CNN وMS NOW وPolitico من البيت الأبيض. وكان الدور على CNN في التغطية التلفزيونية المشتركة للرئيس.

ماذا فعلت الشبكات الأخرى؟

كان يمكن لـABC أن تحل مكانها.

أو CBS.

أو NBC.

أو حتى Fox News.

لكنها لم تفعل.

الشبكات الخمس أعلنت أن التغطية التلفزيونية المشتركة لفعاليات الرئيس ستتوقف، وأكد رئيس الـTV Pool، وهو مدير مكتب Fox News في واشنطن، أنه لن تكون هناك شبكة بديلة.

يا للمفارقة.

في واشنطن يقول الإعلام للرئيس:

لن تختار أنت الكاميرا التي تصورك.

وفي عالمنا العربي نقول له:

لا تقلق يا سيادة الرئيس… عندنا كاميرات.

وعندنا استوديوهات.

وعندنا أقمار صناعية.

وعندنا محللون.

وعندنا وقت.

وقت كثير جداً.

هدد إيران، ونحن نشرح.

تحدث عن هرمز، ونحن نحلل.

قل إن النفط يمر، فنأتي بخبير طاقة.

قل إنه لن يمر، ونحتفظ بالخبير نفسه للحلقة التالية.

هدد بالحرب، فنفتح الخرائط.

تحدث عن السلام، فنغير عنوان الحلقة.

أما إذا كتبت منشوراً في منتصف الليل، فلا تقلق.

هناك من سيوقظ المحلل.

وأعترف أنني، من كثرة ما شاهدت، راودتني فكرة ظالمة قليلاً.

قلت:

مسكين ترامب.

لماذا يتعب نفسه ويفكر في إنشاء قناة تحمل اسمه؟

لديه قنواتنا.

ثم تذكرت قطر.

وقلت في نفسي إنني ربما ظلمتها أيضاً.

كنت أعتقد أن الطائرة الرئاسية هي أغلى هدية قدمتها للرئيس الأمريكي.

ثم فتحت الجزيرة.

وجدت ترامب على الشاشة.

انتظرت قليلاً.

بقي ترامب.

ذهبت وشربت قهوتي.

عدت.

وجدت مجموعة جديدة من المحللين…

ووجدت ترامب ما زال هناك.

فقلت:

يبدو أن الطائرة لم تكن الهدية الوحيدة.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن الجزيرة ليست وحدها، ولا قطر هي القضية.

المسألة أصبحت أوسع من محطة وأخطر من مذيع.

إنها صناعة كاملة اكتشفت أن الجملة المثيرة أرخص من التحقيق، وأن التهديد أكثر جاذبية من تفكيك المصالح التي تقف خلفه، وأن سؤال «ماذا قال ترامب؟» أسهل كثيراً من سؤال «ماذا حدث فعلاً؟».

وهكذا أصبح السياسي يعرف اللعبة.

كلما شعر أن الضوء ابتعد عنه، قال شيئاً يعيده.

والإعلام، الذي يفترض أن يراقب السلطة، يتحول أحياناً إلى مكبر صوت لها.

لا لأنه يحبها.

ولا لأنه يتآمر معها.

بل لأنه يحتاجها كي يستمر العرض.

وهذه ربما هي الخديعة الكبرى في إعلام عصرنا:

أن نعتقد أننا نراقب صاحب السلطة، بينما قد يكون هو الذي يحدد لنا كل صباح ما الذي سنناقشه حتى المساء.

واليوم، الثلاثاء 22 أيلول/سبتمبر، سيقف دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

العالم ينتظر ماذا سيقول عن إيران، وعن الحرب، وعن أوكرانيا، وعن الشرق الأوسط، وعن أمريكا وعن نفسه. وبرنامجه مزدحم أيضاً بلقاءات مع قادة من مناطق مختلفة بعد الخطاب.

أما أنا، فلست مشغولاً كثيراً بما سيقوله.

أنا مشغول بما سيحدث بعد أن يقوله.

أنظر منذ الآن إلى الاستوديوهات.

إلى الطاولات.

إلى الكراسي.

إلى الشاشات العملاقة.

وأكاد أرى أسماء الضيوف تمر أمامي.

فإذا كان بوست من بضعة أسطر يحتاج إلى حلقة كاملة...

وإذا كان تصريح في ممر يحتاج إلى خمسة محللين...

وإذا كانت جملة مرتجلة تحتاج إلى خبير عسكري وخبير نفط وخبير علاقات دولية ومراسل من واشنطن وآخر من طهران...

فيا ترى،

كم محللاً سنحتاج الليلة لتحليل خطاب كامل لترامب أمام الأمم المتحدة؟

أخشى فقط أن تنتهي الكلمة قبل أن يجدوا كراسي تكفي للجميع.

ولا تقلقوا.

إذا انتهى التحليل ولم نصل إلى نتيجة،

سيكون ترامب، على الأرجح، قد كتب بوستاً جديداً.
وعندها...

تبدأ الحلقة من أولها.

يحيى بركات
22 / 9 / 2026



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...