المقدمة
تأتي قصة “في حضرتها” ضمن المجموعة القصصية المرتقبة “كما ينبغي”[1] لعمرو مرسي.
ولا تتيح العتبة المتاحة للمجموعة معطيات كافية لبناء تصور عن عالمها الكلي؛ لذلك تقتصر الإشارة إليها على وضع القصة في سياقها الكتابي، دون تحميل عنوان المجموعة دلالات لا ينهض بها النص.
ويكتسب عنوان “في حضرتها”، في ضوء المسار السردي، دلالته من تأجيل هوية المرأة؛ إذ يحيل إلى حضور لا تتحدد صفته الاجتماعية إلا بعد انقضاء اللقاء.
فالعنوان[2] لا يسمي الشخصية ولا يكشف مقامها، وإنما يكتفي بالإشارة إلى حضورها، وهو ما يجعل العلاقة بين الحضور والهوية مفتوحة على التأويل منذ البداية.
تبدو القصة، في ظاهرها، لقاءً عابرًا على كورنيش النيل، غير أن بنيتها تتأسس على مفارقة تتكشف في النهاية: المرأة التي يلتقيها السارد ويحاورها بعفوية لا يعرف أنها ملكة إلا بعد أن تغادر، حين يظهر الخبر على الشاشات: “افتتاح المتحف الكبير بحضور ملكة من الشمال”.
وهكذا لا يأتي الكشف لتغيير مجرى الحدث، وإنما لإعادة تأويله بعد انتهائه.
وتنبع أهمية هذه المفارقة من أن النص لا يلغي الهوية الملكية للمرأة، بل يؤجل فاعلية هذه الهوية في وعي السارد؛ فيسبق الحضورُ معرفةَ المقام، ويتيح اللقاء أن يتشكل بعيدًا عن سلطة الاسم أو المكانة.
وتتجلى هذه المفارقة من خلال توزيع المعلومات، واقتصاد الحركة والحوار، وإعادة استثمار عبارة “من الشمال” في الكشف الختامي.
وتتيح القصة، من هذا المنظور، قراءة تناصية تستحضر البنية الحكائية لـ“عطلة رومانية”[3] 1953 لاودرى هيبورن ونسخته المصرية “يوم من عمري” [4]، لعبد الحليم حافظ من غير افتراض تأثير مباشر بين الأعمال.
فثمة تقاطع في نموذج المرأة ذات المقام الاستثنائي التي تدخل فضاء اللقاء الإنساني، غير أن المقارنة لا تقف عند حدود التشابه، بل تتجه إلى الكشف عن كيفية إعادة توزيع عناصر هذا النموذج داخل القصة، ولا سيما على مستوى المعرفة والزمن ووظيفة النهاية.
وتفترض الدراسة[5] أن خصوصية “في حضرتها” تتولد من تعليق أثر الهوية الاجتماعية في أثناء اللقاء، ثم إعادة إدخالها بعد انتهائه؛ بما يجعل المعرفة اللاحقة أداة لإعادة تأويل تجربة إنسانية اكتملت قبل انكشاف المقام.
كما تفترض أن هذا البناء يتحاور مع نموذج حكائي سابق، لكنه يحوّره عبر تغيير توزيع المعرفة والزمن ووظيفة الكشف، بحيث لا يفتح انكشاف الهوية مسارًا جديدًا للحكاية، بل يعيد بناء دلالة اللقاء الذي انتهى.
وتنطلق القراءة من هندسة اللقاء وبناء المصادفة، ثم من أثر الهوية الاجتماعية المعلّقة في تشكيل التجربة السوسيو-سيكولوجية، وصولًا إلى المقارنة التناصية بوصفها أداة تكشف تحوير القصة للنموذج الحكائي السابق، مع الالتزام بأن يظل النص نفسه مصدر الحكم النقدي ومجاله.
المدخل الأول: هندسة اللقاء واقتصاد الكشف المؤجل
الكورنيش: فضاءٌ يفتح باب المصادفة
تبدأ قصة “في حضرتها” من مشهد يبدو عابرًا: سارد يقف على كورنيش النيل، ويشعر بأن النهر يعاتبه لأنه يمنحه ظهره.
غير أن هذا المشهد التمهيدي لا يقتصر على تحديد المكان، بل يؤسس لعلاقة وجدانية بين السارد والنيل، ويمهد لتحول الانتباه من المكان إلى المرأة التي ستدخل المشهد بعد ذلك. فالنيل، في وعي السارد، ليس خلفية محايدة، وإنما طرف في تجربة داخلية تستدعي المصادفة وتمنحها طابعًا شخصيًا.
ومن خلال هذا التشخيص، يتداخل المكان الخارجي مع الحالة النفسية للسارد؛ إذ يبدو النيل كأنه يطالبه بإعادة توجيه نظره، قبل أن يتحول هذا التوجيه فعليًا نحو المرأة.
وبذلك لا تأتي المصادفة منفصلة عن البناء النفسي للمشهد، بل تنشأ من تفاعل السارد مع المكان ومن استعداده الداخلي لاستقبال حضور جديد.
2. المقعد الحجري: إعادة تنظيم المسافة بين الشخصيتين
يقوم بناء اللقاء على اقتصاد واضح في الحركة والمعلومات.
فبعد ظهور المرأة، لا يتجه السرد إلى توسيع الحدث أو تنويع وقائعه، بل يركز على الحوار والإشارات المتبادلة.
وتكتسب حركة الجلوس على المقعد الحجري وظيفة بنائية؛ إذ تنقل الشخصيتين من مواجهة المجال العام إلى مواجهة بعضهما بعضًا، كما يوضح السارد: “لم أعد أواجه الطريق [...] بل صرنا نواجه بعضنا على المقعد الحجري”.
ويمكن قراءة هذا التحول في ضوء مفهوم التبئير (Focalisation) عند جينيت: فالانتقال من «الطريق» و«النيل» إلى «بعضنا» هو إعادة توزيع للبؤرة السردية ولا يمثل المقعد مجرد خلفية مكانية، بل يعمل بوصفه أداة سردية تعيد تنظيم المسافة بين الشخصيتين.
فالحركة المكانية المختصرة تختصر تحولًا في طبيعة العلاقة: من وجودين متجاورين في فضاء مفتوح إلى حضورين يتقابلان داخل بؤرة حوارية محددة.
. لم يعد المكان هو موضوع النظر، بل أصبحت الشخصيتان موضوعًا متبادلًا.
وهكذا يؤدي المكان وظيفة نفسية وسردية في آن واحد، دون حاجة إلى أحداث كثيرة أو انتقالات متشعبة.
3. اختلاف اللغة بوصفه طريقًا إلى التواصل
لا يختفي الاختلاف اللغوي من المشهد، بل يتحول إلى عنصر منتج للتقارب.
فالإشارات إلى “أي لغة تلك؟” و”لغة من الشمال” تكشف محدودية المعرفة المتبادلة، لكنها لا تمنع نشوء تواصل يتجاوز اللغة المباشرة.
ويصبح العجز عن امتلاك لغة مشتركة دافعًا إلى ابتكار وسائل أخرى للفهم، تقوم على الإشارة والنبرة والابتسامة والإنصات.
ومن ثم لا تُقدَّم اللغة بوصفها عائقًا نهائيًا، بل بوصفها اختبارًا لحدود التواصل الإنساني.
فحين تتعذر المطابقة اللفظية، تتقدم وسائل تعبير أخرى، ويغدو اللقاء قائمًا على محاولة الاقتراب من الآخر لا على امتلاك معرفة مكتملة به.
4. القصيدة: الكتابة بوصفها تأويلًا للآخر وحفظًا للأثر
تأتي القصيدة في سياق اللقاء بوصفها فعلًا سرديًا يتجاوز الزينة التعبيرية؛ إذ يحاول السارد من خلالها أن يمنح التجربة صيغة مكتوبة تحفظ أثرها، وأن ينقل التواصل من المجال الشفهي إلى مجال الكتابة.
فالقصيدة لا تسجل ما عرفه عن المرأة بقدر ما تكشف الطريقة التي بدأ بها يتخيلها ويؤوّل حضورها.
ومن هنا تحمل الكتابة دلالتين متداخلتين: فهي علامة على اقتراب السارد من الآخر، لكنها تكشف أيضًا عن ميله إلى ملء فراغاتالمعرفة بصورة وجدانية لا تستند إلى معلومات كافية.
وفي ضوء مفهوم الفراغات (Leerstellen) [6] عند فولفغانغ إيزر، يمكن القول إن السارد يبني صورة المرأة من معلومات محدودة، ثم يملأ الفراغات بالتخيل.
والفراغ هنا ليس غموضًا في الشخصية، بل هو مسكوت عنه نصي يملؤه السارد (والقارئ) بالتخيل.
وهذا ما يفسر عبارته “في شيء لا أعرفه”؛ فهي تعترف بحدود المعرفة، وتترك للمرأة مساحة لا يستنفدها السارد.
وبذلك تصبح القصيدة أثرًا رمزيًا للقاء، ووسيلة لحفظه، وفي الوقت نفسه علامة على أن صورة الآخر تتشكل أحيانًا من الإحساس والتخيل قبل أن تتأسس على المعرفة.
5. الكشف المؤجل: اقتصاد المعلومات وإعادة بناء الدلالة
تتأسس المفارقة المركزية في القصة على تأجيل المعلومة الحاسمة؛ فالسارد لا يعرف أن المرأة ملكة إلا بعد انقضاء اللقاء، حين يظهر الخبر المتعلق بافتتاح المتحف الكبير بحضور “ملكة من الشمال”.
ولا يأتي هذا الكشف لتغيير مجرى الأحداث، بل لإعادة ترتيب دلالتها بعد انتهائها.
وبذلك يقوم الاقتصاد السردي على توزيع المعلومات لا على حذف الوقائع فحسب.
فالهوية تظل معلقة طوال اللقاء، بما يسمح للحضور الإنساني أن يتقدم على المقام الاجتماعي، ثم تأتي المعلومة المتأخرة لتعيد تشغيل تفاصيل سابقة، وعلى رأسها عبارة “من الشمال”.
وهكذا يتحول الكشف من مجرد مفاجأة ختامية إلى آلية لإعادة القراءة والتأويل.
ثانيًا: الحضور قبل المقام - الهوية الاجتماعية وصورة الآخر
1. تعليق المقام الاجتماعي وأثره في التفاعل
تضع القصة الهوية الاجتماعية في موضع اختبار، لا من خلال إنكارها، وإنما من خلال تعليق أثرها في أثناء التفاعل.
فالمرأة لم تتخل عن مقامها الملكي، لكن هذا المقام لا يدخل في وعي السارد بوصفه سلطة أو امتيازًا أو حاجزًا اجتماعيًا؛ لأنه لا يمتلك العلامات التي تتيح له قراءته.
وبذلك يصبح الغائب عن اللقاء ليس الهوية ذاتها، بل فاعليتها الاجتماعية في تشكيل العلاقة.
ويمكن فهم ذلك في ضوء تصور إرفنغ غوفمان[7] للتفاعل الاجتماعي، حيث لا تعمل المكانة بصورة مجردة، وإنما من خلال العلامات والمعلومات والتوقعات التي يقرأ بها الأفراد بعضهم بعضًا.
وحين تغيب علامات المقام، تتراجع التوقعات المرتبطة به، ويصبح الآخر قابلًا للاستقبال بوصفه شخصًا قبل أن يكون حاملًا لصفة اجتماعية.
وهذا ما يتحقق في القصة؛ إذ يتعامل السارد مع المرأة من خلال حضورها وصوتها وإشاراتها، لا من خلال لقبها أو موقعها. فالمرأة لم تفقد مقامها، وإنما عُلِّق أثر هذا المقام في وعي من يلتقيها.
2. “من الشمال”: من الإشارة الجغرافية إلى العلامة الملكية
تتخذ عبارة “من الشمال” أهمية خاصة في بناء الهوية المؤجلة؛ فهي تظهر أولًا باعتبارها إشارة جغرافية مفتوحة، ثم تستعيد معناها في النهاية بوصفها علامة على هوية ملكية.
وبهذا تنتقل العبارة من مستوى الوصف إلى مستوى التصنيف، ومن دلالة المكان إلى دلالة المقام.
ولا تكمن أهمية العبارة في معناها المعجمي وحده، بل في موقعها داخل توزيع المعلومات.
فهي لا تكشف حقيقتها منذ البداية، وإنما تظل قابلة لتأويلات متعددة، إلى أن يأتي الخبر الختامي فيمنحها دلالة جديدة.
وبذا يبين النص أن العلامة لا تحمل معناها الاجتماعي كاملًا بصورة ثابتة، بل يتحدد معناها من خلال السياق الذي تُستعاد فيه.
3. المرأة بين حضورها الفعلي وصورتها في وعي السارد
لا تقدم القصة المرأة بوصفها موضوعًا سلبيًا لنظرة السارد؛ فهي تتكلم، وتقترح المصالحة مع النيل، وتشارك في توجيه اللقاء، وتترك استجاباتها -وخاصة ابتسامتها التي يصفها السارد بأنها تحمل “حنينًا إلى شيء لا أعرفه”- مساحة لا يستطيع تفسيرها تفسيرًا نهائيًا.
ويحافظ هذا الغموض على استقلال حضورها عن الصورة التي يصوغها السارد عنها. فهو يكتب عنها ويتخيلها، لكنه لا يمتلك دواخلها ولا يستطيع اختزالها في تأويل واحد.
وبذلك تظل المرأة حاضرة بوصفها ذاتًا تتجاوز ما يراه السارد أو يكتبه، لا مجرد صورة مكتملة يصنعها وعيه.
4. المعرفة اللاحقة وإعادة تصنيف التجربة في الذاكرة
تؤدي المعرفة اللاحقة وظيفة نفسية وذاكرية أكثر منها حدثية. فحين يعرف السارد مقام المرأة، لا يستعيد اللقاء بوصفه لقاءً جديدًا، بل يعيد تصنيف اللقاء القديم.
إن المعلومة المتأخرة لا تضيف إلى المرأة ما لم يكن فيها، وإنما تغير موقع التجربة داخل ذاكرته؛ إذ ينتقل ما كان يبدو مصادفة عابرة إلى واقعة ذات دلالة استثنائية.
ومع ذلك تظل القيمة الأساسية للقاء كامنة في ما حدث قبل الكشف، لا في اللقب الذي ظهر بعده.
فالمعرفة المتأخرة تعيد تأويل التجربة، لكنها لا تنشئها من جديد، ولا تلغي طبيعتها الإنسانية الأولى.
ثالثًا: التناص والتحوير- إعادة توزيع المعرفة والزمن ووظيفة النهاية
1. نموذج المرأة ذات المقام الاستثنائي: من التقاطع إلى التحوير
تتيح قصة “في حضرتها” مقارنتها بنموذج حكائي معروف يتمثل في “عطلة رومانية” لاودرى هيبورن ونسخته المصرية “يوم من عمري”، لعبد الحليم حافظ حيث تلتقي شخصية ذات مقام استثنائي بشخص عادي في فضاء يتيح قدرًا من التحرر من القيود الاجتماعية.
غير أن هذه المقارنة لا تستهدف إثبات تأثير مباشر، ولا تكتفي بإحصاء أوجه التشابه، وإنما تسعى إلى الكشف عن كيفية تحوير القصة لهذا النموذج من خلال إعادة توزيع المعرفة والزمن ووظيفة الكشف.
فالتقاطع بين الأعمال لا يلغي اختلاف طرائق بناء الحكاية؛ إذ إن استدعاء النموذج لا يعني تكراره، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإنتاج دلالة جديدة من خلال تغيير العلاقات بين الشخصيات والمعلومات والنهايات.
2. من خروج صاحبة المقام إلى غياب المقام عن الوعي
في النموذجين السينمائيين، ترتبط معرفة الرجل بحقيقة المرأة بمسار العلاقة، ويمكن أن تؤثر هذه المعرفة في قرارات الشخصيات ومصير اللقاء.
أما في “في حضرتها”، فإن المرأة لا تغادر مقامها، ولا يتأسس الحدث على خروجها المؤقت من عالمها، بل على عدم معرفة السارد بهذا المقام.
وهنا تنتقل المفارقة من خروج صاحبة المكانة عن عالمها إلى غياب مكانتها عن وعي الرجل.
فالمرأة تظل ملكة في واقعها، لكن حضورها داخل اللقاء يتشكل بعيدًا عن العلامات التي تجعل مقامها فاعلًا في التفاعل.
وهذا التحوير ينقل مركز الدلالة من فعل التحرر من الهوية إلى تعليق أثر الهوية في الوعي.
3. تكثيف الزمن: من امتداد اليوم إلى لحظة اللقاء
يظهر التحوير كذلك في البنية الزمنية، فبينما يقوم النموذج السينمائي على امتداد زمني يسمح بتتابع المغامرات والمواقف، تتكثف قصة مرسي في لحظة لقاء قصيرة، تتوزع على الحوار والمقعد والقصيدة، ثم تستمر دلالتها بعد الرحيل.
وليس هذا الاختصار مجرد تقليل لحجم الحكاية، بل تحويل للامتداد الحكائي إلى تكثيف مشهدي؛ إذ تؤدي وحدات قليلة وظائف متعددة.
فالحركة تختصر تحول العلاقة، والعبارة تختزن مسار الكشف، والقصيدة تمنح اللقاء أثرًا رمزيًا، بينما يفتح الخبر الختامي مجالًا لإعادة تأويل ما سبق.
4. الكشف بعد الرحيل: من استكمال الحدث إلى إعادة تأويله
أما وظيفة النهاية، فهي الفارق الأكثر دلالة. فالكشف في القصة لا يفتح طريقًا جديدًا للتواصل، لأن اللقاء يكون قد انتهى بالفعل؛ لذلك لا يعمل بوصفه منعطفًا في الحدث، بل بوصفه لحظة لإعادة بنائه تأويليًا.
إن الخبر الإعلامي ينقل المرأة من المجال الخاص، حيث ظهرت بوصفها شخصًا، إلى المجال العام، حيث تُستعاد بوصفها ملكة.
ومن خلال هذا الانتقال، يكتشف السارد أن التجربة التي عاشها بعيدًا عن التصنيف الاجتماعي كانت متصلة، من حيث لا يدري، بعالم السلطة والمقام.
وبذلك لا يتمثل التحوير التناصي في استبدال أميرة بملكة أو تغيير بعض تفاصيل الحكاية، وإنما في نقل مركز المفارقة من التحرر من المقام إلى تأجيل معرفة المقام، ومن كشف يؤثر في استمرار العلاقة إلى كشف يعيد تأويل علاقة انتهت.
5. النيل والأغنية: استعادة الأثر وإغلاق المسار الدلالي
تتصل النهاية بالبداية اتصالًا وجدانيًا من خلال عودة النيل في صورة هادئة، واستعادة نغمة “نسم علينا الهوى”.
فالأغنية لا تؤدي وظيفة تزيينية، بل تمنح اللقاء امتدادًا إيقاعيًا وذاكريًا؛ إذ تؤكد أن غياب المرأة لا يعني زوال أثرها.
ويستعيد النيل في النهاية حضوره الأول، لكن وظيفته تكون قد تغيرت: لم يعد مجرد طرف في مصادفة اللقاء، بل أصبح حاملًا لبقاياه في وعي السارد.
وهكذا يغلق النص مساره الدلالي دون أن يغلق أثر التجربة؛ فالشخصية تغيب جسديًا، بينما يستمر حضورها في الذاكرة بوصفها تجربة إنسانية لا تختزلها المعرفة المتأخرة بمقامها.
خاتمة
تكشف قراءة قصة “في حضرتها” أن خصوصيتها لا تنبع من المفاجأة المرتبطة بانكشاف هوية المرأة فحسب، بل من الطريقة التي أعاد بها النص ترتيب العلاقة بين الحضور والمعرفة، وبين الإنسان ومقامه الاجتماعي.
فاللقاء يتشكل أولًا بوصفه تجربة إنسانية مباشرة، تتقدم فيها المحاورة والإصغاء والكتابة على الاسم والصفة والمكانة؛ ولذلك لا تغيب هوية المرأة عن وجودها، وإنما يغيب أثرها الاجتماعي عن وعي السارد طوال اللقاء.
وقد أظهر التحليل أن الاقتصاد السردي في القصة قائم على تكثيف وظيفة العلامة؛ فالمقعد الحجري يختصر التحول من المجال العام إلى العلاقة الثنائية، وعبارة “من الشمال” تنتقل من الإيحاء الجغرافي إلى الكشف عن المقام، بينما تتحول القصيدة إلى أثر رمزي يحفظ لقاءً لم يكتمل معرفيًا.
ومن ثم فإن قلة الأحداث لا تعني محدودية التجربة، بل تكشف عن قدرة النص على تحميل التفاصيل القليلة وظائف نفسية واجتماعية وتأويلية متداخلة.
ويأتي الكشف الختامي بوصفه إعادة تأويل لا استكمالًا للحدث؛ إذ لا يفتح معرفة المرأة بوصفها ملكة مسارًا جديدًا للعلاقة، لأن اللقاء يكون قد انتهى، وإنما يعيد تصنيف ما جرى داخل ذاكرة السارد.
وبهذا تتحول الهوية الملكية من حقيقة خارجية لم تكن معلومة إلى عنصر يعيد تشكيل معنى التجربة السابقة، دون أن يلغي بساطة الحضور الإنساني الذي تأسست عليه.
أما المقارنة التناصية مع نموذج “عطلة رومانية” و”يوم من عمري”، فلا تكمن أهميتها في إثبات التشابه الحكائي أو افتراض التأثير المباشر، وإنما في إظهار كيفية تحوير النموذج.
فالقصة تنقل المفارقة من خروج صاحبة المقام عن عالمها إلى غياب المقام عن وعي الرجل، كما تنقل وظيفة الكشف من التأثير في مسار العلاقة إلى إعادة بناء دلالتها بعد انتهائها.
وبذلك يصبح تأجيل المعرفة عنصرًا بنائيًا ينتج المعنى، لا مجرد حيلة للمفاجأة.
وتنتهي القصة إلى رؤية مؤداها أن الحضور الإنساني قد يسبق التصنيف الاجتماعي، وأن الأثر الذي يتركه الآخر لا يتحدد دائمًا بما نعرفه عنه، بل بما يوقظه فينا من إحساس وذاكرة وتأويل.
ومن هنا يغدو هدوء النيل والأغنية الختامية امتدادًا وجدانيًا للقاء، وإشارة إلى أن الشخصية غابت جسديًا، لكنها استمرت في وعي السارد بوصفها أثرًا يتجاوز حدود المعرفة المتأخرة.
المراجع
(1) إرفنغ غوفمان. (2019). “حول إعمال الوجه: تحليل للعناصر الشعائرية في التفاعل الاجتماعي”. (ترجمة ثائر ديب، المحرر) مجلة عمران للعلوم الاجتماعية(30).
(2) إرفنغ غوفمان. (2021). تقديم الذات في الحياة اليومية. (ترجمة: ثائر ديب،) الرياض: دار معنى للنشر والتوزيع.
(3) جيرار جينيت. (1997). خطاب الحكاية، بحث في المنهج (ط2). (ترجمة:محمد معتصم، عبد الجليل الأزدى، و عمر حلى،) القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.
(4) جوليا كريستيفا. (1997). علم النص (ط2). (ترجمة: فريد الزاهى،) الدار البيضاء: دار توبقال.
(5) فولفانج إيزر. (1995). فعل القراءة: نظرية جمالية التجاوب (فى الأدب). (ترجمة: حميد لحمدانى، و الجلالى الكدية،) الدار البيضاء: مكتبة المناهل.
(6) عاطف سالم (المخرج). (1961). فيلم يوم من عمرى [فيلم سينمائي]. مصر. (7) ويكيبيديا. (9 يونيو , 2026). عطلة رومانية (فيلم). موقع ويكيبيديا: https://2u.pw/8LwoMJ
( ويكيبيديا. (7 سبتمبر, 2025). فيلم يوم من عمرى. موقع ويكيبيديا: https://2u.pw/onk05s
(9) ويليام وايلر (منتج ومخرج). (1953). Roman Holiday فيلم سينمائي. https://ok.ru/video/946356619801
الهوامش
(1) المجموعة القصصية “كما ينبغي” للكاتب عمرو مرسى تحت الطبع
(2) ضوء مفهوم العتبات (Seuils) عند جينيت
(3) ويكيبيديا. (9 يونيو , 2026). عطلة رومانية (فيلم). موقع ويكيبيديا: https://2u.pw/8LwoMJ
(4) ويكيبيديا. (7 سبتمبر, 2025). فيلم يوم من عمرى. موقع ويكيبيديا: https://2u.pw/onk05s
(5) تم تقديم هذه الدراسة فى ندوة صالون اقلام اون لاين لمناقشة القصة بتاريخ 18 سبتمبر 2026
(6) فولفانج إيزر. (1995). فعل القراءة: نظرية جمالية التجاوب (فى الأدب). (ترجمة: حميد لحمدانى، و الجلالى الكدية،) الدار البيضاء: مكتبة المناهل.
(7) إرفنغ غوفمان. (2021). تقديم الذات في الحياة اليومية. (ترجمة: ثائر ديب،) الرياض: دار معنى للنشر والتوزيع.
تأتي قصة “في حضرتها” ضمن المجموعة القصصية المرتقبة “كما ينبغي”[1] لعمرو مرسي.
ولا تتيح العتبة المتاحة للمجموعة معطيات كافية لبناء تصور عن عالمها الكلي؛ لذلك تقتصر الإشارة إليها على وضع القصة في سياقها الكتابي، دون تحميل عنوان المجموعة دلالات لا ينهض بها النص.
ويكتسب عنوان “في حضرتها”، في ضوء المسار السردي، دلالته من تأجيل هوية المرأة؛ إذ يحيل إلى حضور لا تتحدد صفته الاجتماعية إلا بعد انقضاء اللقاء.
فالعنوان[2] لا يسمي الشخصية ولا يكشف مقامها، وإنما يكتفي بالإشارة إلى حضورها، وهو ما يجعل العلاقة بين الحضور والهوية مفتوحة على التأويل منذ البداية.
تبدو القصة، في ظاهرها، لقاءً عابرًا على كورنيش النيل، غير أن بنيتها تتأسس على مفارقة تتكشف في النهاية: المرأة التي يلتقيها السارد ويحاورها بعفوية لا يعرف أنها ملكة إلا بعد أن تغادر، حين يظهر الخبر على الشاشات: “افتتاح المتحف الكبير بحضور ملكة من الشمال”.
وهكذا لا يأتي الكشف لتغيير مجرى الحدث، وإنما لإعادة تأويله بعد انتهائه.
وتنبع أهمية هذه المفارقة من أن النص لا يلغي الهوية الملكية للمرأة، بل يؤجل فاعلية هذه الهوية في وعي السارد؛ فيسبق الحضورُ معرفةَ المقام، ويتيح اللقاء أن يتشكل بعيدًا عن سلطة الاسم أو المكانة.
وتتجلى هذه المفارقة من خلال توزيع المعلومات، واقتصاد الحركة والحوار، وإعادة استثمار عبارة “من الشمال” في الكشف الختامي.
وتتيح القصة، من هذا المنظور، قراءة تناصية تستحضر البنية الحكائية لـ“عطلة رومانية”[3] 1953 لاودرى هيبورن ونسخته المصرية “يوم من عمري” [4]، لعبد الحليم حافظ من غير افتراض تأثير مباشر بين الأعمال.
فثمة تقاطع في نموذج المرأة ذات المقام الاستثنائي التي تدخل فضاء اللقاء الإنساني، غير أن المقارنة لا تقف عند حدود التشابه، بل تتجه إلى الكشف عن كيفية إعادة توزيع عناصر هذا النموذج داخل القصة، ولا سيما على مستوى المعرفة والزمن ووظيفة النهاية.
وتفترض الدراسة[5] أن خصوصية “في حضرتها” تتولد من تعليق أثر الهوية الاجتماعية في أثناء اللقاء، ثم إعادة إدخالها بعد انتهائه؛ بما يجعل المعرفة اللاحقة أداة لإعادة تأويل تجربة إنسانية اكتملت قبل انكشاف المقام.
كما تفترض أن هذا البناء يتحاور مع نموذج حكائي سابق، لكنه يحوّره عبر تغيير توزيع المعرفة والزمن ووظيفة الكشف، بحيث لا يفتح انكشاف الهوية مسارًا جديدًا للحكاية، بل يعيد بناء دلالة اللقاء الذي انتهى.
وتنطلق القراءة من هندسة اللقاء وبناء المصادفة، ثم من أثر الهوية الاجتماعية المعلّقة في تشكيل التجربة السوسيو-سيكولوجية، وصولًا إلى المقارنة التناصية بوصفها أداة تكشف تحوير القصة للنموذج الحكائي السابق، مع الالتزام بأن يظل النص نفسه مصدر الحكم النقدي ومجاله.
المدخل الأول: هندسة اللقاء واقتصاد الكشف المؤجل
الكورنيش: فضاءٌ يفتح باب المصادفة
تبدأ قصة “في حضرتها” من مشهد يبدو عابرًا: سارد يقف على كورنيش النيل، ويشعر بأن النهر يعاتبه لأنه يمنحه ظهره.
غير أن هذا المشهد التمهيدي لا يقتصر على تحديد المكان، بل يؤسس لعلاقة وجدانية بين السارد والنيل، ويمهد لتحول الانتباه من المكان إلى المرأة التي ستدخل المشهد بعد ذلك. فالنيل، في وعي السارد، ليس خلفية محايدة، وإنما طرف في تجربة داخلية تستدعي المصادفة وتمنحها طابعًا شخصيًا.
ومن خلال هذا التشخيص، يتداخل المكان الخارجي مع الحالة النفسية للسارد؛ إذ يبدو النيل كأنه يطالبه بإعادة توجيه نظره، قبل أن يتحول هذا التوجيه فعليًا نحو المرأة.
وبذلك لا تأتي المصادفة منفصلة عن البناء النفسي للمشهد، بل تنشأ من تفاعل السارد مع المكان ومن استعداده الداخلي لاستقبال حضور جديد.
2. المقعد الحجري: إعادة تنظيم المسافة بين الشخصيتين
يقوم بناء اللقاء على اقتصاد واضح في الحركة والمعلومات.
فبعد ظهور المرأة، لا يتجه السرد إلى توسيع الحدث أو تنويع وقائعه، بل يركز على الحوار والإشارات المتبادلة.
وتكتسب حركة الجلوس على المقعد الحجري وظيفة بنائية؛ إذ تنقل الشخصيتين من مواجهة المجال العام إلى مواجهة بعضهما بعضًا، كما يوضح السارد: “لم أعد أواجه الطريق [...] بل صرنا نواجه بعضنا على المقعد الحجري”.
ويمكن قراءة هذا التحول في ضوء مفهوم التبئير (Focalisation) عند جينيت: فالانتقال من «الطريق» و«النيل» إلى «بعضنا» هو إعادة توزيع للبؤرة السردية ولا يمثل المقعد مجرد خلفية مكانية، بل يعمل بوصفه أداة سردية تعيد تنظيم المسافة بين الشخصيتين.
فالحركة المكانية المختصرة تختصر تحولًا في طبيعة العلاقة: من وجودين متجاورين في فضاء مفتوح إلى حضورين يتقابلان داخل بؤرة حوارية محددة.
. لم يعد المكان هو موضوع النظر، بل أصبحت الشخصيتان موضوعًا متبادلًا.
وهكذا يؤدي المكان وظيفة نفسية وسردية في آن واحد، دون حاجة إلى أحداث كثيرة أو انتقالات متشعبة.
3. اختلاف اللغة بوصفه طريقًا إلى التواصل
لا يختفي الاختلاف اللغوي من المشهد، بل يتحول إلى عنصر منتج للتقارب.
فالإشارات إلى “أي لغة تلك؟” و”لغة من الشمال” تكشف محدودية المعرفة المتبادلة، لكنها لا تمنع نشوء تواصل يتجاوز اللغة المباشرة.
ويصبح العجز عن امتلاك لغة مشتركة دافعًا إلى ابتكار وسائل أخرى للفهم، تقوم على الإشارة والنبرة والابتسامة والإنصات.
ومن ثم لا تُقدَّم اللغة بوصفها عائقًا نهائيًا، بل بوصفها اختبارًا لحدود التواصل الإنساني.
فحين تتعذر المطابقة اللفظية، تتقدم وسائل تعبير أخرى، ويغدو اللقاء قائمًا على محاولة الاقتراب من الآخر لا على امتلاك معرفة مكتملة به.
4. القصيدة: الكتابة بوصفها تأويلًا للآخر وحفظًا للأثر
تأتي القصيدة في سياق اللقاء بوصفها فعلًا سرديًا يتجاوز الزينة التعبيرية؛ إذ يحاول السارد من خلالها أن يمنح التجربة صيغة مكتوبة تحفظ أثرها، وأن ينقل التواصل من المجال الشفهي إلى مجال الكتابة.
فالقصيدة لا تسجل ما عرفه عن المرأة بقدر ما تكشف الطريقة التي بدأ بها يتخيلها ويؤوّل حضورها.
ومن هنا تحمل الكتابة دلالتين متداخلتين: فهي علامة على اقتراب السارد من الآخر، لكنها تكشف أيضًا عن ميله إلى ملء فراغاتالمعرفة بصورة وجدانية لا تستند إلى معلومات كافية.
وفي ضوء مفهوم الفراغات (Leerstellen) [6] عند فولفغانغ إيزر، يمكن القول إن السارد يبني صورة المرأة من معلومات محدودة، ثم يملأ الفراغات بالتخيل.
والفراغ هنا ليس غموضًا في الشخصية، بل هو مسكوت عنه نصي يملؤه السارد (والقارئ) بالتخيل.
وهذا ما يفسر عبارته “في شيء لا أعرفه”؛ فهي تعترف بحدود المعرفة، وتترك للمرأة مساحة لا يستنفدها السارد.
وبذلك تصبح القصيدة أثرًا رمزيًا للقاء، ووسيلة لحفظه، وفي الوقت نفسه علامة على أن صورة الآخر تتشكل أحيانًا من الإحساس والتخيل قبل أن تتأسس على المعرفة.
5. الكشف المؤجل: اقتصاد المعلومات وإعادة بناء الدلالة
تتأسس المفارقة المركزية في القصة على تأجيل المعلومة الحاسمة؛ فالسارد لا يعرف أن المرأة ملكة إلا بعد انقضاء اللقاء، حين يظهر الخبر المتعلق بافتتاح المتحف الكبير بحضور “ملكة من الشمال”.
ولا يأتي هذا الكشف لتغيير مجرى الأحداث، بل لإعادة ترتيب دلالتها بعد انتهائها.
وبذلك يقوم الاقتصاد السردي على توزيع المعلومات لا على حذف الوقائع فحسب.
فالهوية تظل معلقة طوال اللقاء، بما يسمح للحضور الإنساني أن يتقدم على المقام الاجتماعي، ثم تأتي المعلومة المتأخرة لتعيد تشغيل تفاصيل سابقة، وعلى رأسها عبارة “من الشمال”.
وهكذا يتحول الكشف من مجرد مفاجأة ختامية إلى آلية لإعادة القراءة والتأويل.
ثانيًا: الحضور قبل المقام - الهوية الاجتماعية وصورة الآخر
1. تعليق المقام الاجتماعي وأثره في التفاعل
تضع القصة الهوية الاجتماعية في موضع اختبار، لا من خلال إنكارها، وإنما من خلال تعليق أثرها في أثناء التفاعل.
فالمرأة لم تتخل عن مقامها الملكي، لكن هذا المقام لا يدخل في وعي السارد بوصفه سلطة أو امتيازًا أو حاجزًا اجتماعيًا؛ لأنه لا يمتلك العلامات التي تتيح له قراءته.
وبذلك يصبح الغائب عن اللقاء ليس الهوية ذاتها، بل فاعليتها الاجتماعية في تشكيل العلاقة.
ويمكن فهم ذلك في ضوء تصور إرفنغ غوفمان[7] للتفاعل الاجتماعي، حيث لا تعمل المكانة بصورة مجردة، وإنما من خلال العلامات والمعلومات والتوقعات التي يقرأ بها الأفراد بعضهم بعضًا.
وحين تغيب علامات المقام، تتراجع التوقعات المرتبطة به، ويصبح الآخر قابلًا للاستقبال بوصفه شخصًا قبل أن يكون حاملًا لصفة اجتماعية.
وهذا ما يتحقق في القصة؛ إذ يتعامل السارد مع المرأة من خلال حضورها وصوتها وإشاراتها، لا من خلال لقبها أو موقعها. فالمرأة لم تفقد مقامها، وإنما عُلِّق أثر هذا المقام في وعي من يلتقيها.
2. “من الشمال”: من الإشارة الجغرافية إلى العلامة الملكية
تتخذ عبارة “من الشمال” أهمية خاصة في بناء الهوية المؤجلة؛ فهي تظهر أولًا باعتبارها إشارة جغرافية مفتوحة، ثم تستعيد معناها في النهاية بوصفها علامة على هوية ملكية.
وبهذا تنتقل العبارة من مستوى الوصف إلى مستوى التصنيف، ومن دلالة المكان إلى دلالة المقام.
ولا تكمن أهمية العبارة في معناها المعجمي وحده، بل في موقعها داخل توزيع المعلومات.
فهي لا تكشف حقيقتها منذ البداية، وإنما تظل قابلة لتأويلات متعددة، إلى أن يأتي الخبر الختامي فيمنحها دلالة جديدة.
وبذا يبين النص أن العلامة لا تحمل معناها الاجتماعي كاملًا بصورة ثابتة، بل يتحدد معناها من خلال السياق الذي تُستعاد فيه.
3. المرأة بين حضورها الفعلي وصورتها في وعي السارد
لا تقدم القصة المرأة بوصفها موضوعًا سلبيًا لنظرة السارد؛ فهي تتكلم، وتقترح المصالحة مع النيل، وتشارك في توجيه اللقاء، وتترك استجاباتها -وخاصة ابتسامتها التي يصفها السارد بأنها تحمل “حنينًا إلى شيء لا أعرفه”- مساحة لا يستطيع تفسيرها تفسيرًا نهائيًا.
ويحافظ هذا الغموض على استقلال حضورها عن الصورة التي يصوغها السارد عنها. فهو يكتب عنها ويتخيلها، لكنه لا يمتلك دواخلها ولا يستطيع اختزالها في تأويل واحد.
وبذلك تظل المرأة حاضرة بوصفها ذاتًا تتجاوز ما يراه السارد أو يكتبه، لا مجرد صورة مكتملة يصنعها وعيه.
4. المعرفة اللاحقة وإعادة تصنيف التجربة في الذاكرة
تؤدي المعرفة اللاحقة وظيفة نفسية وذاكرية أكثر منها حدثية. فحين يعرف السارد مقام المرأة، لا يستعيد اللقاء بوصفه لقاءً جديدًا، بل يعيد تصنيف اللقاء القديم.
إن المعلومة المتأخرة لا تضيف إلى المرأة ما لم يكن فيها، وإنما تغير موقع التجربة داخل ذاكرته؛ إذ ينتقل ما كان يبدو مصادفة عابرة إلى واقعة ذات دلالة استثنائية.
ومع ذلك تظل القيمة الأساسية للقاء كامنة في ما حدث قبل الكشف، لا في اللقب الذي ظهر بعده.
فالمعرفة المتأخرة تعيد تأويل التجربة، لكنها لا تنشئها من جديد، ولا تلغي طبيعتها الإنسانية الأولى.
ثالثًا: التناص والتحوير- إعادة توزيع المعرفة والزمن ووظيفة النهاية
1. نموذج المرأة ذات المقام الاستثنائي: من التقاطع إلى التحوير
تتيح قصة “في حضرتها” مقارنتها بنموذج حكائي معروف يتمثل في “عطلة رومانية” لاودرى هيبورن ونسخته المصرية “يوم من عمري”، لعبد الحليم حافظ حيث تلتقي شخصية ذات مقام استثنائي بشخص عادي في فضاء يتيح قدرًا من التحرر من القيود الاجتماعية.
غير أن هذه المقارنة لا تستهدف إثبات تأثير مباشر، ولا تكتفي بإحصاء أوجه التشابه، وإنما تسعى إلى الكشف عن كيفية تحوير القصة لهذا النموذج من خلال إعادة توزيع المعرفة والزمن ووظيفة الكشف.
فالتقاطع بين الأعمال لا يلغي اختلاف طرائق بناء الحكاية؛ إذ إن استدعاء النموذج لا يعني تكراره، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإنتاج دلالة جديدة من خلال تغيير العلاقات بين الشخصيات والمعلومات والنهايات.
2. من خروج صاحبة المقام إلى غياب المقام عن الوعي
في النموذجين السينمائيين، ترتبط معرفة الرجل بحقيقة المرأة بمسار العلاقة، ويمكن أن تؤثر هذه المعرفة في قرارات الشخصيات ومصير اللقاء.
أما في “في حضرتها”، فإن المرأة لا تغادر مقامها، ولا يتأسس الحدث على خروجها المؤقت من عالمها، بل على عدم معرفة السارد بهذا المقام.
وهنا تنتقل المفارقة من خروج صاحبة المكانة عن عالمها إلى غياب مكانتها عن وعي الرجل.
فالمرأة تظل ملكة في واقعها، لكن حضورها داخل اللقاء يتشكل بعيدًا عن العلامات التي تجعل مقامها فاعلًا في التفاعل.
وهذا التحوير ينقل مركز الدلالة من فعل التحرر من الهوية إلى تعليق أثر الهوية في الوعي.
3. تكثيف الزمن: من امتداد اليوم إلى لحظة اللقاء
يظهر التحوير كذلك في البنية الزمنية، فبينما يقوم النموذج السينمائي على امتداد زمني يسمح بتتابع المغامرات والمواقف، تتكثف قصة مرسي في لحظة لقاء قصيرة، تتوزع على الحوار والمقعد والقصيدة، ثم تستمر دلالتها بعد الرحيل.
وليس هذا الاختصار مجرد تقليل لحجم الحكاية، بل تحويل للامتداد الحكائي إلى تكثيف مشهدي؛ إذ تؤدي وحدات قليلة وظائف متعددة.
فالحركة تختصر تحول العلاقة، والعبارة تختزن مسار الكشف، والقصيدة تمنح اللقاء أثرًا رمزيًا، بينما يفتح الخبر الختامي مجالًا لإعادة تأويل ما سبق.
4. الكشف بعد الرحيل: من استكمال الحدث إلى إعادة تأويله
أما وظيفة النهاية، فهي الفارق الأكثر دلالة. فالكشف في القصة لا يفتح طريقًا جديدًا للتواصل، لأن اللقاء يكون قد انتهى بالفعل؛ لذلك لا يعمل بوصفه منعطفًا في الحدث، بل بوصفه لحظة لإعادة بنائه تأويليًا.
إن الخبر الإعلامي ينقل المرأة من المجال الخاص، حيث ظهرت بوصفها شخصًا، إلى المجال العام، حيث تُستعاد بوصفها ملكة.
ومن خلال هذا الانتقال، يكتشف السارد أن التجربة التي عاشها بعيدًا عن التصنيف الاجتماعي كانت متصلة، من حيث لا يدري، بعالم السلطة والمقام.
وبذلك لا يتمثل التحوير التناصي في استبدال أميرة بملكة أو تغيير بعض تفاصيل الحكاية، وإنما في نقل مركز المفارقة من التحرر من المقام إلى تأجيل معرفة المقام، ومن كشف يؤثر في استمرار العلاقة إلى كشف يعيد تأويل علاقة انتهت.
5. النيل والأغنية: استعادة الأثر وإغلاق المسار الدلالي
تتصل النهاية بالبداية اتصالًا وجدانيًا من خلال عودة النيل في صورة هادئة، واستعادة نغمة “نسم علينا الهوى”.
فالأغنية لا تؤدي وظيفة تزيينية، بل تمنح اللقاء امتدادًا إيقاعيًا وذاكريًا؛ إذ تؤكد أن غياب المرأة لا يعني زوال أثرها.
ويستعيد النيل في النهاية حضوره الأول، لكن وظيفته تكون قد تغيرت: لم يعد مجرد طرف في مصادفة اللقاء، بل أصبح حاملًا لبقاياه في وعي السارد.
وهكذا يغلق النص مساره الدلالي دون أن يغلق أثر التجربة؛ فالشخصية تغيب جسديًا، بينما يستمر حضورها في الذاكرة بوصفها تجربة إنسانية لا تختزلها المعرفة المتأخرة بمقامها.
خاتمة
تكشف قراءة قصة “في حضرتها” أن خصوصيتها لا تنبع من المفاجأة المرتبطة بانكشاف هوية المرأة فحسب، بل من الطريقة التي أعاد بها النص ترتيب العلاقة بين الحضور والمعرفة، وبين الإنسان ومقامه الاجتماعي.
فاللقاء يتشكل أولًا بوصفه تجربة إنسانية مباشرة، تتقدم فيها المحاورة والإصغاء والكتابة على الاسم والصفة والمكانة؛ ولذلك لا تغيب هوية المرأة عن وجودها، وإنما يغيب أثرها الاجتماعي عن وعي السارد طوال اللقاء.
وقد أظهر التحليل أن الاقتصاد السردي في القصة قائم على تكثيف وظيفة العلامة؛ فالمقعد الحجري يختصر التحول من المجال العام إلى العلاقة الثنائية، وعبارة “من الشمال” تنتقل من الإيحاء الجغرافي إلى الكشف عن المقام، بينما تتحول القصيدة إلى أثر رمزي يحفظ لقاءً لم يكتمل معرفيًا.
ومن ثم فإن قلة الأحداث لا تعني محدودية التجربة، بل تكشف عن قدرة النص على تحميل التفاصيل القليلة وظائف نفسية واجتماعية وتأويلية متداخلة.
ويأتي الكشف الختامي بوصفه إعادة تأويل لا استكمالًا للحدث؛ إذ لا يفتح معرفة المرأة بوصفها ملكة مسارًا جديدًا للعلاقة، لأن اللقاء يكون قد انتهى، وإنما يعيد تصنيف ما جرى داخل ذاكرة السارد.
وبهذا تتحول الهوية الملكية من حقيقة خارجية لم تكن معلومة إلى عنصر يعيد تشكيل معنى التجربة السابقة، دون أن يلغي بساطة الحضور الإنساني الذي تأسست عليه.
أما المقارنة التناصية مع نموذج “عطلة رومانية” و”يوم من عمري”، فلا تكمن أهميتها في إثبات التشابه الحكائي أو افتراض التأثير المباشر، وإنما في إظهار كيفية تحوير النموذج.
فالقصة تنقل المفارقة من خروج صاحبة المقام عن عالمها إلى غياب المقام عن وعي الرجل، كما تنقل وظيفة الكشف من التأثير في مسار العلاقة إلى إعادة بناء دلالتها بعد انتهائها.
وبذلك يصبح تأجيل المعرفة عنصرًا بنائيًا ينتج المعنى، لا مجرد حيلة للمفاجأة.
وتنتهي القصة إلى رؤية مؤداها أن الحضور الإنساني قد يسبق التصنيف الاجتماعي، وأن الأثر الذي يتركه الآخر لا يتحدد دائمًا بما نعرفه عنه، بل بما يوقظه فينا من إحساس وذاكرة وتأويل.
ومن هنا يغدو هدوء النيل والأغنية الختامية امتدادًا وجدانيًا للقاء، وإشارة إلى أن الشخصية غابت جسديًا، لكنها استمرت في وعي السارد بوصفها أثرًا يتجاوز حدود المعرفة المتأخرة.
المراجع
(1) إرفنغ غوفمان. (2019). “حول إعمال الوجه: تحليل للعناصر الشعائرية في التفاعل الاجتماعي”. (ترجمة ثائر ديب، المحرر) مجلة عمران للعلوم الاجتماعية(30).
(2) إرفنغ غوفمان. (2021). تقديم الذات في الحياة اليومية. (ترجمة: ثائر ديب،) الرياض: دار معنى للنشر والتوزيع.
(3) جيرار جينيت. (1997). خطاب الحكاية، بحث في المنهج (ط2). (ترجمة:محمد معتصم، عبد الجليل الأزدى، و عمر حلى،) القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.
(4) جوليا كريستيفا. (1997). علم النص (ط2). (ترجمة: فريد الزاهى،) الدار البيضاء: دار توبقال.
(5) فولفانج إيزر. (1995). فعل القراءة: نظرية جمالية التجاوب (فى الأدب). (ترجمة: حميد لحمدانى، و الجلالى الكدية،) الدار البيضاء: مكتبة المناهل.
(6) عاطف سالم (المخرج). (1961). فيلم يوم من عمرى [فيلم سينمائي]. مصر.
(
(9) ويليام وايلر (منتج ومخرج). (1953). Roman Holiday فيلم سينمائي. https://ok.ru/video/946356619801
الهوامش
(1) المجموعة القصصية “كما ينبغي” للكاتب عمرو مرسى تحت الطبع
(2) ضوء مفهوم العتبات (Seuils) عند جينيت
(3) ويكيبيديا. (9 يونيو , 2026). عطلة رومانية (فيلم). موقع ويكيبيديا: https://2u.pw/8LwoMJ
(4) ويكيبيديا. (7 سبتمبر, 2025). فيلم يوم من عمرى. موقع ويكيبيديا: https://2u.pw/onk05s
(5) تم تقديم هذه الدراسة فى ندوة صالون اقلام اون لاين لمناقشة القصة بتاريخ 18 سبتمبر 2026
(6) فولفانج إيزر. (1995). فعل القراءة: نظرية جمالية التجاوب (فى الأدب). (ترجمة: حميد لحمدانى، و الجلالى الكدية،) الدار البيضاء: مكتبة المناهل.
(7) إرفنغ غوفمان. (2021). تقديم الذات في الحياة اليومية. (ترجمة: ثائر ديب،) الرياض: دار معنى للنشر والتوزيع.