رياض عبدالواحد - قراءة وتأويل لقصة ( عشق خلف قضبان الذاكرة ) للقاص محمد مزيد... من أسر الحرب إلى أسر الذاكرة

النصيص بوصفه مفتاحًا باختينيًا: (عِشقٌ خلف قضبان الذاكرة):
يجمع النصيص بين حقلين دلاليين متعارضين:
العشق: الانفتاح، الرغبة، التطلع إلى الآخر.
القضبان: الإغلاق، الأسر، المنع.
الذاكرة: زمن داخلي لا يخضع بالضرورة للزمن التاريخي.
وهنا تظهر مفارقة أساسية: هوبي ينتقل من الأسر الواقعي إلى أسر الذاكرة. فقد كان أسيرًا في المعتقل الإيراني أكثر من عشرين عامًا٧ لكنه بعد عودته يصبح أسيرًا لماضٍ لم يعد موجودًا في صورته القديمة.
ومن منظور باختيني، يمكن القول إن الزمن ليس خطيًا، فالماضي يتحاور مع الحاضر ويعيد إنتاج نفسه داخله. عودة هوبي الجسدية لا تعني عودته الزمنية، جسده عاد إلى القرية لكن وعيه ظل عالقًا في زمن سابق للحرب.
الحوارية: القصة لا تتحدث بصوت واحد:
من أهم مفاهيم باختين الحوارية، أي أن معنى الكلام أو الحدث لا يتشكل منفردًا وإنما بواسطة علاقته بأصوات أخرى، ظاهرة أو مضمرة.
في القصة نجد عدة أصوات:
آ. صوت الجماعة
يصف الناس هوبي بأنه:
(الخبل)
وتصفه عائلته بأنه يتأرجح بين:
(جنون عاقل وعقل مجنون)
هذا ليس مجرد وصف للشخصية وإنما خطاب اجتماعي يصنع صورة هوبي في وعي الآخرين.
ب. صوت السلطة العسكرية
يمثله شقيقه الأوسط، الذي يؤمن بأن:
(انضباط العسكرية كفيل بانتشال أخيه من لوثته)
هنا يدخل صوت المؤسسة العسكرية إلى النص حاملاً معه تصورًا محددًا للعقل والانضباط والسلوك السوي.
ج. صوت هوبي الداخلي:
لكن هوبي لا يتبنى هذه اللغة. عالمه محكوم بالانتظار والذاكرة والرغبة لذلك توجد فجوة بين:
ما يقوله المجتمع عن هوبي
وما يقوله هوبي بصمته وسلوكه، عن نفسه.
وهذه الفجوة هي إحدى النقاط التي يمكن أن تنطلق منها القراءة الحوارية.
تعدد الأصوات وغياب (الحقيقة الواحدة):
لو نظرنا إلى هوبي من الخارج فقد يبدو مجنونًا: رجل يجلس سنوات فوق هيكل سيارة وينتظر امرأة.
لكن السرد يقدم مفارقة مهمة جدًا:
(سنوات الأسر الطويلة قد أعادت له عقله تماماً)
إذن هناك انقلاب في الحكم الاجتماعي عليه.
في البداية:
الجماعة → هوبي مجنون.
وفي النهاية:
السارد → هوبي استعاد عقله لكنه اختار أن يبقى في انتظاره.
وهنا لا تعود المسألة مجرد (جنون مقابل عقل) بل يصبح السؤال:
من يملك حق تعريف العقل؟
وهذا سؤال باختيني بامتياز لأن الرواية/القصة الحوارية لا تمنح السلطة المطلقة لصوت واحد. فحكم الجماعة على هوبي يصطدم بتجربته الذاتية.
الكرونوتوب: المكان والزمان في بنية القصة:
من أكثر المفاهيم ملاءمة للنص مفهوم الكرونوتوب عند باختين، أي اتحاد الزمان والمكان في تشكيل الحدث السردي.
لدينا عدة أماكن مركزية:
السوق.
سيارة الشيفروليه.
الجبهة.
نهر جاسم.
المعتقل الإيراني.
البيت.
الغرفة المجاورة.
لكن المكان الأكثر أهمية هو هيكل الشيفروليه.
إنه ليس مجرد قطعة حديد مهملة انما يتحول إلى كرونوتوب للانتظار.
فهوبي يجلس في المكان نفسه بينما الزمن يتغير من حوله.
يمكن تمثيل ذلك هكذا:
المكان ثابت ← الزمن متحرك ← هوبي عالق بينهما.
وهذا ما يجعل السيارة أشبه بـ(نقطة تجميد زمنية).
واللافت أن السيارة من طراز قديم (شيفروليه 57)، أي أنها نفسها تحمل علامة زمنية. إنها أثر من الماضي، مثل هوبي تمامًا.
المفارقة الباختينية بين الزمن التاريخي والزمن الشخصي:
القصة مبنية على تصادم زمنين:
الزمن التاريخي
الحرب، الأسر، عودة الأسرى، تغير العائلة، الزواج، الأطفال، مرور عشرين عامًا وأكثر.
الزمن النفسي
بالنسبة إلى هوبي:
الفتاة → الانتظار → الرغبة → الغياب.
وهذا الزمن لم يتحرك.
لذلك فإن المفارقة الكبرى هي:
العالم تحرك، بينما ذاكرة هوبي بقيت في مكانها.
الطفلان كبرا، الأخ تزوج، الفتاة أصبحت زوجة، وهوبي عاد من الحرب لكن وعيه لم يستوعب التحولات التي حدثت خارج ذاكرته.
وهنا تصبح الذاكرة نفسها نوعًا من الحبس الزمني.
(الآخر) في وعي هوبي:
يمنح باختين مفهوم الآخر أهمية كبيرة، فالذات لا تتشكل في عزلة إنما بواسطة علاقتها بالآخر.
يعيش هوبي على صورة امرأة لم تدخل في علاقة حقيقية معه أصلًا.
المفارقة أن (الآخر) بالنسبة إليه ليس شخصًا كاملًا بل صورة ذاكرية.
فهو لا يعرف حياتها، ولا تحولات عمرها، ولا زواجها، ولا تجربتها. لقد احتفظ بها في ذاكرته كما كانت في لحظة بعينها.
ولهذا يمكن القول إن:
المرأة الواقعية غابت، وحلّت محلها امرأة الذاكرة.
وهنا تتولد المسافة بين:
الإنسان الحقيقي
و
الصورة التي صنعها وعي هوبي عنه.
وهذه المسافة هي التي تصنع المأساة النهائية.
المفارقة الكبرى: (الغرفة المجاورة):
أقوى لحظة باختينية في القصة، في رأيي، هي النهاية:
(لم يكن يدري أن ذات الساق البَضّة التي يقتلها شوقاً، تضطجع الآن في الغرفة المجاورة لغرفته، كزوجةٍ لأخيه)
هنا يحدث انقلاب معرفي هائل.
يعرف المتلقي شيئًا لا تعرفه الشخصية.
وهذا يصنع نوعًا من الحوار بين مستويين:
وعي المتلقي ↔ وعي هوبي.
يرى المتلقي الحقيقة كاملة بينما هوبي يعيش داخل حقيقة ناقصة صنعتها الذاكرة.
والأكثر أهمية أن (المكان المجاور) يجعل المأساة أكثر قسوة:
هي ليست بعيدة.
إنها قريبة مكانيًا، بعيدة معرفيًا.
وهذه المفارقة تختصر بنية القصة كلها.
الكارنفالية والانقلاب في القيم:
يقوم مفهوم الكارنفال عند باختين على قلب العلاقات والتراتبات المألوفة، ولو مؤقتًا.
يمكن العثور على شكل من هذا الانقلاب في شخصية هوبي.
المجتمع يصنفه:
(الخبل)
لكن المفارقة أن هذا (الخبل) هو الذي يحمل وفاءً متصلًا عبر عقود بينما العالم (العاقل) من حوله يتغير ويتبدل.
كما أن:
العائلة التي يفترض أن تكون مصدر الأمان تصبح مصدر الجفاء.
الأخ الذي يمثل الانضباط العسكري يصبح جزءًا من المأساة.
البيت، الذي يفترض أن يكون فضاءً للحميمية، يخفي سرًا عن هوبي.
الرجل الذي يراه الجميع مختلًا يصبح في الحقيقة الشخصية الأكثر ثباتًا في عاطفتها.
وهذا لا يعني أن القصة تقول إن هوبي (صحيح) والآخرين (مخطئون) بل إنها تقلب التوقعات الاجتماعية وتدفع المتلقي إلى إعادة النظر في الأحكام الأولى.
تعدد اللغات الاجتماعية:
هناك أيضًا ما يسميه باختين تعدد اللغات الاجتماعية .
في النص تتجاور لغات مختلفة:
الصوت
لغته/منظوره
الجماعة
(الخبل)، (الجنون)
المؤسسة العسكرية
الانضباط، الجبهة، الأسر
العائلة
النفور، الحكم الاجتماعي
هوبي
الانتظار، العشق، الذاكرة
السارد
لغة شعرية تكشف التناقض
المتلقي
يكتشف الحقيقة التي يجهلها هوبي
وهذا يجعل النص غير قائم على لغة واحدة أو رؤية واحدة للعالم.
الجسد بوصفه ذاكرة:
ليس الجسد في القصة مجرد عنصر وصفي، إنه وعاء للذاكرة.
هوبي لا يحتفظ بالمرأة كلها في ذاكرته إنما يحتفظ بتفصيل جسدي محدد.
وهذا مهم جدًا سرديًا، لأن الذاكرة ليست تسجيلًا موضوعيًا للماضي إنما انتقاءً.
فهوبي لم يحتفظ بـ(امرأة) كاملة إنما احتفظ بصورة جزئية منها، ثم بنى عن هذه الصورة عالمًا عاطفيًا كاملًا.
وبذلك يتحول الجسد إلى علامة تستدعي زمنًا بأكمله.
الحرب بوصفها قطيعة كرونوتوبية:
ليست الحرب في القصة مجرد خلفية تاريخية.
إنها الحد الفاصل بين عالمين:
قبل الحرب → الحب والانتظار
ثم:
الحرب → الأسر
ثم:
بعد الحرب → العودة
لكن المشكلة أن العودة لا تعيد الماضي.
وهذا هو جوهر المأساة:
هوبي عاد من المكان الذي أُخذ إليه لكنه لم يعد إلى الزمن الذي أُخذ منه.
وهذه جملة يمكن أن تكون مفتاحًا تأويليًا للقصة كلها.
المفارقة بين (الحرية) و(الأسر):
يمكن قراءة القصة بوصفها سلسلة من الأسر:
الأسر الأول:
هوبي أسير الحرب.
الأسر الثاني:
هوبي أسير المعتقل.
الأسر الثالث:
هوبي أسير الذاكرة.
والأخير هو الأكثر تعقيدًا لأنه لا يُفرض عليه بالقوة.
بعد عودته يستطيع أن يعيش لكنه يختار الانتظار.
ولهذا فإن (القضبان) في النصيص ليست قضبان سجن مادي فقط، إنها قضبان الذاكرة.
النهاية بوصفها (فائض معرفة) لدى المتلقي:
من المفاهيم التي يمكن توظيفها هنا أيضًا فكرة فائض الرؤية/المعرفة، إذ يمتلك المتلقي موقعًا معرفيًا لا تمتلكه الشخصية.
هوبي يرى:
الطريق + السيارة + انتظار المرأة.
أما المتلقي فيرى:
الطريق + السيارة + المرأة + الزواج + الأخ + البيت + الغرفة المجاورة + الحقيقة.
لذلك يصبح المتلقي شاهدًا على مأساة لا تستطيع الشخصية إدراكها.
والسؤال المؤلم الذي تتركه النهاية هو:
هل إنقاذ هوبي من وهمه سيكون خلاصًا له، أم تدميرًا لعالمه الوحيد؟
لا يقدم النص جوابًا مباشرًا، وهذه نقطة قوة حوارية، إذ يترك المعنى مفتوحًا أمام القارئ.
قراءة شاملة للنص وفق باختين:
يمكن اختزال البنية الباختينية للقصة في المعادلة الآتية:
الحرب

الاقتلاع من المكان والزمن

الأسر

انقطاع التواصل مع المجتمع

تثبيت صورة الماضي في الذاكرة

العودة الجسدية دون العودة الزمنية

العيش داخل الماضي

اكتشاف المتلقي أن الماضي صار حاضرًا دون علم هوبي
وبذلك تصبح القصة قائمة على صراع بين عدة أزمنة وأصوات وحقائق، لا على صراع بسيط بين (العاقل والمجنون).
الخاتمة :
من منظور باختيني، يمكن القول إن (عشقٌ خلف قضبان الذاكرة) قصة عن إنسان يعيش في حوار متعذر بين ماضٍ لم ينتهِ بالنسبة إليه وحاضرٍ تجاوزه من دون أن يستأذنه. فالأسْر العسكري يتحول إلى أسر زمني، والسيارة تتحول إلى كرونوتوب للانتظار، والمرأة الواقعية تتحول إلى صورة ذاكرية، بينما تتعدد الأصوات التي تحاول تعريف هوبي: صوت الجماعة الذي يراه (خبلًا)، وصوت المؤسسة الذي يبحث عن الانضباط، وصوت العائلة الذي يمارس الإقصاء، وصوت هوبي الداخلي الذي لا يتكلم كثيرًا لكنه يصر على الانتظار.
أما المفارقة النهائية حيث تكون المرأة التي يبحث عنها هوبي في الغرفة المجاورة، فتجسد جوهر الحوارية الباختينية: الحقيقة ليست غائبة تمامًا وإنما موزعة بين وعي الشخصية ووعي المتلقي وبقية الشخصيات. وهكذا يصبح السؤال المركزي ليس: هل هوبي مجنون أم عاقل؟، بل: أيُّ زمن وأيُّ حقيقة وأيُّ صوت يملك حق تعريف حياة الإنسان؟
وهذه، في تقديري، هي أكثر نقطة خصوبة في القصة عند قراءتها بباختين: هوبي لم يعد أسير الحرب لكنه لم يتحرر من الزمن الذي سبق الحرب لذلك فإن استعادة العقل لا تعني بالضرورة استعادة الحياة.



النص الاصلي


قصة قصيرة
عِشقٌ خلفَ قُضبانِ الذاكرة

على غطاء المحرك الصدئ لسيارة "شيفروليه 57" المتروكة لعوادي الزمن، كان "هوبي" يجلس مستسلماً للقب "الخبل" الذي وصمه به الجميع. لم يكن يعنيه من العالم صخب السوق، ولا نظرات الشفقة أو الازدراء؛ حتى عائلته التي نفضت يدها منه وتركت مصيره للقدر، معتقدة أنه يتأرجح بين جنون عاقل وعقل مجنون. وحده شقيقه الأوسط، نائب الضابط الهارب من جحيم الجبهة، كان يرى أن انضباط العسكرية كفيل بانتشال أخيه من لوثته. لكن هوبي كان في عالم آخر، أسير نهارٍ لا تشرق شمسه إلا إذا أقبلت تلك الفتاة الكردية الفيلية، المجهرة من ديارها لتسكن الجنوب. كانت بشرتها الحليبية الصافية تهب النهار ضياءه، وعيناه لا تحيدان عن ساقها البضة التي تنسل كجمّارة بيضاء من طيات عباءتها مع كل خطوة، لتحلق في سماء قلبه المثقل بالبؤس. لم يكن ينظر لوجهها، بل لتلك الساق الراقصة التي لطالما تساءل: هل كانت الفتاة تتعمد إظهارها لتثير في روحه هذا العذاب العذب؟ وفي عتمة الليل، كان يتقلب في فراشه، واضعاً كفه على وسطه، غارقاً في حلم مستحيل بضم تلك الفتنة البيضاء إلى صدره.دارت عجلة الأيام القاسية، وسِيق هوبي إلى أتون الحرب في لواء مشاة بالبصرة. هناك، عند ضفاف "نهر جاسم"، ابتلعه الأسر. عشرون عاماً وأكثر تجرعها في معتقلات إيران التي رفضت تسليم الأسرى بعد توقف المدافع. وحين عاد أخيراً، غريباً مثقلاً بملامح غطتها السنون، وجد شقيقه الهارب قد استوطن الدار وتزوج وأنجب ولدين. استقبلوه بجفاء ونفور، ولم يكن يكترث، حتى إنه لم يحاول يوماً أن يرفع عينيه ليتأمل وجه زوجة أخيه. كان قلبه معلقاً بالماضي، بالسنوات العجاف، وبنبضه الذي كان يضطرب شوقاً لتلك الساق البيضاء.انتعشت روحه حين وجد هيكل "الشيفروليه" ما زال قابضاً على مكانه القديم. عاد هوبي إلى ديدنه، يجلس فوق غطاء المحرك، يرقب الطريق بانتظار إطلالة المرأة البيضاء. الغريب أن سنوات الأسر الطويلة قد أعادت له عقله تماماً، لكنه اختار بكامل وعيه أن يظل سجين ذلك الانتظار الطويل. مرت الشهور والسنوات، وهو جاثم في مكانه، لا يلتفت لأحد ولا يبالي بمرور العمر، عاجزاً عن انتشال نفسه من ظلمات الترقب. لقد أعاد له الحب عقله، لكنه حجب عنه الحقيقة المُرّة؛ لم يكن يدري أن ذات الساق البَضّة التي يقتلها شوقاً، تضطجع الآن في الغرفة المجاورة لغرفته، كزوجةٍ لأخيه الذي كان يراقبه في الماضي من بعيد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...