حسني الإتلاتي - أين ذهب الغرور العظيم؟

كنت طالبا في السنة الثانية كلية الآداب قسم اللغة العربية جامعة المنيا أحمل داخلي غرورا يكفي بلدا كاملة انني أنا أمير الشعراء وليس أحمد شوقي ففي كل يوم أكتب قصيدة على وزن واحد وقافية واحدة حيث قد أتقنت علم العروض وحصلت على تقدير ممتاز وكل يوم أترك المحاضرات مفتونا بالمكتبة التي هي بالنسة لي (مغارة على بابا ) حيث وجدت فيها كل ما اشتهين وكل الذين كان اسمهم فقط هو كل ما أعرفه عنهم كل الشعراء الذين حلمت بهم وجدت مجموعاتهم الكاملة أمامي ابراهيم ناجي وايليا ابوماضي وميخائيل نعيمة وجبران وعلي محمود طه ومحمود حسن اسماعيل ودواوين درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وأبو نواس والبحتري وعنترة والمتنبي وأمل دنقل و صلاح عبدالصبور وشوقي وحافظ والبارود وخليل مطران مع الاعتراف بتأثري الشديد بإبراهيم ناجي الشاعر الهامس والمدهش والصادق
وذات مسابقة قدمت أنا وعفيفي محمد الطحاوي رفيق الدرب أنا قصيدة كلاسيكية بمعني وحدة الوزن والموضوع والقافية وهو قصيدة تفعيلة فوجدت دكتور كامل الصاوي محكم المسابقة أعطاني أنا المركز الثاني وعفيفي المركز الأول
قلت في نفسي إنه ينحاز للحداثة لا القصيدة الموروثة
قدمت كشكولا مخطوطا للدكتور أحمد السعدني فقام بعد تصفحه بدعوة دكتور كامل الصاوي قائلا له شوف الواد دا كاتب ايه
العالم في عيني مجنون
كسحابة صيف لا تمطر
لا يؤمن بالخير كثيرا
لا يؤمن لكن لا يكفر
فقال دكتور جميلة الفلسفة دي
ثم قال له شوف دي
يوم ميلادي حزينا
ليت يوما ما أتيت
خلت في الأهلين خلا
لم أجد خلا وبيت
كلهم أعداء قلبي
كلهم رام كميت
ففرح بها
كنت أظن أنني أمير الشعراء لكن عندما فازت قصيدة الطحاوي ساءلت نفسي لماذا لا تغامر؟
لكنني تراجعت فقد قال الطحاوي سيكون لك شأن عظيم في القصيدة العمودية كما أنني لا أميل للتغيير بسرعة فأنا فلاح بمعنى أنني ابن قرية ريفية أزرع الأرض وأصبر شهورا حتى أحصد ما زرعت هكذا علمنا الدكتور السعدني أن من سمات الشخصية المصرية هي الصبر لأنه مجتمع زراعي لا صناعي
حضرت قصر ثقافة المنيا و فوجئت ب الشاعر رضا عبد البصير ونصوصه الحداثية المدهشة
وحضر إلينا ذات ظهيرة صاخبة بالجمال الشاعر محمد أبو دومة في مهرجان شعري فانبهرت بتجربته اللغوية المدهشة وكان معه من الشباب الشاعر شعيب خلف وقصيدته الرياح السود القصيدة الغريبة على ذائقتي وقتها

وذات ليلة ذهبنا للدكتور جمال التلاوي في شقته أهديته كشكولا مملوء بالشعر الموزون المقفى عنوانه صلوات في كهوف الحب على غرار صلوات في هيكل الحب للشاعر أبي القاسم الشابي فكتب تعليقا في أول صفحة أن قصيدة قالوا ابتعد أنها أجمل قصائد الديوان وأنه ينتظر الشاعر مستقبل كبير لكن عليه أن يتحرر من القيود
كنت في الصف الثالث من الجامعة وكان المحكم الرئيس لمهرجان كلية الدراسات العربية دكتور جمال التلاوي وكنت مشاركا بقصيدتي انتحار الراهب قد تكون أربعين بيتا أو قرب الأربعين لا أتذكر جيدا وهي من قصيدة الوزن الواحد والقافية الواحدة
سأغرق في بحور الموت أوراقي وأشجاني أذكر منها ما يعلق في ذاكرتي من أربعة وثلاثين عاما حتي اليوم
وأهرع أحتسي سما لعل الحزن ينساني
فكم مرت شهور الحب ألقاها ويلقاني
ولا شيئا سوى نظر ينسج ثوب أكفاني
وأجفاني سهدها جفاء ويح أجفاني
وفي صدري تباريح صدى لهي وحرماني
وفي جنبي تنشيج وصدع القلب أبكاني
بنيت لمهجتي قصرا ممرد صرح سلماني
فها بلقيس تهجره وتهد كل بنياني
فهد القصر في عجل على قلبي ووجدا
خرجت مهلهلا أبكي على أبعاض جثماني
سأرحل يا رفيق العمر قد أعلنت نكراني
الى شط من السلوان موتي فيه رباني
أحتي الشط هاجرتي وكم تاقت لأحضاني
أحتى الشط هاجرتي وكم تاقت لأحضاني
أتاهت من على قدمي لأين السير شطئاني وأعطاها المركز الأول في التأليف والإلقاء فامتلأت غرورا على غرور
وفي الصف الرابع كان الدكتور على البطل يكودكتور كامل الصاوي يفجران في ذهني كل تصوراتي عن القصيدة الموروثة بمناذج من محمود دويش وشوقي بزيع
وحدث أن تغيرت شيئا فشيئا وكتبت النثر والتفعيلة
أنا مدين لكل أساتذتي الأجلاء الذين أرشدوني للشعر وللثورة والتحرر في الكتابة
ويبقى السؤال هل ينطفئ الغرور مع التقدم في العمر ووصول الانسان لمرحلة الشيب والحكمة والمعرفة أم أنها الانكسارات التي وجدتها في مناخ لا يسمح ببزوغ الموهوبين لست أدري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...