رسوم الترشح وقوائم غزة: بين مقتضيات القانون وحق المشاركة السياسية

رسوم الترشح وقوائم غزة: بين مقتضيات القانون وحق المشاركة السياسية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تقترب العملية الانتخابية الفلسطينية من استحقاق بالغ الأهمية، يتمثل في انتخابات المجلس التشريعي، وفي هذا السياق تبرز قضية تستحق معالجة قانونية وسياسية جادة، تتعلق بالضمان المالي المطلوب من القوائم الانتخابية، والبالغ عشرين ألف دولار، ومدى ملاءمة تطبيقه بصورته الحالية على القوائم الراغبة في الترشح من قطاع غزة، في ظل واقع اقتصادي وإنساني استثنائي خلّفته الحرب والدمار وفقدان الممتلكات ومصادر الدخل والعمل.

إن النقاش حول هذا المبلغ لا ينبغي أن يُختزل في كونه مجرد اعتراض على رسم أو تأمين مالي، بل يتصل بجوهر العملية الديمقراطية نفسها: هل يستطيع المواطن، في ظل ظروف استثنائية، أن يمارس حقه في الترشح والمشاركة السياسية بصورة فعلية، أم أن القيود المالية قد تتحول، من حيث الأثر العملي، إلى عائق أمام هذا الحق؟

بين النص القانوني والواقع الاستثنائي

من الناحية القانونية، لا يمكن تجاهل أن المشرّع وضع ضمانات مالية للترشح بهدف تنظيم العملية الانتخابية والحد من القوائم غير الجادة وضبط الإنفاق والدعاية الانتخابية. وبالتالي، فإن مجرد وجود التأمين المالي لا يعني بالضرورة تعارضه مع الحق في الترشح.

لكن القاعدة القانونية لا تُقرأ بمعزل عن الغاية التي شرعت من أجلها، ولا عن الظروف الاستثنائية التي يُراد تطبيقها فيها.

قطاع غزة اليوم يواجه ظروفاً اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، طالت قطاعات الإنتاج والعمل والتجارة والممتلكات، وأفقدت أعداداً كبيرة من المواطنين مصادر دخلهم ومدخراتهم. وفي مثل هذا الواقع، يصبح مبلغ عشرين ألف دولار بالنسبة إلى العديد من القوائم المحتملة أكثر من مجرد تأمين انتخابي؛ فقد يتحول عملياً إلى حاجز مالي أمام المشاركة السياسية.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين المساواة الشكلية والمساواة الفعلية.

فالمساواة لا تعني بالضرورة تطبيق الإجراء المالي ذاته على مواطنين يعيشون ظروفاً مختلفة بصورة جوهرية، وإنما تعني ضمان تكافؤ الفرص في ممارسة الحقوق العامة ضمن معايير قانونية موضوعية.

الحق في الترشح ليس امتيازاً مالياً

الانتخاب والترشح من أبرز مظاهر المشاركة في إدارة الشأن العام، ولذلك فإن أي قيد يرد عليهما يجب أن يكون مستنداً إلى القانون، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً مع الغاية التي يستهدفها.

ولا يعني ذلك إلغاء الضوابط المالية أو فتح باب الترشح بلا معايير، وإنما يعني أن الضابط المالي ينبغي ألا يفقد الغاية التنظيمية التي وضع من أجلها، وألا يتحول إلى عائق غير متناسب مع الظروف الواقعية للناخبين والمرشحين.

ومن هنا فإن معالجة رسوم القوائم في غزة يمكن أن تُطرح باعتبارها مسألة قانونية تتعلق بتكافؤ فرص المشاركة، وليس باعتبارها مطلباً لفئة سياسية أو جغرافية بعينها.

الحاجة إلى معالجة قانونية استثنائية

في ضوء ذلك، فإن المطلوب هو دراسة إصدار معالجة قانونية استثنائية ومؤقتة لقوائم قطاع غزة، وفق أسس واضحة وشفافة، وبالتنسيق الكامل مع لجنة الانتخابات المركزية، بما يحافظ على استقلالها واختصاصاتها.

ويمكن أن تشمل المعالجة، بحسب ما يسمح به الإطار الدستوري والقانوني، تخفيض قيمة التأمين، أو تأجيل استيفائه، أو وضع آلية إعفاء استثنائي وفق معايير موضوعية، أو اعتماد صيغة أخرى تحقق الغاية ذاتها دون أن تجعل القدرة المالية شرطاً عملياً للمشاركة السياسية.

وإذا كانت المعالجة تتطلب تعديلاً في النص القانوني النافذ، فينبغي أن تتم عبر الأداة التشريعية المختصة، وألا تكون مجرد إجراء إداري؛ أما إذا كان القانون يتيح تنظيماً أو استثناءً ضمن حدوده، فيمكن تنظيمه بصورة واضحة ومعلنة.

والأهم أن تكون المعايير عامة ومجردة، بحيث لا تمنح أفضلية لقائمة على أخرى، ولا تسمح بتسييس الإعفاء أو التخفيض، ولا تمس نزاهة العملية الانتخابية.

مسؤولية سياسية ودستورية

إن إجراء الانتخابات في ظل الظروف الراهنة يتطلب النظر إلى العملية الانتخابية باعتبارها مشروعاً وطنياً لإعادة بناء الشرعية وتجديد المؤسسات، وليس مجرد عملية إجرائية تبدأ بالترشح وتنتهي بإعلان النتائج.

ومن هذه الزاوية، فإن تمكين سكان غزة من المشاركة السياسية الفعلية يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي تصور انتخابي جاد.

ولا يستقيم منطقياً أن يُطلب من مواطن فقد منزله أو عمله أو مصدر دخله أن يوفر مبلغاً كبيراً للترشح، ثم يُقال إن باب المشاركة مفتوح أمامه من الناحية القانونية. فالقانون لا يقاس فقط بما يقوله النص، وإنما أيضاً بمدى إمكانية ممارسة الحق على أرض الواقع.

وهنا تكمن مسؤولية السلطة التشريعية والتنفيذية والجهات ذات العلاقة في إيجاد توازن بين متطلبات الانضباط الانتخابي من جهة، وضرورات المشاركة السياسية وتكافؤ الفرص من جهة أخرى.

لجنة الانتخابات أمام مسؤولية وطنية

كما أن لجنة الانتخابات المركزية، باعتبارها الجهة الفنية المختصة بإدارة العملية الانتخابية، معنية بإيصال هذا الإشكال إلى الجهات صاحبة الاختصاص، وبيان آثاره العملية على إمكانية مشاركة قوائم غزة.

لكن يجب في الوقت ذاته عدم تحميل اللجنة اختصاصاً ليس لها؛ فهي جهة انتخابية فنية وليست بديلاً عن المشرّع أو الجهة التي تملك صلاحية تعديل الأحكام القانونية.

ومن ثم، فإن المعالجة المطلوبة ينبغي أن تكون قانونية، معلنة، موحدة المعايير، وقابلة للرقابة.

المطلوب: قرار قانوني لا معالجة سياسية ظرفية

المسألة في جوهرها ليست: هل ندفع عشرين ألف دولار أم لا؟

بل السؤال الأعمق هو: كيف نحافظ على جدية العملية الانتخابية دون أن يتحول الشرط المالي إلى حاجز يحرم مواطنين متضررين من ممارسة حقهم السياسي؟

وهذا يتطلب مراجعة قانونية هادئة ومسؤولة، تأخذ في الاعتبار الظروف الاستثنائية في قطاع غزة، دون المساس بمبدأ المساواة أو استقلال العملية الانتخابية.

إن إصدار مرسوم أو قرار قانوني، وفق الصلاحية الدستورية والتشريعية المختصة، لمعالجة رسوم القوائم في غزة، إذا استند إلى معايير موضوعية ومؤقتة ومبررات معلنة، يمكن أن يوفر مخرجاً قانونياً يحفظ التوازن بين مقتضيات القانون والواقع الاستثنائي.

فالانتخابات لا تُقاس فقط بعدد الصناديق التي ستفتح، وإنما أيضاً بمدى قدرة المواطنين على الوصول إليها والمشاركة فيها بصورة حقيقية ومتساوية.

وفي الحالة الفلسطينية، حيث يمثل قطاع غزة جزءاً أصيلاً من النسيج السياسي والجغرافي للشعب الفلسطيني، فإن ضمان مشاركته لا ينبغي أن يبقى شعاراً سياسياً، بل يجب أن يتحول إلى ترتيب قانوني ومؤسسي قابل للتنفيذ.

إن إعادة النظر في الضمان المالي المفروض على قوائم غزة ليست دعوة إلى تعطيل القانون، وإنما دعوة إلى تطبيق القانون بروح العدالة وتحت سقف الدستور، مع مراعاة الظروف الاستثنائية التي لا يمكن تجاهلها.

فالغاية من الانتخابات هي توسيع المشاركة وتجديد الشرعية، وليس جعل القدرة المالية معياراً غير مباشر للوصول إلى التمثيل السياسي.

المحامي علي أبو حبلة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...