أحمد رجب شلتوت يكتب: حين تصبح التكنولوجيا عقيدة

ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، ولا في أن الإنسان يستخدم الآلة لتوسيع قدرته على الفعل والمعرفة والسيطرة على الطبيعة، فمنذ أن صنع الإنسان أول أداة وهو يفعل ذلك. المشكلة تبدأ في اللحظة التي تتغير فيها العلاقة: حين لا تعود التكنولوجيا وسيلة في يد الإنسان، وإنما يصبح الإنسان هو الذي يعيد تشكيل حياته وقيمه وأهدافه لكي تلائم ما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله.
من هذه الزاوية يمكن قراءة كتاب عيسى بيومي «الذكاء الاصطناعي وعبادة التكنولوجيا» الصادر عن دار غراب.
فالكتاب يضع الذكاء الاصطناعي داخل تاريخ أطول لعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا، ويسأل عن اللحظة التي تحولت فيها التكنولوجيا من أداة للتقدم إلى تصور كامل للتقدم نفسه.
ومن هنا تأتي العبارة التي يضعها المؤلف في صدر الكتاب، والمنسوبة إلى الفيلسوف الألماني ماركوس جبريل، والتي ترى أن البشرية قد تكون على شفا إفناء ذاتها نتيجة الفكرة المضللة التي تساوي بين التقدم العلمي والتكنولوجي والتقدم الإنساني.

يرصد الكتاب هذا التحول منذ الثورة الصناعية
إذ لم تعد الآلة مجرد وسيلة لتحسين الإنتاج، وإنما أسهمت في تغيير النظام الاقتصادي نفسه، وتحويل العمل إلى سلعة، ومن ثم زيادة نفوذ التكنولوجيا في مقدرات البشر، وذلك قد يقود إلى «عبادة التكنولوجيا».
ليس بالمعنى الديني ولكن بأن نمنح التكنولوجيا ثقة مطلقة وأن نفترض أن الجديد أفضل من القديم، والأسرع أفضل من الأبطأ، والأكثر آلية أفضل من الأكثر إنسانية، وأن كل مشكلة يمكن حلها إذا امتلكنا التقنية المناسبة، ففي هذه الحالة تصبح التكنولوجيا معيارا نحاكم به العالم.
هنا تكمن خطورة المصطلح، فالتكنولوجيا يمكنها أن تخبرنا كيف نبني شيئًا، وكيف نجعله أسرع وأدق وأكثر كفاءة، لكنها لا تستطيع أن تقرر، من تلقاء ذاتها، ما إذا كان الشيء الذي نبنيه يستحق أن يوجد أصلًا.
وهذه هي الفجوة التي ينبهنا الكتاب لها، فالقدرة ليست هي الحكمة، والكفاءة ليست هي الأخلاق، والإمكان التقني ليس دليلًا على المشروعية الإنسانية.
من هنا نفهم “عبادة التكنولوجيا” باعتبارها نوعًا من التنازل عن الأخلاقي لصالح التقني.



يخصص المؤلف فصلًا لموضوع «أنسنة الآلة»
فالروبوت، مثلًا، ليس مجرد جهاز متحرك، بقدر ما هو تجربة اجتماعية تضع الإنسان في مواجهة مفاهيم المسؤولية والأخلاق والقانون.

يميز الكتاب بين ما وصلت إليه التكنولوجيا بالفعل وما ينتمي إلى الاحتمال المستقبلي.
فالذكاء الاصطناعي العام، بالمعنى القوي، لم يتحقق بعد، فضلًا عن الذكاء الاصطناعي الفائق.
لكن احتمال الوصول إلى مستويات أعلى من القدرة يثير سؤالًا عن إمكان استمرار سيطرتنا على ما نصنعه، وهو ما يقود إلى مفهوم مشكلة التحكم:
الإنسان يريد آلة أكثر ذكاءً، ويريد في الوقت نفسه أن تظل هذه الآلة قابلة للتحكم.
الكتاب يعيد الخوف من المستقبل إلى مصدره البشري.
فنحن الذين نصنع الآلة، ونضع أهدافها، ونستخدمها، وإذا أصبحت التكنولوجيا قوة مهيمنة، فذلك لأن البشر سمحوا لقوة معينة بأن تتسع، وربما لأن المصالح الاقتصادية والسياسية كانت تدفع في هذا الاتجاه.
وهنا يشير الكتاب إلى ارتباط التكنولوجيا بحركة الرأسمالية والمصالح الاقتصادية.
كما يشير إلى المفارقة البيئية، فالتكنولوجيا الحديثة أسهمت في إنتاج أنماط من الاستهلاك واستغلال الطبيعة أفضت إلى مشكلات هائلة، ثم أصبحت التكنولوجيا نفسها جزءًا من محاولة حل هذه المشكلات.
في الفصول الأخيرة ينتقل الكتاب إلى السؤال عن مستقبل الإنسان نفسه، فماذا يبقى منه إذا أصبحت الآلة قادرة على أداء عدد متزايد من الوظائف التي ربطنا بها إنسانيتنا؟
وإذا كانت الآلة تستطيع الحساب، والبحث، والتحليل، وإنتاج النصوص والصور والموسيقى، بل والمشاركة في عمليات إبداعية معقدة، فما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟
وذلك يتوافق مع التصور الذي يقدمه الكاتب عن الإنسان باعتباره الكائن الذي يستطيع أن يسأل عن معنى أفعاله وعن الخير والشر والعدل والظلم.
الفصل الأخير، “هل يمكن إنقاذ الإنسانية؟”
قد يوحي بأن الكتاب يدعو إلى الانسحاب من التكنولوجيا أو وقف التقدم العلمي.
لكنه في الحقيقة يدرك أن المشكلة ليست في التكنولوجيا بوصفها معرفة وأداة، وإنما في انفصالها عن القيمة الإنسانية، وهذا فرق جوهري.
فليست القضية أن نوقف الذكاء الاصطناعي، بل أن نضبط الحدود التي يجب أن تحكم استخدامه، والقيم التي ينبغي ألا تتجاوزها للتكنولوجيا.
أخيرا تكمن ميزة الكتاب في أنه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره موضة تقنية عابرة، بل يضعه داخل تاريخ طويل للتكنولوجيا، ثم ينتقل من التقنية إلى الإنسان والمجتمع والأخلاق والمستقبل.
كما أن الكتاب ينجح في مخاطبة القارئ غير المتخصص؛ فالكاتب لا يريد تقديم كتاب تقني مثقل بالمصطلحات، وإنما يسعى إلى فتح القضية أمام القارئ العربي من زاوية إنسانية وفكرية.
بالتالي تصبح عبارة “عبادة التكنولوجيا” أكثر من مجرد عنوان للكتاب، إنها تحذير من انقلاب العلاقة بين الإنسان وأداته.
فالتكنولوجيا صنعتها يد الإنسان لكي تزيد قدرته على الفعل.
لكن الخطر يبدأ حين ينسى الإنسان أنه هو الذي ينبغي أن يحدد الغاية، عندئذ قد لا تصبح الآلة هي السيد. قد يكون الأخطر أن يصبح الإنسان نفسه هو الأداة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...