ثمة فارق بين أن تكتب عن مكان زرته، وأن تجعل المكان نفسه يدخل في نسيج الكتابة. الفارق دقيق، لكنه أساسي؛ ففي الحالة الأولى قد يتحول الأدب إلى سجل للانطباعات، وفي الثانية يصبح المكان عنصرًا من عناصر بناء الحكاية.
«مقهى العابرين في طوكيو» للدكتور حسين عبد البصير، الصادرة عن مؤسسة غايا الثقافية، تنتمي إلى المحاولة الثانية. تضم 38 قصة تستمد فضاءها من اليابان، ومن خبرة المؤلف بالإقامة فيها، لكنه لا يقدم نفسه بوصفه الرحالة الذي يشرح اليابان للقارئ المصري. يتوارى خلف شخصياته، ويترك لها مهمة إنتاج الحكاية.
وهذه واحدة من النقاط الأكثر أهمية في الكتاب.
فبدلًا من أن يقول الكاتب: «رأيت اليابان هكذا»، يجعل شخصياته ترى اليابان بطريقتها الخاصة. ومن ثم ينتقل النص من «المشاهدة» إلى «التخييل»، ومن المكان بوصفه موضوعًا إلى المكان بوصفه جزءًا من التجربة الإنسانية.
اليابان بوصفها مسافة
تحتاج الشخصية الأدبية أحيانًا إلى مسافة كي ترى نفسها. وفي هذه القصص تؤدي اليابان هذه الوظيفة.
معظم الشخصيات المصرية تأتي إلى اليابان وهي تحمل شيئًا لم تستطع حسمه في مصر: فقدًا، أو مشكلة، أو ذاكرة، أو رغبة في البدء من جديد. لكن الكاتب لا يجعل الهجرة مرادفًا للانهزام، ولا يجعل القادم المصري ضحية دائمة للظروف.
الهروب هنا فعل حركة.
والحركة، في كثير من الحكايات، تقود إلى احتمال جديد.
لهذا تتجاور فكرتان: مغادرة المكان القديم والبحث عن الذات. ولا يبدو أن الشخصيات تعرف مسبقًا ما الذي ستجده. المهم أنها تتحرك.
ومن هنا تأتي نهايات عدد من القصص مفتوحة على الأمل، لا على الحل. وهي سمة تستحق التوقف عندها، لأنها تمنع الحكايات من الانغلاق في مأساة الشخصيات، لكنها في الوقت نفسه لا تحل مشكلاتها كلها بضربة واحدة.
الآخر الذي يثير الفضول
العلاقة بين المصريين واليابانيين هي المجال الأخصب في النصوص.
ليس هناك صدام ثقافي كبير بالمعنى التقليدي. لا أحد يقف طوال الوقت لشرح «الفروق بين الشرق والغرب»، ولا تتحول الشخصيات إلى نماذج تمثيلية لثقافاتها.
بدلًا من ذلك، يوجد الفضول.
الياباني يريد أن يعرف المصري، والمصري يريد أن يفهم الياباني. وربما تكون هذه هي الطريقة الأكثر طبيعية لبدء العلاقة مع الآخر: أن نعترف أولًا بأننا لا نعرفه.
وقد يكون الاختلاف في اللغة والدين والعادات سببًا في التقارب بدلًا من العزلة. فالمألوف لا يثير الأسئلة، بينما المختلف يجبر الإنسان على النظر والتأمل.
وهذه الفكرة تمنح الكتاب جانبًا إنسانيًا يتجاوز اليابان نفسها.
ما لا يحدث
من الخيارات الفنية اللافتة أن العلاقات بين المصريين واليابانيين لا تتحول، في معظم القصص، إلى علاقات عاطفية.
كان من الممكن بسهولة أن تنزلق الحكايات إلى الحب المختلط، ثم الزواج، ثم اعتراض الأسرة، ثم صدام الدين والثقافة. لكنها لا تفعل ذلك.
لا توجد تقريبًا تلك الرومانسية الجاهزة.
تظل العلاقات عند حدود الصداقة والتفاهم والتبادل الإنساني والثقافي. والاستثناء اللافت يظهر في «فندق الدولفين»، حيث يظهر المصري محمد وزوجته اليابانية يوريكو، لكنهما ليسا بطلي القصة.
هذا الابتعاد عن الحب بوصفه أداة جاهزة لربط الثقافات يتيح للنصوص أن تبحث عن شكل آخر من أشكال العلاقة بين البشر.
المكان واللغة
حضور اليابان ليس متساويًا فنيًا في جميع القصص.
في أفضلها يصبح المكان جزءًا من الحالة النفسية للشخصية. وفي بعضها الآخر يظل أقرب إلى خلفية جميلة تتحرك الشخصيات أمامها.
نجد طوكيو وشينجوكو وهاراجوكو وسابورو وناجويا، ونجد المقاهي والحدائق والبحر والزهور والمطر والشوارع. هذه العناصر تمنح السرد ملمسًا بصريًا واضحًا.
لكن هذا الثراء البصري يؤدي أحيانًا إلى نوع من التكرار في اللغة.
تتكرر صورة المكان بوصفه «لوحة»، كما تتكرر عبارات الجمال والهدوء والطبيعة، والإشارات إلى حميمية الأسرة المصرية والطعام والشاي.
وهو تكرار يمكن فهم مصدره، لكنه يظل قابلًا للمراجعة.
فالكاتب لا يحتاج دائمًا إلى أن يخبرنا بأن المكان جميل؛ يكفي أحيانًا أن يجعلنا نراه.
وهذه نقطة مهمة في الكتابة عن بلد شديد الاختلاف بصريًا عن مصر: كثرة وصف الجمال قد تجعل الجمال نفسه مألوفًا، بينما التفاصيل الصغيرة غير المتوقعة تكون أقدر على خلق الدهشة.
حين يتكلم النص بدلًا من الكاتب
تظهر المشكلة بصورة أوضح في بعض الحوارات التي تتحدث مباشرة عن «تبادل الثقافات» و«المستقبل المشترك».
هذه العبارات مفهومة داخل الرؤية العامة للعمل، لكنها في بعض المواضع تبدو أقرب إلى خطاب المؤلف منها إلى كلام الشخصيات.
والنص الأدبي يكون أقوى حين لا يشرح فكرته بالكامل.
إذا جلس المصري والياباني إلى طاولة واحدة، وتبادلا الطعام والأسئلة والذكريات، فقد فهمنا معنى التواصل الثقافي من دون أن يقول أحدهما إنهما يمارسان «تبادلًا ثقافيًا».
الأدب، في أفضل حالاته، يثق بالقارئ.
«الطائر المغرد في شينجوكو»
من القصص التي أعجبتني «الطائر المغرد في شينجوكو».
تبدأ في مقهى «القط الأسود»، وسط صخب شينجوكو، حيث يدير المكان ياسوي، الشاب الياباني الذي فقد والديه في حادث، وتعمل فيه نيفين سميكة، المصرية التي جاءت إلى اليابان بحثًا عن حياة جديدة بعد فقد والدها في ظروف غامضة.
المقهى بالنسبة إلى الاثنين مساحة مؤقتة لإعادة بناء الحياة.
ثم يدخل رجل غريب.
معطف أسود، نظارة شمسية في الليل، قهوة سوداء، جلوس منفرد، ثم السؤال الذي يغير مسار القصة:
«هل أنتِ من القاهرة؟»
السؤال يفتح فجأة بابًا أغلقته نيفين منذ وصولها إلى اليابان.
يخبرها الرجل بأنه يعرف شيئًا عن والدها وعن سبب رحيلها، ثم يغادر، تاركًا وراءه أسئلة أكثر مما قدم من إجابات.
هنا تستخدم القصة عناصر التشويق بوضوح: سر قديم، شخص غامض، بطلة تحمل جرحًا غير مكتمل، ومعلومات تظهر بالتدريج.
لكن الأهم أن الغموض لا يتحول إلى استعراض، بل يبقى مرتبطًا بالجرح الشخصي للبطلة.
وفي المشهد الأخير تقريبًا، تجلس نيفين في الحديقة، ثم يأتي ياسوي ويجلس بجوارها ويسألها:
«أنتِ ما تزالين تبحثين، أليس كذلك؟»
يتحول الغموض الخارجي إلى غموض داخلي.
ما الذي تبحث عنه نيفين تحديدًا؟ والدها؟ الحقيقة؟ أم نفسها؟
وهنا تصبح الحكاية أكثر من قصة عن شخص غامض يلاحق ماضي امرأة.
ظل موراكامي
يحضر موراكامي في إحدى القصص حضورًا صريحًا، حين يشبه أحد الشخصيات لحظة ما بنهاية رواية له، حيث لا توجد إجابة واضحة، وإنما إحساس بأن شيئًا مهمًا حدث.
وهذه الإشارة ليست عابرة تمامًا؛ فثمة مزاج في بعض النصوص يقترب من عالم الأدب الياباني المعاصر: الشخصيات المنعزلة، المقاهي، المصادفات، الأشياء اليومية التي تكتسب دلالة أكبر من حجمها، والأسئلة التي تظل معلقة.
لكن حسين عبد البصير لا يكتب من داخل عالم ياباني خالص. إنه يضع التجربة المصرية في مواجهة اليابان، ولذلك يظل المصري حاضرًا بذاكرته وطعامه ولغته وماضيه، بينما تصبح طوكيو الطرف الآخر في معادلة الاكتشاف.
مشكلة العناوين
ثمة ملاحظة شكلية لكنها طريفة: حرف الجر «في» حاضر في 27 عنوانًا من أصل 38 قصة.
لا أعتقد أن الأمر يمثل مشكلة فنية بذاته، لكنه يكشف عن اعتماد كبير على المكان في تسمية القصص، حتى يكاد المكان يتحول إلى قالب للعناوين.
وربما كان تنويع العناوين في طبعة لاحقة سيمنح كل قصة استقلالًا أكبر، بحيث لا يبدو المكان هو الرابط الظاهر الوحيد بينها.
العابرون
في النهاية، تبدو «مقهى العابرين في طوكيو» أقرب إلى كتاب عن العبور منها إلى كتاب عن اليابان.
العابر هنا ليس فقط المصري الذي غادر بلده، ولا الياباني الذي التقى بالغريب. العبور يحدث داخل الشخصيات نفسها.
هناك شخص يترك ماضيه، وآخر يحاول فهم فقده، وثالث يبحث عن معنى جديد لحياته.
والمقهى، الذي يتكرر بوصفه مكانًا للقاء، يصلح لأن يكون صورة مصغرة للعالم الذي يقترحه حسين عبد البصير: غرباء يجلسون إلى جوار غرباء، يتبادلون كلمات قليلة، يكشفون جزءًا من حياتهم، ثم يغادرون.
تبقى الحكاية بعدهم.
وربما هنا تكمن قيمة الكتاب: في تحويل تجربة الإقامة في بلد بعيد من مادة للتوثيق إلى مادة للتخييل.
ومع بعض الاختصار في التكرار، خصوصًا في اللغة الوصفية والعبارات الخطابية، يمكن للنصوص أن تترك للقارئ مساحة أوسع لاكتشاف اليابان، والشخصيات، وما تخفيه كل حكاية خلف ظاهرها.
فالكاتب الذي يكتب عن الآخر لا يحتاج دائمًا إلى أن يشرح لنا الآخر.
يكفي أن يضعه أمامنا.
«مقهى العابرين في طوكيو» للدكتور حسين عبد البصير، الصادرة عن مؤسسة غايا الثقافية، تنتمي إلى المحاولة الثانية. تضم 38 قصة تستمد فضاءها من اليابان، ومن خبرة المؤلف بالإقامة فيها، لكنه لا يقدم نفسه بوصفه الرحالة الذي يشرح اليابان للقارئ المصري. يتوارى خلف شخصياته، ويترك لها مهمة إنتاج الحكاية.
وهذه واحدة من النقاط الأكثر أهمية في الكتاب.
فبدلًا من أن يقول الكاتب: «رأيت اليابان هكذا»، يجعل شخصياته ترى اليابان بطريقتها الخاصة. ومن ثم ينتقل النص من «المشاهدة» إلى «التخييل»، ومن المكان بوصفه موضوعًا إلى المكان بوصفه جزءًا من التجربة الإنسانية.
اليابان بوصفها مسافة
تحتاج الشخصية الأدبية أحيانًا إلى مسافة كي ترى نفسها. وفي هذه القصص تؤدي اليابان هذه الوظيفة.
معظم الشخصيات المصرية تأتي إلى اليابان وهي تحمل شيئًا لم تستطع حسمه في مصر: فقدًا، أو مشكلة، أو ذاكرة، أو رغبة في البدء من جديد. لكن الكاتب لا يجعل الهجرة مرادفًا للانهزام، ولا يجعل القادم المصري ضحية دائمة للظروف.
الهروب هنا فعل حركة.
والحركة، في كثير من الحكايات، تقود إلى احتمال جديد.
لهذا تتجاور فكرتان: مغادرة المكان القديم والبحث عن الذات. ولا يبدو أن الشخصيات تعرف مسبقًا ما الذي ستجده. المهم أنها تتحرك.
ومن هنا تأتي نهايات عدد من القصص مفتوحة على الأمل، لا على الحل. وهي سمة تستحق التوقف عندها، لأنها تمنع الحكايات من الانغلاق في مأساة الشخصيات، لكنها في الوقت نفسه لا تحل مشكلاتها كلها بضربة واحدة.
الآخر الذي يثير الفضول
العلاقة بين المصريين واليابانيين هي المجال الأخصب في النصوص.
ليس هناك صدام ثقافي كبير بالمعنى التقليدي. لا أحد يقف طوال الوقت لشرح «الفروق بين الشرق والغرب»، ولا تتحول الشخصيات إلى نماذج تمثيلية لثقافاتها.
بدلًا من ذلك، يوجد الفضول.
الياباني يريد أن يعرف المصري، والمصري يريد أن يفهم الياباني. وربما تكون هذه هي الطريقة الأكثر طبيعية لبدء العلاقة مع الآخر: أن نعترف أولًا بأننا لا نعرفه.
وقد يكون الاختلاف في اللغة والدين والعادات سببًا في التقارب بدلًا من العزلة. فالمألوف لا يثير الأسئلة، بينما المختلف يجبر الإنسان على النظر والتأمل.
وهذه الفكرة تمنح الكتاب جانبًا إنسانيًا يتجاوز اليابان نفسها.
ما لا يحدث
من الخيارات الفنية اللافتة أن العلاقات بين المصريين واليابانيين لا تتحول، في معظم القصص، إلى علاقات عاطفية.
كان من الممكن بسهولة أن تنزلق الحكايات إلى الحب المختلط، ثم الزواج، ثم اعتراض الأسرة، ثم صدام الدين والثقافة. لكنها لا تفعل ذلك.
لا توجد تقريبًا تلك الرومانسية الجاهزة.
تظل العلاقات عند حدود الصداقة والتفاهم والتبادل الإنساني والثقافي. والاستثناء اللافت يظهر في «فندق الدولفين»، حيث يظهر المصري محمد وزوجته اليابانية يوريكو، لكنهما ليسا بطلي القصة.
هذا الابتعاد عن الحب بوصفه أداة جاهزة لربط الثقافات يتيح للنصوص أن تبحث عن شكل آخر من أشكال العلاقة بين البشر.
المكان واللغة
حضور اليابان ليس متساويًا فنيًا في جميع القصص.
في أفضلها يصبح المكان جزءًا من الحالة النفسية للشخصية. وفي بعضها الآخر يظل أقرب إلى خلفية جميلة تتحرك الشخصيات أمامها.
نجد طوكيو وشينجوكو وهاراجوكو وسابورو وناجويا، ونجد المقاهي والحدائق والبحر والزهور والمطر والشوارع. هذه العناصر تمنح السرد ملمسًا بصريًا واضحًا.
لكن هذا الثراء البصري يؤدي أحيانًا إلى نوع من التكرار في اللغة.
تتكرر صورة المكان بوصفه «لوحة»، كما تتكرر عبارات الجمال والهدوء والطبيعة، والإشارات إلى حميمية الأسرة المصرية والطعام والشاي.
وهو تكرار يمكن فهم مصدره، لكنه يظل قابلًا للمراجعة.
فالكاتب لا يحتاج دائمًا إلى أن يخبرنا بأن المكان جميل؛ يكفي أحيانًا أن يجعلنا نراه.
وهذه نقطة مهمة في الكتابة عن بلد شديد الاختلاف بصريًا عن مصر: كثرة وصف الجمال قد تجعل الجمال نفسه مألوفًا، بينما التفاصيل الصغيرة غير المتوقعة تكون أقدر على خلق الدهشة.
حين يتكلم النص بدلًا من الكاتب
تظهر المشكلة بصورة أوضح في بعض الحوارات التي تتحدث مباشرة عن «تبادل الثقافات» و«المستقبل المشترك».
هذه العبارات مفهومة داخل الرؤية العامة للعمل، لكنها في بعض المواضع تبدو أقرب إلى خطاب المؤلف منها إلى كلام الشخصيات.
والنص الأدبي يكون أقوى حين لا يشرح فكرته بالكامل.
إذا جلس المصري والياباني إلى طاولة واحدة، وتبادلا الطعام والأسئلة والذكريات، فقد فهمنا معنى التواصل الثقافي من دون أن يقول أحدهما إنهما يمارسان «تبادلًا ثقافيًا».
الأدب، في أفضل حالاته، يثق بالقارئ.
«الطائر المغرد في شينجوكو»
من القصص التي أعجبتني «الطائر المغرد في شينجوكو».
تبدأ في مقهى «القط الأسود»، وسط صخب شينجوكو، حيث يدير المكان ياسوي، الشاب الياباني الذي فقد والديه في حادث، وتعمل فيه نيفين سميكة، المصرية التي جاءت إلى اليابان بحثًا عن حياة جديدة بعد فقد والدها في ظروف غامضة.
المقهى بالنسبة إلى الاثنين مساحة مؤقتة لإعادة بناء الحياة.
ثم يدخل رجل غريب.
معطف أسود، نظارة شمسية في الليل، قهوة سوداء، جلوس منفرد، ثم السؤال الذي يغير مسار القصة:
«هل أنتِ من القاهرة؟»
السؤال يفتح فجأة بابًا أغلقته نيفين منذ وصولها إلى اليابان.
يخبرها الرجل بأنه يعرف شيئًا عن والدها وعن سبب رحيلها، ثم يغادر، تاركًا وراءه أسئلة أكثر مما قدم من إجابات.
هنا تستخدم القصة عناصر التشويق بوضوح: سر قديم، شخص غامض، بطلة تحمل جرحًا غير مكتمل، ومعلومات تظهر بالتدريج.
لكن الأهم أن الغموض لا يتحول إلى استعراض، بل يبقى مرتبطًا بالجرح الشخصي للبطلة.
وفي المشهد الأخير تقريبًا، تجلس نيفين في الحديقة، ثم يأتي ياسوي ويجلس بجوارها ويسألها:
«أنتِ ما تزالين تبحثين، أليس كذلك؟»
يتحول الغموض الخارجي إلى غموض داخلي.
ما الذي تبحث عنه نيفين تحديدًا؟ والدها؟ الحقيقة؟ أم نفسها؟
وهنا تصبح الحكاية أكثر من قصة عن شخص غامض يلاحق ماضي امرأة.
ظل موراكامي
يحضر موراكامي في إحدى القصص حضورًا صريحًا، حين يشبه أحد الشخصيات لحظة ما بنهاية رواية له، حيث لا توجد إجابة واضحة، وإنما إحساس بأن شيئًا مهمًا حدث.
وهذه الإشارة ليست عابرة تمامًا؛ فثمة مزاج في بعض النصوص يقترب من عالم الأدب الياباني المعاصر: الشخصيات المنعزلة، المقاهي، المصادفات، الأشياء اليومية التي تكتسب دلالة أكبر من حجمها، والأسئلة التي تظل معلقة.
لكن حسين عبد البصير لا يكتب من داخل عالم ياباني خالص. إنه يضع التجربة المصرية في مواجهة اليابان، ولذلك يظل المصري حاضرًا بذاكرته وطعامه ولغته وماضيه، بينما تصبح طوكيو الطرف الآخر في معادلة الاكتشاف.
مشكلة العناوين
ثمة ملاحظة شكلية لكنها طريفة: حرف الجر «في» حاضر في 27 عنوانًا من أصل 38 قصة.
لا أعتقد أن الأمر يمثل مشكلة فنية بذاته، لكنه يكشف عن اعتماد كبير على المكان في تسمية القصص، حتى يكاد المكان يتحول إلى قالب للعناوين.
وربما كان تنويع العناوين في طبعة لاحقة سيمنح كل قصة استقلالًا أكبر، بحيث لا يبدو المكان هو الرابط الظاهر الوحيد بينها.
العابرون
في النهاية، تبدو «مقهى العابرين في طوكيو» أقرب إلى كتاب عن العبور منها إلى كتاب عن اليابان.
العابر هنا ليس فقط المصري الذي غادر بلده، ولا الياباني الذي التقى بالغريب. العبور يحدث داخل الشخصيات نفسها.
هناك شخص يترك ماضيه، وآخر يحاول فهم فقده، وثالث يبحث عن معنى جديد لحياته.
والمقهى، الذي يتكرر بوصفه مكانًا للقاء، يصلح لأن يكون صورة مصغرة للعالم الذي يقترحه حسين عبد البصير: غرباء يجلسون إلى جوار غرباء، يتبادلون كلمات قليلة، يكشفون جزءًا من حياتهم، ثم يغادرون.
تبقى الحكاية بعدهم.
وربما هنا تكمن قيمة الكتاب: في تحويل تجربة الإقامة في بلد بعيد من مادة للتوثيق إلى مادة للتخييل.
ومع بعض الاختصار في التكرار، خصوصًا في اللغة الوصفية والعبارات الخطابية، يمكن للنصوص أن تترك للقارئ مساحة أوسع لاكتشاف اليابان، والشخصيات، وما تخفيه كل حكاية خلف ظاهرها.
فالكاتب الذي يكتب عن الآخر لا يحتاج دائمًا إلى أن يشرح لنا الآخر.
يكفي أن يضعه أمامنا.