هدى حجاجي أحمد - قصائد تبدو قصيرة... لكنها تقول الكثير قراءة نقدية في قصائد الشاعر البهاء حسين

ليست القصيدة قصيرة بعدد كلماتها، وإنما بما تتركه وراء كلماتها من أسئلة وظلال. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى قصائد البهاء حسين القصيرة باعتبارها نصوصًا لا تراهن على الامتداد، بل على كثافة اللحظة الشعرية؛ فكل نص منها يبدو كأنه جملة توقفت في منتصف الكلام، لكنها تركت للقارئ مهمة إكمال ما لم تقله.

في النص الأول: «ما فائدة اللسان / إذا كان القلب أخرس»، يبدأ الشاعر من مفارقة بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالتها. فاللسان هو أداة التعبير، لكن الشاعر يسحب منه قدرته على الكلام حين يعجز القلب عن النطق. هنا لا يصبح الصمت عجزًا في اللسان، وإنما عجزًا في الداخل. واللافت أن الشاعر لا يقول إن اللسان أخرس، بل يجعل القلب هو الأخرس، وكأن الكلام الحقيقي لا يبدأ من الفم، وإنما من منطقة أكثر عمقًا في الإنسان. إنها جملة قصيرة، لكنها تضعنا أمام سؤال العلاقة بين القدرة على الكلام والقدرة على الشعور.



ثم يأتي النص الثاني: «أنا مدين للهواء بصوتك»، ليأخذنا إلى منطقة أكثر رهافة. فالهواء هنا ليس مجرد عنصر طبيعي، وإنما وسيط للحضور. الصوت لا يصل إلى الشاعر إلا عبر الهواء، لكنه يحوّل هذه الحقيقة البسيطة إلى علاقة وجدانية؛ فهو «مدين» للهواء بصوت المحبوبة. وكأن الشاعر يبحث عن مصدر للحضور حتى في أكثر الأشياء عادية، فيمنح الهواء دورًا عاطفيًا لا يملكه في الواقع، لكنه يملكه داخل القصيدة.

وفي النص الثالث: «لثغتك تجعل الكلمات حديثة الولادة»، تتجلى براعة الشاعر في تحويل عيب النطق أو التلعثم إلى فعل خلق. اللثغة هنا ليست نقصًا، بل وسيلة لاستعادة اللغة طفولتها الأولى. الكلمات، بسبب لثغتها، تصبح «حديثة الولادة». وهذه الصورة من أجمل صور المجموعة؛ لأنها لا تكتفي بوصف المحبوبة، بل تعيد تعريف اللغة نفسها من خلال صوتها. وكأن الشاعر لا يسمع الكلمات كما نسمعها نحن، وإنما يسمعها وهي تُخلق للمرة الأولى.

أما النص الرابع: «للغريزة ألفُ سلاح يا إيمان / والحب أعزل»، فينقل التجربة من الرومانسية الرقيقة إلى منطقة أكثر توترًا. فالمواجهة هنا بين قوتين: الغريزة بما تمتلكه من أسلحة، والحب الذي يأتي مجردًا من أدوات الدفاع. والمفارقة أن الحب، رغم ضعفه الظاهري، يظل هو القيمة التي يريد الشاعر الدفاع عنها. وربما تكمن قوة النص في أن الشاعر لا يمنح الحب انتصارًا جاهزًا، بل يضعه في مواجهة مباشرة مع طاقة أكثر بدائية وشراسة.

ويأتي النص الخامس: «الله يا إيمان / رجفة تعترينا، وتتركنا، رغم ذلك / سالمين»، ليكشف عن الحب باعتباره تجربة جسدية وروحية في آن واحد. كلمة «رجفة» تحمل معنى الخوف والدهشة والرغبة والارتباك، لكنها لا تنتهي إلى الأذى؛ فالرجفة تمر وتترك العاشقين «سالمين». وهنا تبدو المفارقة جميلة: كيف يمكن لشيء يهز الإنسان من الداخل أن ينتهي إلى السلام؟ ربما لأن الحب الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى امتلاك الآخر، بل يكفيه أن يترك أثره.

أما النص السادس فهو الأطول والأكثر تركيبًا في المجموعة:

«أنا فنارٌ قديم
انتظرتُ صوتك طويلاً، ليكون لي حارس
انتظرتك طويلاً، ليكون هناك
ماء
أمدّ فيه شعاعي»

هنا تتسع الصورة الشعرية من الإنسان إلى المكان. الشاعر يصبح «فنارًا قديمًا»، والفنار بطبيعته كائن ينتظر؛ يقف في العزلة، يرسل ضوءه إلى مسافات بعيدة، لكنه لا يملك أن يقترب ممن يهديه الطريق. ولذلك فإن انتظار صوت المحبوبة ليكون «حارسًا» يضيف مفارقة أخرى: الفنار الذي يهدي الآخرين يحتاج هو أيضًا إلى من يحرسه.

والأجمل أن الشاعر لا يقول إنه يريد أن يمد شعاعه في الفراغ، بل يقول إنه انتظرها ليكون هناك «ماء» يمد فيه شعاعه. وهنا تتحول المحبوبة من مجرد امرأة إلى شرط لاكتمال وظيفة الفنار. فالنور وحده لا يكفي؛ يحتاج إلى فضاء يعكسه ويحمله. وكأن الحب عند الشاعر ليس امتلاكًا، وإنما ضرورة لوجود المعنى نفسه.



أما الخاتمة: «يا ما تخليت عن الأمل، / لكنه لم يتخل عني»، فتبدو أبسط نصوص المجموعة، لكنها ربما أكثرها اختصارًا لتجربتها كلها. فالشاعر يضع نفسه في مواجهة الأمل بوصفه كائنًا مستقلًا. هو الذي تخلى، بينما الأمل لم يتخلَّ عنه. وفي هذه المفارقة تتحول الهزيمة إلى نوع من النجاة؛ فالإنسان قد يتعب من الانتظار، وقد يعلن تخليه عن أحلامه، لكن بعض الآمال تظل متمسكة به حتى حين لا يعود قادرًا على التمسك بها.

ما يجمع هذه النصوص جميعًا أن الشاعر لا يشرح مشاعره، بل يضغطها داخل صورة. لا يقول: أحبك، وإنما يقول «أنا مدين للهواء بصوتك». ولا يقول إن صوتها جميل، وإنما يجعل لثغتها قادرة على ولادة الكلمات من جديد. ولا يقول إن الحب ضعيف أمام الغريزة، وإنما يجعله «أعزل» في مواجهة «ألف سلاح». وهذه القدرة على استبدال التصريح بالصورة هي التي تمنح القصيدة القصيرة مجالها الحقيقي.

ومن الناحية الفنية، يعتمد البهاء حسين على المفارقة والتشخيص والاستعارة، لكنه لا يثقل النص بالمحسنات أو الزخارف. اللغة تبدو بسيطة، إلا أن بساطتها ليست فقرًا، وإنما اختيار جمالي يتناسب مع طبيعة القصيدة الومضة. وكلما قل عدد الكلمات، ازدادت مسؤولية الكلمة الواحدة، وهذا ما يجعل بعض هذه النصوص قابلة لأكثر من قراءة.

واللافت كذلك أن اسم «إيمان» يتكرر في أكثر من نص، فيمنح المجموعة مركزًا عاطفيًا واضحًا. لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مجرد شخصية شعرية؛ يمكن أن تتحول «إيمان» إلى رمز للحب، أو للمرأة، أو للمعنى الذي ينتظره الشاعر كي يكتمل. وهنا يصبح الاسم أكثر من مناداة، ويغدو جزءًا من بناء العالم الشعري.

إن أجمل ما في هذه القصائد أنها لا تحاول أن تقول كل شيء. إنها تترك للقارئ فراغًا ضروريًا، لأن الشعر الحقيقي لا يعيش فقط فيما يقوله الشاعر، وإنما أيضًا فيما يجعلنا نحن نفكر فيه بعد أن ننتهي من القراءة.

لهذا تبدو قصائد البهاء حسين قصيرة في مساحتها، لكنها ليست قصيرة في أثرها. إنها ومضات تتوقف عند لحظة واحدة، ثم تتركها مفتوحة على احتمالات كثيرة: قلب أخرس، صوت يصل عبر الهواء، كلمات تولد من لثغة، حب أعزل، رجفة أخرس، صوت يصل عبر الهواء، كلمات تولد من لثغة، حب أعزل، رجفة تنتهي إلى سلام، فنار ينتظر الماء، وأمل لا يتخلى عنا حتى حين نتخلى عنه.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة القصيدة القصيرة: أن تقول القليل، ثم تجعل القليل قادرًا على أن يوقظ الكثير في داخل القارئ.

بقلم الكاتبة ھويدا حجاجي أحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...