سعيد گنيش - مواصلة نقد التصورات الفكرية والسياسية لحزب النهج الديمقراطي العمالي ( القسم الأول)٠ج

(القسم الأول)

أخذت بعض الوقت في مواصلة نشر نقد التصورات الفكرية والسياسية لحزب النهج الصادرة بعد انعقاد مؤتمره الوطني السادس؛ حتى تعدي أيام "لعبة الانتخابات" في المغرب. لقد تم الاعداد والإخراج الدعائي لاستخراج "حدث سياسي" هو بكل الملامح مسخ، لحشد وخطف وعي جمهور ألف التخدير والقبول بوضعية المفعول به .
لنذهب مباشرة إلى صلب الموضوع،
أعتقد أن "التمرين على النقد" لا يسمح بمساحة ولو صغيرة للمراوغة في تناول القضايا الرئيسية موضوع النقد، كي لا يتحول إلى ممارسة شكلية أو تبرير لواقع.
أما سلاح النقد الماركسي فهو مطالب أكثر بالحفر والبحث عن جدور الانحرافات في موضوع نقده، تم طرح وتحليل القضايا الجوهرية في الصراع مع العدو الطبقي والقومي، بالوضوح المطلوب في كل مرحلة، وتحديد الموقف الثوري، والاستعداد للاشتباك والانتصار في سبيله.
بالتأكيد فإن تغييب سلاح النقد الماركسي في الساحة المغربية، سمح بالصعود إلى السطح لغة الشعارات والجمل الثورية وتعبئة الجمهور حولها. وأصبحت هي الحاضرة في خوض الصراع للتغطية على التساقط وفقدان المواقع الشعبية، وعلى حالة التحلل التنظيمي، والغموض الفكري والسياسي الذي يخيم على عقول رفاق البيان العام لحزب النهج. في مرحلة الهزائم والتراجعات التي طال أمدها. وأن الطبقات الشعبية المغربية لم تخرج من مرحلة التراجع، وتنخرط في تنظيم صفوفها للدفاع وصد الحرب الطبقية التي تشنها الطبقة المسيطرة وجهازها السلطوي، وإعادة بناء منظمات وأدوات النضال الطبقي الشعبي التي تم تخريبها.
أيضا لن يجدي سجال المراوحة بين موقف "نعم ولكن لا"، أو الركون لمحاولات التوفيق الشكلي، بين ما هو طبقي/ وطني/ وقومي؛ للتعويض عن سلاح النقد، للمساهمة في تأسيس مشروع تحرري وحدوي بأفق اشتراكي، كشرط للمساهمة في بناء إطار أممي للتضامن بين الشعوب؟
لقد سبق في مقالي النقدي التأكيد بتركيز على ما يلي:
"أن جوهر الصراع والمنطلق المركزي الذي تتفرع منه مجمل القضايا بالنسبة للماركسيين العرب، هو الوطن العربي وشعوبه العربية المضطهدة، الذي يشكل وحدة ونقطة الارتكاز الرئيسية وموضوع التحليل والهدف المطلوب إنجازه في هذه الحقبة من المواجهة التاريخية مع الامبريالية والصهيونية والرجعيات العربية. وليس المغرب وحده، كبلد منعزل عن محيطه العربي القومي؛ وذلك من أجل استنهاض وبناء وحدة حركات التحرر الوطني العربية وصولا إلى الدولة العربية المركزية أو الفيدرالية بأفق اشتراكي.
مع التأكيد على أن مشروع العروبة كوحدة ونقطة الارتكاز يعتبر هوية جامعة لكل المكونات الأصيلة، وهو من يضمن تطورها الديمقراطي الطبيعي في مواجهة العدو المشترك، حتى لا تسقط في شراك مخططاته. ولا يعني مسلسل البناء الوحدوي القفز فوق حالة الانقسام والتفاوتات الموضوعية والتاريخية بين الأقطار العربية، وعوامل التفتيت داخل كل بلد، والأزمات الخاصة والداخلية...إلخ".
كما أن بناء مشروع العروبة يعتبر نقيضا لأنظمة البورجوازية التابعة والعميلة، ولن ينتصر إلا باقتلاعها كعدو طبقي وقومي مباشر، وأداة في خدمة تحالف الهيمنة الإمبريالي والصهيوني الذي يشكل العدو الرئيسي، منذ سايكس بيكو الأول في المشرق العربي إلى سايكس بيكو الثاني في المغرب العربي، إلى "مخطط التطبيع الابراهيمي" الزاحف في المرحلة الراهنة.
لم تتم مناقشة ونقد وجهة نظري المركزة كما وردت أعلاه، في تحديد جوهر الصراع، ونقد الأرضية التي يدور حولها، وطبيعة القوى المتناقضة، والتحالفات الموضوعية والممكنة، وقوى الثورة المضادة، والارتباط الجدلي بين الوطني والقومي، ومشروع البديل القابل للإنجاز على صعيد المغرب العربي والوطن العربي الكبير. وقضية التحرر الوطني المرتبط بالتحرر العربي وصولا إلى الدولة العربية المركزية أو الفيدرالية بأفق اشتراكي.
لقد ظل مقال "السجال التفكيكي" عنوان الرد على مقالي، يتراوح" بين نعم ولكن لا"، ومحاولة التوفيق الشكلي بين مستويات الصراع الوطني/ القومي/ والاممي؛ وتم اختزال النقد الموجه لبيان الحزب وحصره في مستوى الصيغ المستعملة، والاحتساب الكمي لمصطلح العروبة، وهو أمر بالغ السخافة. وتم اعتبار أن الانتماء للعروبة ليس مقياسا للحكم على ماركسية الخط الفكري والسياسي لحزب النهج. وكأن الماركسية تعني شيء آخر غير الانتصار للقضايا العادلة والانحياز للقوى الاجتماعية المحركة لتقدم التاريخ، وهي بكل جدارة حق الأمة العربية في الوحدة والتحرر والتنمية والسيادة. ليس استرجاعا لماضي وإنما مشروعا للمستقبل هو الوحيد القابل للحياة.
نقد بيان حزب النهج محوره، هو نقد مشروع يدعي إعادة بناء وحدة الشعب المغربي على أساس دولة الفدرلة بمبرر تفكيك دولة المخزن المركزية ومواجهة النظام. وتوضيح لماذا أسقط البيان العام من تحليله واستنتاجاته، واقع إعادة سيطرة المركز الامبريالي على مجمل الوطن العربي في العقود الاخيرة، وادماج الكيان الصهيوني ادماجا مهيمنا، خصوصا بعد إسقاط الجمهوريات العربية تباعا. تم تقديم الأسباب الفكرية والسياسية كخلفية لإسقاط الحزب لمشروع العروبة التحرري ومتطلباته والتزاماته وطنيا وعربيا وأمميا.
فهل تناول بيان النهج هذه التطورات النوعية وحدد بالاستنتاج المهام المركزية المطلوبة؟ خاصة وأن العدوان الصهيو أمريكي على الشعوب العربية، متواصل وهي مفككة الاوصال في المقاومة والمجابهة، مخترقة من الطائفي والمذهبي والشوفيني. تفتقد إلى الحد الأدنى من التنسيق والتضامن. و على النقيض فإن قوى العدوان تتحرك وهي موحدة التحالف والاستهداف بالتقسيم، لنهب وإهدار الثروة القومية، وتعميق التخلف والتبعية، ومنع التنمية، ورفع معدلات المديونية والبطالة والتهميش والمرض والأمية والهجرة، وتهبيط معدلات الحياة والتمدرس والتكوين العلمي والمهني.. إلخ.
راهنا فإن مخطط الاستهداف هو إعادة الاحتلال و تجزئة الوطن العربي، التي تقوم في أغلبها بعزل الطوائف والإثنيات، في منعزلات جغرافية خاصة بكل منها، معادية كل منها للأخرى، مستقوية بالسيد الإمبريالي.
البديل عن الاسقاط الاختياري للحزب، أنه يعتبر الشعب المغربي يشكل أمة لذاته. وبنى تصوره الفكري والسياسي وبرنامجه وتحالفاته، وأفق تفكيره على هذا الافتراض المثالي والانعزالي معا. ويعتقد أن رفع "الشعارات الثورية" يجدي عن عدم تحديد كيفية تحويلها إلى قوة مجتمعية وطنيا وقوميا.
لقد تأكد بالملموس ومن خلال الوقائع الأليمة لهزائم تجارب بلدان حركات التحرر الوطني و البناء الاشتراكي في عصر الامبريالية المعولمة -وهي من أهم الأسباب ولا أقول الوحيدة - أن الأقطار الصغيرة لا تصنع أو تحافظ على استقلال حقيقي، الذي لا يعني فقط السياسي وإنما الاقتصادي الذي يقوى السياسي ويدعمه . ولا يمكن أن تبني لوحدها تنمية متمحورة على الذات، أو أرضية لصناعة حديثة، أو فك ارتباط مع الرأسمالية الاحتكارية وأسواقها. فما بالك بالتحويل الاشتراكي ومتطلباته. فالتاريخ الحديث يعلمنا حجم الاستهداف العدواني من طرف القوى الامبريالية، الذي تعرضت له بلدان الجنوب التي اتجهت لبناء الاشتراكية. وأن من أسباب صمودها هو تماسكها ووحدتها القومية وحجم توسع مجالها الإقليمي.
إن المشروع العروبي الوحدوي بأفق اشتراكي، هو القادر على تحقيق هذه الأهداف، و القادر على فرز قوة اجتماعية ثورية برؤيا تاريخية ومستقبلية لحماية هذا المشروع وتحويله إلى واقع ممكن (نستطيع تسميتها كثلة تاريخية بالمفهوم الغرامشي ).
مشروع يستند على دروس وأخطاء الأقطار العربية وطبيعتها الطبقية البورجوازية وتجاوزها، تلك التي شهدت محاولات الاستقلال والتنمية و أسقطت بهزيمة يونيو 1967 ، وتلتها تصفية الجمهوريات العربية وجيوشها بعد حرب أكتوبر 1973.
لهذه الأسباب جاء نقدي للبيان العام وبرنامجه وأوراق المؤتمر الوطني السادس لحزب النهج الديمقراطي العمالي، نقدا من خارجه تصوراته ودون تقاطع معه. لذلك أكرر قولي أن نقدي منحاز لموقع طبقي وقومي ولمشروع بديل.
لا أقدم مشروعا مستجلبا، فالمغرب العربي أو الجناح الغربي للوطن العربي الواحد، هو التعريف الذي كرسه القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي وأعطاه مضمونا تحرريا ووحدوي، بعد لجوئه إلى القاهرة – عاصمة العروبة آنذاك - بفترة قصيرة عائدا من منفاه سنة 1947؛ وذلك من خلال إعلانه عن مشروع سياسي مقاوم عبرت عنه وثيقة ميثاق التأسيس "للجنة تحرير المغرب العربي"(صدر ميثاق التأسيس في القاهرة بتاريخ 1948/01/05، ونشر أول مرة بجريدة الاهرام المصرية في عددها الصادر بتاريخ 1948/01/06 (وردت الوثيقة في مجلد "محمد بن عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال أفريقيا: 1920- 1963، وثائق ومذكرات" ) المجلد من إصدار د. حسن محمد حسن البدوي. دار ماهي للنشر والتوزيع- مصر)
وإلى اليوم ظل منتسبي الأيديولوجيا الشوفينية العنصرية يشوهون ويبترون عن قصد المسار النضالي للقائد محمد بن عبد الكريم الخطابي، خاصة مساره العروبي الوحدوي وايمانه بوحدة قضايا الشعوب العربية ومركزيتها القضية الفلسطينية، ويروجون لسردية مزورة من تاريخه ويقدمونه كزعيم قبيلة في الريف شمال المغرب.
قوى الدين السياسي يضمرون له العداء في سريرتهم لأنه يرعبهم خاصة وهو يجمع في شخصه المعنى الحقيقي للدين العربي التحرري المنفتح على قضايا العصر. فهم بطبيعتهم يتنكرون لكل إشراقة في تاريخ النضال التحرري للشعوب العربية، ويعادون نهضة الشعوب العربية والقبض على مصيرها لتحرير الأوطان ووحدتها من قيود الاستعمار بكل أشكاله.
أما مكونات اليسار الجديد فقد ابتليت عند النشأة، بآفة القطيعة مع المقاومة في نضال الشعب المغربي واستيعابها بشكل خلاق، تعتقد أنها المنطلق ، تم انكفأت على ابتلاع كراريس الماركسية الوافدة من الخارج، وحكمت على نفسها بالعزلة، وكأن الفكر التحرري العربي بلا تاريخ.
صدر ميثاق التأسيس في القاهرة بتاريخ 1948/01/05، ونشر أول مرة بجريدة الاهرام المصرية في عددها الصادر بتاريخ 1948/01/06 (وردت الوثيقة في مجلد "محمد بن عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال أفريقيا: 1920- 1963، وثائق ومذكرات" ) المجلد من إصدار د. حسن محمد حسن البدوي. دار ماهي للنشر والتوزيع-مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...