( فحطوا الينا شاخصات كأنها
من السند مسلوب القميص رواعف).
هذا البيت مثال للتشبيه المربك في الشعر العربي.. فهو يصف الدنان بأنها كرجل أسود من السند، عارٍ، سُلب قميصه، وهي راعفة..
هذا التركيب المتداخل الذي استخدمه القطامي، يسجل تعقيداً بالتشبيه حيث جَمَع عدة أوجه شبه مختلفة في بيت واحد:
اللون: (زقاق الخمر السوداء/الداكنة ⟵ رجل من السند أسمر/أسود البشرة).
الهيئة والانسلاخ: (الزقاق المسلوخة الجلد والمُتفخة ⟵ رجل سُلِب قميصه فصار عارياً).
الحركة/السيلان: (الخمر الحمراء التي تسيل من فم الزق ⟵ الدم الذي يرعف من أنف هذا الرجل).
تناول نقاد الأدب وعلماء البلاغة مسألة «التشبيه البعيد» (أو الغريب) و«التشبيه المتكلف» بالتحليل والنقد، وقسّموه من حيث القيمة الجمالية والقبول إلى أنواع؛ فمنهم من عدّ "البُعد" ذكاءً وطرافةً إذا لَمَح فيه الذهن رابطاً خفياً لطيفاً، ومنهم من ذمّه وعدّه تعسفاً وعيباً إذا استلزم إعمالاً متكلفاً للفكر للتلفيق بين طرفين لا يجمعهما جامع ظاهري (كما في بيت القطامي الذي يتطلب تخيل رجل سنديّ مجرد من ثيابه ويسيل الدم من أنفه ليشبه زِقّ خمر مفصوداً!).
أبرز العلماء والنقاد الذين تناولوا هذين المصطلحين مع نصوصهم الدقيقة:
عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) — في كتابيه «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز»
فرق الجرجاني بين التشبيه المبتذل/القريب (الذي يتبادر للذهن فوراً) والتشبيه البعيد الغريب، ووضح متى يكون البعيد محموداً ومتى يكون متكلفاً مذموماً.
نصّه في حدّ التشبيه البعيد:
«وأما التشبيه البعيد الغريب، فهو ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به إلا بعد فكرٍ ونظر، واستعانةٍ بالتأويل والدقة... وإنما يُحمدُ من الغريب ما كان بَعدُه لنكتةٍ يلطُفُ جَلاؤها، لا لما فيه من التعسف والتكلف الذي يُتعب الفكر ولا يُعطي طائلاً».
ابن الأثير (ت 637 هـ) — في كتابه «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»
تطرق ابن الأثير إلى التشبيه البارد والبعيد المتعسف الذي يُجهد المتلقي للوصول إلى وجه الشبه دون فائدة بلاغية.
نصّه في ذم التشبيه البعيد والمتكلف:
«واعلم أن من التشبيه ما يأتي بعيد المأخذ جداً، حتى يُحتاج في استخراج وجه الشبه فيه إلى فكرٍ زائد وركوب تعسّف، وذلك مما يخرجه عن حقيقة التشبيه؛ لأن موضوع التشبيه إنما هو لبيان المشبَّه وإيضاحه، فإذا زاد إبهاماً وإشكالاً بَعُدَ عن مقصوده... والقبح الفاحش إنما يدخل التشبيه من جهة التعسف والتكلف في ركوب البعيد».
ابن رشيق القيرواني (ت 456 هـ) — في كتابه «العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده»
قسم ابن رشيق التشبيه عند العرب إلى أربعة أضرب (مفرط، ومصيب، ومقارب، وبعيد)، وبين أن البعيد منه ما يقع في باب العيب والتعقيد.
نصّه في تقسيم التشبيه والبعيد منه:
«والعرب تشبه على أربعة أضرب: فتشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد... فأما التشبيه البعيد فهو الذي ينأى فيه المشبَّه عن المشبَّه به حتى لا يجمعهما إلا الربط المتكلف، وما بَعُدَ من التشبيه جداً حتى يخفى وجهه على السامع فهو ممروضٌ مدخول، لأن حُسن التشبيه في إبراز الخفي إلى الجلي».
قدامة بن جعفر (ت 337 هـ) — في كتابه «نقد الشعر»
عرّف التشبيه وجعل معيار جودته القرب والوضوح، واعتبر التشبيه المتكلف الذي يحتاج إلى تأويلات متمحلة نوعاً من "التشبيص" أو الخلل في ائتلاف اللفظ مع المعنى.
نصّه في عيب البعيد المتكلف:
«وأحسن التشبيه ما أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وما لا تُعرف له صفة إلى ما تُعرف له صفة... ومتى أخرَج الشاعرُ التشبيهَ إلى ما هو أبعدُ منه وأخفى، أو جَمَع بين الشتيتين بتكلفٍ يستلزم التأويل البعيد، خرج من باب الفصاحة إلى باب الإلغاز والتعقيد».
تتفق هذه النصوص على أن التشبيه في بيت القطامي (تشبيه الزِق بالسندي المسلوب القميص) هو نموذج حي لما سمّوه «التشبيه البعيد والمتكلف»؛ لأن الشاعر اضطر إلى تركيب أوهام وتأويلات متتابعة (اللون + السلب + الرعاف) ليربط بين جماد (زِق الجلد) وإنسان (السندي)؛ وهو ما يُعد في الميزان البلاغي "تجميعاً متكلفاً" يجهد الفكر بدلاً من أن يوضح الصورة.
لكن الشاعر القطامي أجاد في وصف الدنان بموضع آخر:
وَاسْتَوْدَعَتْهَا رَوَاقِيدا مُقَيَّرَةً
دُكْنَ الظَّوَاهِرِ قَدْ بُرْنِسْنَ بالطِّينِ
كَأَنَّهُنَّ – وَقَدْ صُفِّفْنَ فِي نَسَقٍ –
مُسْتَوْسِقَاتُ نَبِيطٍ فِي تَبَابِينِ
في هذين البيتين يتجلى التشبيه المصيب؛ إذ تشخص الدنان وهي مصففة في نسق منتظم، وقد غُطيت رؤوسها بالطين المقير لحفظها (كأنها التباني أو الأغطية)، فشبهها بأجمال أو جماعات من النبط (الفلاحين) يتتابعون في لباسهم ومظهرهم الملتف.
أهم المصادر:
ديوانه بتحقيق الدكتورين إبراهيم السامرائي وأحمد مطلوب.
أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز — عبد القاهر الجرجاني.
العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده — ابن رشيق القيرواني.
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — ابن الأثير.
سيرته (القطامي - عمير بن شييم اللخمي التغلبي):
لقبه: سُمّي "القطامي" لبيتٍ قاله في الوصف يُشبّه فيه نوقه بالصقور (والقطاميّ هو الصقر الحديد البصر).
عصره: شاعر أموي مخضرم، عاش في العصر الأموي (تُوفي نحو 101 هـ / 719 م)، وكان معاصراً لجرير والفرزدق والأخطل.
نسبه وموطنه: من قبيلة تغلب العربية.
الصياد
٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
من السند مسلوب القميص رواعف).
هذا البيت مثال للتشبيه المربك في الشعر العربي.. فهو يصف الدنان بأنها كرجل أسود من السند، عارٍ، سُلب قميصه، وهي راعفة..
هذا التركيب المتداخل الذي استخدمه القطامي، يسجل تعقيداً بالتشبيه حيث جَمَع عدة أوجه شبه مختلفة في بيت واحد:
اللون: (زقاق الخمر السوداء/الداكنة ⟵ رجل من السند أسمر/أسود البشرة).
الهيئة والانسلاخ: (الزقاق المسلوخة الجلد والمُتفخة ⟵ رجل سُلِب قميصه فصار عارياً).
الحركة/السيلان: (الخمر الحمراء التي تسيل من فم الزق ⟵ الدم الذي يرعف من أنف هذا الرجل).
تناول نقاد الأدب وعلماء البلاغة مسألة «التشبيه البعيد» (أو الغريب) و«التشبيه المتكلف» بالتحليل والنقد، وقسّموه من حيث القيمة الجمالية والقبول إلى أنواع؛ فمنهم من عدّ "البُعد" ذكاءً وطرافةً إذا لَمَح فيه الذهن رابطاً خفياً لطيفاً، ومنهم من ذمّه وعدّه تعسفاً وعيباً إذا استلزم إعمالاً متكلفاً للفكر للتلفيق بين طرفين لا يجمعهما جامع ظاهري (كما في بيت القطامي الذي يتطلب تخيل رجل سنديّ مجرد من ثيابه ويسيل الدم من أنفه ليشبه زِقّ خمر مفصوداً!).
أبرز العلماء والنقاد الذين تناولوا هذين المصطلحين مع نصوصهم الدقيقة:
عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) — في كتابيه «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز»
فرق الجرجاني بين التشبيه المبتذل/القريب (الذي يتبادر للذهن فوراً) والتشبيه البعيد الغريب، ووضح متى يكون البعيد محموداً ومتى يكون متكلفاً مذموماً.
نصّه في حدّ التشبيه البعيد:
«وأما التشبيه البعيد الغريب، فهو ما لا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به إلا بعد فكرٍ ونظر، واستعانةٍ بالتأويل والدقة... وإنما يُحمدُ من الغريب ما كان بَعدُه لنكتةٍ يلطُفُ جَلاؤها، لا لما فيه من التعسف والتكلف الذي يُتعب الفكر ولا يُعطي طائلاً».
ابن الأثير (ت 637 هـ) — في كتابه «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»
تطرق ابن الأثير إلى التشبيه البارد والبعيد المتعسف الذي يُجهد المتلقي للوصول إلى وجه الشبه دون فائدة بلاغية.
نصّه في ذم التشبيه البعيد والمتكلف:
«واعلم أن من التشبيه ما يأتي بعيد المأخذ جداً، حتى يُحتاج في استخراج وجه الشبه فيه إلى فكرٍ زائد وركوب تعسّف، وذلك مما يخرجه عن حقيقة التشبيه؛ لأن موضوع التشبيه إنما هو لبيان المشبَّه وإيضاحه، فإذا زاد إبهاماً وإشكالاً بَعُدَ عن مقصوده... والقبح الفاحش إنما يدخل التشبيه من جهة التعسف والتكلف في ركوب البعيد».
ابن رشيق القيرواني (ت 456 هـ) — في كتابه «العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده»
قسم ابن رشيق التشبيه عند العرب إلى أربعة أضرب (مفرط، ومصيب، ومقارب، وبعيد)، وبين أن البعيد منه ما يقع في باب العيب والتعقيد.
نصّه في تقسيم التشبيه والبعيد منه:
«والعرب تشبه على أربعة أضرب: فتشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد... فأما التشبيه البعيد فهو الذي ينأى فيه المشبَّه عن المشبَّه به حتى لا يجمعهما إلا الربط المتكلف، وما بَعُدَ من التشبيه جداً حتى يخفى وجهه على السامع فهو ممروضٌ مدخول، لأن حُسن التشبيه في إبراز الخفي إلى الجلي».
قدامة بن جعفر (ت 337 هـ) — في كتابه «نقد الشعر»
عرّف التشبيه وجعل معيار جودته القرب والوضوح، واعتبر التشبيه المتكلف الذي يحتاج إلى تأويلات متمحلة نوعاً من "التشبيص" أو الخلل في ائتلاف اللفظ مع المعنى.
نصّه في عيب البعيد المتكلف:
«وأحسن التشبيه ما أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وما لا تُعرف له صفة إلى ما تُعرف له صفة... ومتى أخرَج الشاعرُ التشبيهَ إلى ما هو أبعدُ منه وأخفى، أو جَمَع بين الشتيتين بتكلفٍ يستلزم التأويل البعيد، خرج من باب الفصاحة إلى باب الإلغاز والتعقيد».
تتفق هذه النصوص على أن التشبيه في بيت القطامي (تشبيه الزِق بالسندي المسلوب القميص) هو نموذج حي لما سمّوه «التشبيه البعيد والمتكلف»؛ لأن الشاعر اضطر إلى تركيب أوهام وتأويلات متتابعة (اللون + السلب + الرعاف) ليربط بين جماد (زِق الجلد) وإنسان (السندي)؛ وهو ما يُعد في الميزان البلاغي "تجميعاً متكلفاً" يجهد الفكر بدلاً من أن يوضح الصورة.
لكن الشاعر القطامي أجاد في وصف الدنان بموضع آخر:
وَاسْتَوْدَعَتْهَا رَوَاقِيدا مُقَيَّرَةً
دُكْنَ الظَّوَاهِرِ قَدْ بُرْنِسْنَ بالطِّينِ
كَأَنَّهُنَّ – وَقَدْ صُفِّفْنَ فِي نَسَقٍ –
مُسْتَوْسِقَاتُ نَبِيطٍ فِي تَبَابِينِ
في هذين البيتين يتجلى التشبيه المصيب؛ إذ تشخص الدنان وهي مصففة في نسق منتظم، وقد غُطيت رؤوسها بالطين المقير لحفظها (كأنها التباني أو الأغطية)، فشبهها بأجمال أو جماعات من النبط (الفلاحين) يتتابعون في لباسهم ومظهرهم الملتف.
أهم المصادر:
ديوانه بتحقيق الدكتورين إبراهيم السامرائي وأحمد مطلوب.
أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز — عبد القاهر الجرجاني.
العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده — ابن رشيق القيرواني.
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — ابن الأثير.
سيرته (القطامي - عمير بن شييم اللخمي التغلبي):
لقبه: سُمّي "القطامي" لبيتٍ قاله في الوصف يُشبّه فيه نوقه بالصقور (والقطاميّ هو الصقر الحديد البصر).
عصره: شاعر أموي مخضرم، عاش في العصر الأموي (تُوفي نحو 101 هـ / 719 م)، وكان معاصراً لجرير والفرزدق والأخطل.
نسبه وموطنه: من قبيلة تغلب العربية.
الصياد
٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦