شهادات خاصة عبدالمنعم الهراق - شخصيات استوقفتني... فاطمة المرنيسي.. من طلب المصادر، إلى رفوف القراء..

من أقدم المذكرات التي احتفظت بها من سنوات المكتبة، تلك التي جمعتني بالدكتورة فاطمة المرنيسي رحمة الله عليها.
اتصلت بي ذات مرة تسأل بحرص شديد عن "فتوح البلدان" و"كتاب الأنساب" للبلاذري ، ألحّت في طلبهما طويلا، ثم توالت الكتب التي تبحث عنها: "تاريخ الطبري "، و "وفيات الأعيان" لابن خلكان، و" الأغاني " لأبي الفرج الأصفهاني.
منذ تلك الطلبات الأولى، بدا لي شغفها بالمصادر التاريخية القديمة واضحا. لم تكن تبحث عن الكتب لمجرد اقتنائها، بل عن عوالم كاملة تختبئ بين صفحاتها.
استمر التواصل عبر الهاتف، وحين تحتاج إلى كتاب ترسل سائقها الذي يتولى خدمتها إلى المكتبة ، أما حضورها داخل المكتبة، فله في ذاكرتي صورة لا تشبه غيرها.
أقف يومها في مقتبل العمر، لم أتجاوز العشرين، وأسترق النظر إليها بين رفوف الكتب. شخصية مهيبة، صوت رخيم، بنية جسدية قوية، ووشوم على يديها، ولباس أنيق بلا تبرج ولا مبالغة في الزينة.
لكن أكثر ما شد انتباهي لم يكن مظهرها فحسب ، كانت تأتي غالبا برفقة طالبات غربيات من جنسيات مختلفة. تجيب عن أسئلتهن، تناقشهن، تؤطرهن، وتوجههن. أتابع المشهد من بعيد، وأرى امرأة تحمل في حديثها معهن شيئا يتجاوز علاقة الأستاذة بالطالبات.
مرت السنوات...ثم جاءت الألفية الثالثة، وإذا بي أشهد من داخل المكتبة مشهدا مختلفا تماما .
لم تعد مؤلفات فاطمة المرنيسي تصل إلى رفوفنا بحثا عنها هي، بل أصبح القراء هم الذين يبحثون عنها.
رأيت الإقبال الكبير على كتبها: "سلطانات منسيات"، "شهرزاد ترحل إلى الغرب"، "الحريم السياسي"، "الخوف من الحداثة"، "الحب في البلدان الإسلامية "، "نساء على أجنحة الحلم "وغيرها من مؤلفاتها.
وهنا أشعر أنني لم أعش مجرد علاقة عابرة مع كاتبة داخل مكتبة.
لقد شهدت، من مكاني خلف الرفوف، مرحلتين من حياتها الثقافية:
في التسعينيات، رأيتها وهي تبحث عن البلاذري والطبري وابن خلكان والأصفهاني، وتغوص في المصادر القديمة؛ وبعد عقود، رصدت كتبها هي وهي تنتقل من يد إلى يد، ومن رف إلى رف، ومن قارئ إلى قارئ.
في البداية، كانت تأتي إلى المكتبة بحثا عن الكتب ، وبعد سنوات، أصبحت الكتب تأتي بالقراء إليها.
وبين المشهدين، امتدت عقود كاملة، وبقيت المكتبة شاهدة على التحول؛ من امرأة أعرفها من خلال الكتب التي تطلبها، إلى اسم تصنع كتبه حركة واضحة بين رفوف القراء.
لذلك حين أستعيد صورتها اليوم، أستحضر أيضا زمنا ثقافيا كاملا مرّ أمام عيني، وأنا أقف في المكان نفسه تقريبا، خلف رفوف الكتب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...