هناك في الحياة عناوين كبرى...
مانشيتات عريضة، تحتل الصفحة كلها، وتتوارى أمامها الأخبار الصغيرة، مهما كانت مهمة.
وعندما يكون في الحياة حب كبير، تتوارى أمامه كل المشاعر العابرة.
عشت طفولتي وصباي، وكان أمام عيني دائمًا حبي الكبير لأمي، وعذابي الكبير من أجل ألمها ومرضها الطويل.
كان مرض أمي هو المانشيت العريض في حياتي.
أما بقية الأحداث، فلم تكن أكثر من أخبار صغيرة في أسفل الصفحة.
نجاحي، تفوقي، زواجي، إنجابي، أفراحي، خيباتي، وحتى أحزاني الخاصة... كلها كانت تحدث، نعم، لكنها كانت تتوارى أمام ذلك الخبر الأكبر.
كانت أمي مريضة.
وهذا وحده كان كافيًا لأن يجعل كل شيء آخر يبدو أقل أهمية.
في كل مناسبة تقريبًا، شاءت الأقدار أن تكون أمي في أزمة صحية حادة.
فلا تأتي الفرحة كاملة.
أفرح، لكن فرحتي كانت دائما مكسورة ،
ويأتي الحزن، فأؤجله، لأن هناك حزنًا أكبر منه.
كنت أعيش أحداث حياتي، لكنني لم أكن أعيشها كاملة.
لم أفرح ملء شدقي، ولم أبكِ ملء عيني.
حتى حزني الشخصي كان يبدو لي ترفًا أمام ألمها.
كنت أقول لنفسي، دون أن أنطقها:
ما قيمة أن أحزن من أجل نفسي، وهناك أمي تتألم؟
وما قيمة أن أفرح بكل قلبي، وهناك جزء من قلبي مشغول بها؟
وهكذا حدث شيء غريب...
أنا لم أخبئ أحزاني فقط.
أنا خبأت أفراحي أيضًا.
كأنني وضعت حياتي كلها في الهامش، وتركت العنوان الرئيسي يحتل الصفحة.
لم أعش لنفسي كما ينبغي.
كنت ابنةً قبل أن أكون امرأة.
أصبحتُ – بالضبط كما يُسمى في علم النفس – "حارس البوابة".
ذلك الشخص الذي يقف عند بوابة شعوره، يمنع مرور حزنه الذاتي وفرحه الشخصي، ليبقى صامدًا في حراسة ألم من يحب، حاميًا لبيته من الانهيار، ومؤجلاً إنسانيته إلى أجل غير مسمى.
وكانت أمي حاضرة في كل ما أعيشه، حتى وهي غائبة عن تفاصيله.
ثم رحلت أمي.
وفجأة... اختفى المانشيت.
انتهى الخبر الأكبر.
وسكتت الصفحة.
وسقط حارس البوابة ....
وهنا فقط بدأت الأخبار الصغيرة تظهر.
بدأت أرى حياتي التي مرت من خلفه.
بدأت أكتشف أن هناك أفراحًا لم أفرح بها كما ينبغي، وأحزانًا لم أحزنها كما ينبغي، ومواقف كثيرة مرّت بي دون أن أمنحها حقها من الشعور.
فأنا الآن أضحك كثيرًا بلا سبب...
وأبكي كثيرًا بلا سبب.
أبكي على كل ما مرّ قبل ذلك من حزن ولم أبكه.
وأضحك لأستعيد فرحًا قديمًا لم أعشه.
أبكي من كلمة، أو ذكرى، أو موقف صغير، فأكتشف أنني لا أبكي عليه وحده، وإنما على سنوات كاملة من المشاعر التي ظلت تنتظر دورها.
وهنا فهمت شيئًا لم أفهمه وأنا صغيرة:
أن الإنسان حين يعيش تحت ظل حزن كبير، لا تختفي أحزانه الصغيرة، ولا أفراحه الصغيرة.
هي فقط تتوارى خلف البوابة.
وحين يرحل الحزن الكبير، وتتوقف الحراسة، تظهر فجأة.
وكأن الحياة تقول لنا:
لقد انتهى المانشيت...
والآن، يمكنك أن تقرئي بقية الأخبار.
ربما لهذا يقول محمود درويش:
«فحين تصير الحياة طبيعية
سوف نحزن كالآخرين لأشياء شخصية
خبأتها عناوين كبرى...»
وهذا بالضبط ما حدث لي.
حين أصبحت الحياة طبيعية، بدأت أحزن كالآخرين.
على أشياء صغيرة.
على أشياء قديمة.
على أشياء كنت أظن أنني تجاوزتها.
وعلى أشياء لم أكن أعرف أصلًا أنها كانت تؤلمني.
ربما لم أكن إنسانة كثيرة البكاء بعد رحيل أمي...
ربما كنت فقط أسترد، متأخرة، حقي في أن أشعر.
فبعض الأحزان لا تنتهي حين تنتهي أسبابها.
بعضها ينتظر حتى نأمن، حتى تهدأ الحياة، حتى يسقط المانشيت الكبير، ويتنحى "حارس البوابة"...
ثم يخرج من الهامش، ويطالب أخيرًا بأن يُقرأ.
مانشيتات عريضة، تحتل الصفحة كلها، وتتوارى أمامها الأخبار الصغيرة، مهما كانت مهمة.
وعندما يكون في الحياة حب كبير، تتوارى أمامه كل المشاعر العابرة.
عشت طفولتي وصباي، وكان أمام عيني دائمًا حبي الكبير لأمي، وعذابي الكبير من أجل ألمها ومرضها الطويل.
كان مرض أمي هو المانشيت العريض في حياتي.
أما بقية الأحداث، فلم تكن أكثر من أخبار صغيرة في أسفل الصفحة.
نجاحي، تفوقي، زواجي، إنجابي، أفراحي، خيباتي، وحتى أحزاني الخاصة... كلها كانت تحدث، نعم، لكنها كانت تتوارى أمام ذلك الخبر الأكبر.
كانت أمي مريضة.
وهذا وحده كان كافيًا لأن يجعل كل شيء آخر يبدو أقل أهمية.
في كل مناسبة تقريبًا، شاءت الأقدار أن تكون أمي في أزمة صحية حادة.
فلا تأتي الفرحة كاملة.
أفرح، لكن فرحتي كانت دائما مكسورة ،
ويأتي الحزن، فأؤجله، لأن هناك حزنًا أكبر منه.
كنت أعيش أحداث حياتي، لكنني لم أكن أعيشها كاملة.
لم أفرح ملء شدقي، ولم أبكِ ملء عيني.
حتى حزني الشخصي كان يبدو لي ترفًا أمام ألمها.
كنت أقول لنفسي، دون أن أنطقها:
ما قيمة أن أحزن من أجل نفسي، وهناك أمي تتألم؟
وما قيمة أن أفرح بكل قلبي، وهناك جزء من قلبي مشغول بها؟
وهكذا حدث شيء غريب...
أنا لم أخبئ أحزاني فقط.
أنا خبأت أفراحي أيضًا.
كأنني وضعت حياتي كلها في الهامش، وتركت العنوان الرئيسي يحتل الصفحة.
لم أعش لنفسي كما ينبغي.
كنت ابنةً قبل أن أكون امرأة.
أصبحتُ – بالضبط كما يُسمى في علم النفس – "حارس البوابة".
ذلك الشخص الذي يقف عند بوابة شعوره، يمنع مرور حزنه الذاتي وفرحه الشخصي، ليبقى صامدًا في حراسة ألم من يحب، حاميًا لبيته من الانهيار، ومؤجلاً إنسانيته إلى أجل غير مسمى.
وكانت أمي حاضرة في كل ما أعيشه، حتى وهي غائبة عن تفاصيله.
ثم رحلت أمي.
وفجأة... اختفى المانشيت.
انتهى الخبر الأكبر.
وسكتت الصفحة.
وسقط حارس البوابة ....
وهنا فقط بدأت الأخبار الصغيرة تظهر.
بدأت أرى حياتي التي مرت من خلفه.
بدأت أكتشف أن هناك أفراحًا لم أفرح بها كما ينبغي، وأحزانًا لم أحزنها كما ينبغي، ومواقف كثيرة مرّت بي دون أن أمنحها حقها من الشعور.
فأنا الآن أضحك كثيرًا بلا سبب...
وأبكي كثيرًا بلا سبب.
أبكي على كل ما مرّ قبل ذلك من حزن ولم أبكه.
وأضحك لأستعيد فرحًا قديمًا لم أعشه.
أبكي من كلمة، أو ذكرى، أو موقف صغير، فأكتشف أنني لا أبكي عليه وحده، وإنما على سنوات كاملة من المشاعر التي ظلت تنتظر دورها.
وهنا فهمت شيئًا لم أفهمه وأنا صغيرة:
أن الإنسان حين يعيش تحت ظل حزن كبير، لا تختفي أحزانه الصغيرة، ولا أفراحه الصغيرة.
هي فقط تتوارى خلف البوابة.
وحين يرحل الحزن الكبير، وتتوقف الحراسة، تظهر فجأة.
وكأن الحياة تقول لنا:
لقد انتهى المانشيت...
والآن، يمكنك أن تقرئي بقية الأخبار.
ربما لهذا يقول محمود درويش:
«فحين تصير الحياة طبيعية
سوف نحزن كالآخرين لأشياء شخصية
خبأتها عناوين كبرى...»
وهذا بالضبط ما حدث لي.
حين أصبحت الحياة طبيعية، بدأت أحزن كالآخرين.
على أشياء صغيرة.
على أشياء قديمة.
على أشياء كنت أظن أنني تجاوزتها.
وعلى أشياء لم أكن أعرف أصلًا أنها كانت تؤلمني.
ربما لم أكن إنسانة كثيرة البكاء بعد رحيل أمي...
ربما كنت فقط أسترد، متأخرة، حقي في أن أشعر.
فبعض الأحزان لا تنتهي حين تنتهي أسبابها.
بعضها ينتظر حتى نأمن، حتى تهدأ الحياة، حتى يسقط المانشيت الكبير، ويتنحى "حارس البوابة"...
ثم يخرج من الهامش، ويطالب أخيرًا بأن يُقرأ.