أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة) - العمل البصمة

هناك الكثير من المبدعين أصحاب الإنتاجات الغزيرة إلاّ أنّهم اشتهروا بعمل إبداعيّ دون غيره،فكان هذا العمل الإبداعيّ هو بمثابة العمل البصمة في مسيرتهم الإبداعيّة،فنجد على سبيل المثال لا الحصر أنّ الشّاعر صدقي عبد القادر الشاعر الليبي يشتهر بديوانه"بلد الطيوب" على الرّغم من أنّ له عدّة دواوين،وكذلك هناك الكثير من الروايات والقصص لمحمد شكري،ولكنّه اشتهر بمنجزه"الخبر الحافي"،وت.س.أليوت الذي له الكثير من القصائد قد اشتهر بقصيدة"الأرض اليباب"،وخوان رولفو أُشتهر برواية واحدة ليس عنده غيرها،وهي رواية"بيدرو بارامو".
هذه الظاهرة التي لازمت الكثير من المبدعين لاسيما العمالقة منهم،ووسمت إنتاجاً معيناً من إنتاجاتهم دون غيره لا تدلّ بالضّرورة على أنّ المشهور لهم دون غيره من إبداعاتهم هو الأفضل أو القمة فيما كتبوا،ولا تعني كذلك أنّه الأكثر حظّاً دون أن يكون الأكثر جودة،ولكنّها تشير إلى أنّ تضافر المعطيات والظّروف وأحياناً الصّدف الإبداعية أو التاريخية أو الإعلامية هي من خصّت إبداعاً دون غيره بهذه الشّهرة،وقرنته بمبدعه بشكل خاص،ووضعته تحت الضّوء،وهذا الأمر لا يكاد يختلف عن ظاهر بروز أو سطوع نجم مبدع أو أكثر في زمن ما متفوّقاً على أقرانه على الرّغم من أنّ هناك غيره من المبدعين الذين قد يفوقونه قامة وإبداعاً،ولكن لم تُكتب لهم الشّهرة والنّجاح وطيران النّجم كما كُتب لغيره من المشهورين.
والحقيقة أنّ هناك الكثير من التعليلات التي قد تقدّم لتفسير هذه الظاهرة،مع الأخذ بعين الاعتبار أنّها تعليلات مفترضة، وليست جازمة،ففي النّهاية لا يمكن أن نرصد بشكل رياضي حاسم سبب نجاح عمل إبداعي يخاطب العقول والأفئدة والتوجهات والعواطف والرؤى،فهذا خارج عن مقدّرات الحساب والرّصد الإحصائي.
ولكن في الوقت نفسه نستطيع القول إنّ الظروف قد تلعب دوراً في رفع أعمال أكثر من قدرها،والهبوط بأخرى بعيداً عن فرضية المثال الإبداعي التي قد تصحّ في بعض الحالات ،ولكنّها ليست لازمة دائمة في الأحكام.
ولتقريب الصّورة للأذهان سآخذ حالة المبدع العربي الكبير نجيب محفوظ مثالاٌ على هذا الأمر،فنحن نتكلم عن مبدع أنتج ما يقارب ستين رواية في رحلة إبداعه التي تجاوزت نصف قرن،وتمخّضت عن أن يكون المبدع العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل للأدب،فضلاً عن رصيده الكبير في القصص القصيرة والدراسات الأدبية والفلسفية والسيناريوهات،ولكن على الرّغم من ذلك اقترن اسمه بشكل خاص برواية" أولاد حارتنا" ،وهي في رأيي الخاص ليست الأفضل فنياً في مسيرة نجيب محفوظ،وليست العلامة الوحيدة في مسيرته لاسيما في الفترة الفلسفية من كتابته،فهناك على سبيل المثال رواية "رحلة ابن فطومة"ورواية" الطريق " ورواية"ليالي ألف ليلة" وغيرها من الروايات الفلسفية المهة،فضلاً عن أنّ رحلة نجيب محفوظ الروائية في فترتها الأولى ،أعني الفترة التاريخية،وفي فترتها الثانية الاجتماعية قد تمخّضت عن عدد عملاق من الروايات العلامات في المشهد الروائي العربي،ونذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر:ملحمة الحرافيش،والقاهرة الجديدة،والسراب،وثلاثيته الشهيرة،وغيرها،وهي جميعاً روايات مهمة بشهادة النّقاد جميعاً،فضلاً عن أنها لاقت إعجاباً جماهيرياً وشعبياً عملاقاً لاسيما عندما حُوّلت على أعمال سينمائية وتلفزيونية. وهذا كلّه يقودنا إلى سؤال ملح:لماذا كانت الشهرة لرواية "الأولاد حارتنا" أكثر من غيرها؟
وأخال الإجابة عن ذلك السؤال تلوح لنا في الظروف التي أحاطت بظروف هذه الرواية،فموضوعها،والظروف التي رافقتها من جدل شعبي وثقافي حول مفاهيمها ورموزها وتأويلاتها،ومن ثم تلك الحرب التي شنّها الأزهر وعلماؤه على نجيب محفوظ بسبب تأويلهم لها،انتهاء بتلك الحملة الشعواء ضدّ نجيب محفوظ نفسه التي أدّت إلى محاولة اغتياله في عام 1994 فضلاً عن حصوله على جائزة نوبل التي أشادت في بيان إعلانها الجائزة بهذه الرواية بشكل خاص قد أدّت جميعاً إلى أن تصبح هذه الرواية علامة فارقة في تاريخ نجيب محفوظ،وبالتالي مُيّزت به،وميّز بها،بعيداً برأيي الخاص عن المفاضلة القائمة على الإبداع والنّضوج .
وهذا التأويل يصلح أن يطبّق على باقي الحالات المشابهة مع الأخذ بعين الاعتبار الحرص على أن تدرس ظروف كلّ حالة بشكل منفرد؛إذ لابدّ أنّ الظروف الخاصة المحيطة بكلّ أديب هي من ترسم أقدار إبداعاته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...