خالد هاشم - عن بردية الشوق للشاعر حسني الإتلاتي

تأخذنا قصيدة "بردية الشوق" للشاعر حسني الإتلاتي إلى أفق فصيح باذخ يتدفق شجناً وعشقا لتعيد صياغة العلاقة الأبدية بين المبدع ومحبوبته المطلقة التي هي في جوهرها "مصر" ذات التاريخ والبردية والمجد الممتد من عهد "مينا".
النص ليس مجرد غزليات عابرة بل هو وثيقة عشق وانتماء وجودي ومواجهة شجاعة بين روح العاشق الشريف ومرارة الغياب والجفاء.
يأتي النص استمرار وتعميق لمشروع الشاعر الشعري والإنساني فإذا كان قد بكى الفقد المباشر في "زينب" ورصد مكابدة الروح في مرثية أبيه وفي نثريته الشجية عن ثمن الغربة ثم عاتب محبوبته بلسان الفلاح الأسمر بلغة عامية دافئة فإنه هنا يرتدي عباءة الفصحى العفية والمشحونة بالنبرة الصوفية ليصوغ معزوفة في حب هذه البلاد محبوبته التي قد يطال الشاعر منها الجفاء والبوار وجفاف الحلق ورصاص النقد والغياب المستبد بينما ينعم غيره بالقصر والنعيم ورغم ذلك يرفض أن يحسد أو يغبط راضياً بـ "الغرام السري" ودمع العين في المساء ومستعيداً دور الفارس القيسي الذي يهب ظهره الشريف للجلاد ليصد السوط عن محبوبته دون انتظار لمغانم بل طلباً للمغارم والشهادة في محراب حسنها.
تتجلى شعرية النص في هذا الترجيع الموسيقي والفصيح (ولي ولي.. يا أولي.. يا منتهاي ومقبلي)، وفي قدرة الشاعر على تحويل المرارة إلى عسل مصفى حين يقول "مرها في الحلق يحلو" معلناً في ختام البردية يميناً تاريخياً ممتداً عبر ستة آلاف عام بأن ولاءه وفداءه لهذه الأرض ثابت لم يتزعزع ولم يحنث منذ عهد مينا مما يجعل من "بردية الشوق" نصاً خالداً ينضم إلى درر ديوانه ويؤكد مجدداً أن حسني الإتلاتي يكتب دائماً بدمه ووفائه النبيل.
...
القصيدة منشورة في الثاني من أكتوبر 2025 بجريدة الأخبار المصرية العريقة
.....
برديّة الشوق . حسني الإتلاتي
لمّا تعبتُ وهدّني الشوقُ اتجهتُ لألف بابٍ
كلُّ بابٍ دون بابك دونَ وجهي يُوصَدُ
لا ما تعبتُ من اختصاصِكِ لي ببرد من رصاصِكِ
وانتقاصِكِ من غنائي
ليس لي هزج ارتقاصك
ليس لي محض اختلاصكِ
ليس لي إلا الغيابُ المستبدُّ المُزبدُ
ولي وعيدُك لي قديدُك
لي جفاف الحلقِ لي هذا البوار
ولي رصيفك ي خريفك
ليس لي شجرٌ ولا شمسية
إن جدّ واشتدَّ على قلبي مصيفك
ليس إلا هامشٌ ما هشّ بل ما بشّ لي
هو ليسَ يُسعفُ هامشي لا يُسعدُ
ولهم نعيمكِ - لستُ أحسدهم -
و قصرُكِِ ـ لست أغبطهم ـ ولا أنا أحسدُ
لكنَّ لي منك الكثيرَ :غرامك السّريُّ بي
لي دمع عينك في المساءِ
ـ إذا خلوتِ ـ على طويلِ تغرُّبي
يا مهربي مني إليك.. إليك وحدكِ
حين أهربُ مهربي
ما لي سواك المنتفي
حين الليالي عن لياليك النميرة يا أميرة تبعد
ولي ولي ..يا أوّلي ..يا منتهايَ ومُقبلي
لا حول لي لا نور لي إن تعذلي أو تخذلي
أو تنزلي بسوى رحاب منازلي
ولي ولي .. وأنا الولي
لا أشتكيكِ وأشتهيكِ أموتُ فيكِ وأُولَدُ
كلّي حلالكِ ماحلالكِ بي افعلي
ظهري الشريف وهبته الجلّاد عنكِ
صددتُ سوطا أن يمسَّك .. كنتُ قيسَكِ
فارسا لا تشتريه مغانمٌ
أنا إن وردت حياض حربك ..
فالمغارم لا المغانم تُورَدُ
فلتحرميني أو اظلميني أو اعدميني
منذ مينا لم أخنكم لا ولم أحنث يميني
منذُ أشلاءَ على الوادي قُطعت
ُ ووزعوا قلبي جمعتُك ِواتبعتُكِ
في الرشاد وفي الضلالِ و ما ودعْتكِ
كيف يتركُ من لحسنك كلّ نجمٍ
كلّ شمسٍ شطر حسنك يسجُدُ
أنا أشهُدُ .. يا أيها اللوّامُ قولوا : نشهدُ
هي لا سواها الخمر أسكر
حين أذكر .. حين أشكرُ مرّها في الحلق
مرّها في الحلق يحلو ..
مرُّها العسل المصفّى.. قلتُ :أشهدُ فاشهدوا



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...